منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كورونا البلاء

0

حل بعالم الناس داء سرى فيهم من غير استئذان، و اخترق الأجسام في غير احتشام، فعز الدواء الشافي، إلا ما كان من إجراءات و احتياطات دعت إليها الهيئات المختصة، و الأجهزة التي ترصد تطور هذا الوباء و طرق انتشاره.

من الصين؛ من أرض التحديات جاء التحدي لعالم الناس، بما كسبت أيدي الناس، بظلم من استكبر فحول المختبرات من فضاءات للبحث و الاكتشاف، إلى أوكار خرج منها الأذى، فكانت النتيجة أرواح زهقت، و أنفسا نفيسة قضت، و لله الأمر من قبل و من بعد، و قد يكون تهور الإنسان الباحث المزهو بما تحصل له من نتائج، و ما حقق من سبق علمي، أفضى به لتنافس مجنون، كان من حماقات ذلك تركيبات تجريبية تسلّلت من وراء تلك الستر المرخاة، ففُضح المستور، و انكشف المطمور، و اكتوت الإنسانية بنار التسابق الأهوج بين كبارها.

و قد يكون الفعل عن سابق إرادة تضمر الشر لبني جنسها، و تبغي بعد نشر سمّها القاتل علاجا أو انتصارا، تجني وارءه الأموال، فحدّدت انطلاق الفيروس، و لكن أنّا لها أن تتحكم في مساره، فاكتشفت أن هناك قدرة أكبر منها قادرة و مقدرة، هي المتحكمة في سيره و مآله، فهل يستوعب العقل المتألّه بما تحصل له، أن هناك قوة ردع أعتى من جبروته، و أقوى من صنعه
و تدبيره.

تتناسل التحليلات، و تكثر الاستنباطات، و الحقيقة الماثلة التي لا يختلف حولها اثنان، و لا ينتطح فيها عنزان، أن العالم الآن يحصي عدد قتلاه و مصابيه، و الكل يقرّ بأن الأمر بيد السماء، فتوجه أصحاب كل كتاب يلتمسون أثرة علم عندهم، و كل منهم يتوجه إلى قبلته يبتغي مددا. و الكل بتدبير العليم الحكيم، لهذا الأمر يسكن قلب كل مؤمن بالله صانع الأحداث، معقّب الليل على النهار، و المبتلي العباد بما شاء و كيف شاء، منزل البلاء على من أراد لحكمة هو يعلمها، ” و الله يحكم لا معقب لحكمه” الآية 41، سورة الرعد.

بلاء فهل من معتبر، عذّب الله أقواما طغت و تجبّرت، فتآمرت على الخير، فأجلبت عليه بخيلها و رجلها، حاصرته و منعت الناس منه، اضطهدت