منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكم استعمال الحقنة (القويلبات) الشرجية أو المهبلية أو الإحليلية نهار رمضان عند المالكية

عبد الله بنطاهر التناني السوسي

0

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هديه ورشده.
وبعد؛

فقد طلب مني الفقيه الجليل الدكتور الحسين أكروم حفظه الله بيانا في مسألة الحقنة وهي ما يعرف عندنا في المغرب بـ(القويلبات)؛ سواء كانت شرجية في الدبر، أو مهبلية في قبل المرأة، أو إحليلية في قلم الرجل؟

والجواب والله الموفق للصواب:

عرف القاضي عياض الحقنة بأنها: “ما يستعمله الإنسان من دواء من أسفله”(1)؛ الحقنة في الصيام من المسائل التي اختلف فيها العلماء داخل المذهب المالكي وخارجه؛ ويجب أن نعلم في البداية أن هذا الاختلاف لا يكون إلا في مسألة لا يوجد فيها نص شرعي صحيح صريح يحسم الأمر فيها، وأن اختلافهم في مسالة مّا دليل على أن فيها سعة ورحمة وأنها بمنزلة مشكل له حلول متعددة.
وحتى نقف على مكانة المذهب المالكي بين المذاهب في المسألة ينبغي أن نشير باختصار إلى أن المشهور في المذاهب الثلاثة الحنفية والشافعية والحنابلة على الجملة: أن الحقنة تفسد الصيام مطلقا؛ شرجية كانت، أو مهبلية، أو إحليلية، مع وجود أقوال خالفت المشهور عندهم(2).
أما في المذهب المالكي ففيها ثلاثة أقوال: “القضاء في الجميع، ونفيه في الجميع، والتفصيل”(3)، وتكاد تكون مستوية الأطراف:

الأول:

المزيد من المشاركات
1 من 68

أن الحقنة الشرجية تفسد الصيام إذا وصلت للمعدة؛ قال الشيخ خليل في مختصره: “وَإيصَالِ مُتَحَلِّلٍ… لِمَعِدَةٍ بِحُقْنَةٍ بِمَائِعٍ”(4)؛ أي: ومن شروط صحة الصيام ترك إيصال مائع لا جامد للمعدة بحقنة في الدبر، فيجب به القضاء فقط، ولا شيء في حقنة الإحليل لأنها تصل للمتانة ولا تصل للمعدة، وقال في توضيحه: “والمشهور مذهب المدونة يجب القضاء في الحقنة… بشرط الوصول، ولا يجب في الإحليل”(5).
أما الحقنة المهبلية بقُبُل المرأة فقد قاسها المالكية على الشرجية(6)؛ ولعل الصواب قياسها على الإحليلية؛ لأن المهبل مثل الإحليل؛ إذ لا منفذ لكليهما إلى المعدة، فمنفذ الإحليل إلى المتانة والمهبل إلى الرحم والله أعلم.

الثاني:

أن الحقنة لا تفسد الصيام إذا كانت جامدة لا تتحلل، وتفسده إذا كانت مائعة أو جامدة متحللة؛ لاحتمالها أن تصل إذا تحللت للجوف؛ والمشهور سواء كانت مغذية أو غير مغذية، وقال أبو إسحاق التونسي(7): بشرط أن تكون مغذية؛ بناء على أصله في الرضاع أنه لا يحرِّم إلا أن يكون له غذاء؛ ورد عليه القاضي عياض بقوله: “وهذا لا يلزم؛ لأن الباب مفترق؛ المراعاة في الرضاع ما ينبت اللحم وينشئ العظم، ولا يشترط هذا في إفطار الصوم؛ بل ما يصل إلى موضع الطعام والشراب فقط مما يشغل المعدة ويسكن كَلَب(8) الجوع”(9)، وكذلك رد عليه أبو الحسن الصغير(10).
واشتراط كونها مغذية؛ بناء على أن الحقنة يمتصها البدن عن طريق الأمعاء الدقيقة، فتكون مثل الطعام الذي يصل إلى المعدة من حيث التغذية، ومرد هذا اليوم إلى الطب؛ فإذا تأكد طبيا أن الحقنة مغذية يمتصها البدن كالأكل والشرب فإنها تفسد الصيام على هذا القول، وإلا فلا شيء فيها.

الثالث:

أن الحقنة لا تفسد الصيام مطلقا؛ شرجية أو مهبلية أو إحليلية؛ ولكنها مكروهة مراعاة للخلاف، وهو قول عبد الملك بن حبيب، وعليه فيستحب القضاء(11)؛ قال أبو الحسن الصغير: “والكراهة على بابها؛ لأنا لا نعلم ونقطع أنه يصل لجوفه؛ ولو قطعنا أنه يصل كان حراما، أو أنه لا يصل كان مباحا، فلما تساوى الاحتمالان كان مكروها”(12)؛
واستحسنه اللخمي من غير كراهة فقال: “واختلف في الاحتقان بالمائعات؛ هل يقع به فطر؟ وألا يقع أحسن؛ لأن ذلك مما لا يصل إلى المعدة، ولا إلى موضع ينصرف منه ما يغذي الجسم بحال”(13)، وبه قال ابن تيمية؛ لأن الحقنة لا يطلق عليها اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عرفاً، ولا يوجد دليل في الكتاب والسنة على أن مناط الحكم هو وصول الشيء إلى الجوف من غير إطعام(14).
وأصل هذا عند المالكية اختلاف أقوال الإمام مالك -رضي الله عنه- في المسألة؛ فقد جاء في المدونة أن الإمام مالكا كان يكره الحقنة للصائم، وأنه سئل عن الفتائل(15) تُجْعَلُ للحقنة؟ فقال: “أرى ذلك خفيفا ولا أرى عليه فيه شيئا”، وقال أيضا: “وإن احتقن بشيء يصل إلى جوفه فأرى عليه القضاء”؛ قال ابن القاسم وأشهب: ولا كفارة عليه. وسئل ابن القاسم عمّن قَطَّرَ في إحليله دُهْنا وهو صائم؛ أيكون عليه القضاء في قول مالك؟ فأجاب: “لم أسمع من مالك فيه شيئا وهو عندي أخف من الحقنة، ولا أرى فيه شيئا”(16).
قال القاضي عياض: “قول مالك في الحقنة بالفتائل: لا شيء عليه وفرق بين ذلك وبين غيرها؛ فدل أن كلامه في الفطر إنما هي في الحقنة المائعة وهي التي فيها الخلاف…؛ وأما غير المائعات فلا خلاف فيها”(17).
وقال ابن جزي ملخصا بعض ما سبق: “فأما الحقنة؛ ففيها ثلاثة أقوال: الإِفطار بها وفاقا لأبي حنيفة وابن حنبل، وعدمه، وتخصيص الفطر بالحقنة بالمائعات. وأما ما يُقَطَّر فِي الإحليل فلا يُفْطَر به خلافا لأبي يوسف”(18).

الخلاصة:

إذا أخذنا بالاحتياط نقول الأفضل استعمال الحقنة ليلا في رمضان، ومن استعملها نهارا قضى ذلك اليوم وخصوصا إذا ثبت طبيا أنها مغذية مثل الطعام؛ وهذا أفضل وأبرأ للذمة. ومن رام التيسير وأخذ بقول من يقول بأنها لا تفسد الصيام فلا حرج فيه إن شاء الله.
والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

الهامــــــش

(1) التنبيهات للقاضي عياض: (1/304).
(2) المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازة البخاري: (2/383)، والمهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي: (1/334)، والمغني لابن قدامة: (3/121).
(3) التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل: (2/403).
(4) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/523 و524).
(5) التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب للشيخ خليل: (2/403).
(6) الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي: (1/524).
(7) أبو إسحاق التونسي إبراهيم بن حسن(ت443هـ) تفقه بأبي عمران الفاسي وطبقته، له شروح حسنة وتعاليق مستحسنة، على كتاب ابن المواز وعلى كتاب المدونة، امتحن437هـ على يد العبيديين الشيعة؛ لأنه اتهمهم بالزنذقة وكفرهم، وفيه يقول عبد الجليل الديباجي:
(حاز الشرفين من عِلْمٍ ومن عمل * وقلما يَتَأتَّى العِلْمُ وَالْعَمَلُ).
ترتيب المدارك لعياض: (8/58-62)، وشجرة النور لمخلوف: (1/161).
(8) معنى كَلَب الجوع بفتح الكاف واللام: حِدَّته وشِدَّته. غريب الحديث للخطابي: (2/10)، والسراج المنير شرح الجامع الصغير للعزيزي: (1/91).
(9) التنبيهات للقاضي عياض: (1/312).
(10) مواهب الجليل للحطاب: (2/424).
(11) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير: (1/524).
(12) مواهب الجليل للحطاب: (2/424).
(13) التبصرة للخمي: (2/743).
(14) مجموع الفتاوى لابن تيمية: (25/243-247).
(15) الفتائل جمع فتيلة وهي: ما فتله الإنسان بيده من خيط أو قماش؛ يقال: فتَل الخيطَ وغيرَه: لواه وبرَمه ولفَّه على بعضه. المصباح المنير للفيومي: (2/462)، والمعجم الوسيط: (2/673)، ومعجم اللغة العربية المعاصرة لأحمد مختار: (3/1669).
(16) المدونة لسحنون: (1/269-270)، والجامع لابن يونس: (3/1109-1111)، ومناهج التحصيل للجرجاني: (2/77)، والتوضيح للشيخ خليل: (2/403). والتاج والإكليل للمواق: (3/345 و347).
(17) التنبيهات للقاضي عياض: (1/311).
(18) القوانين الفقهية لابن جزي: (ص: 80).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.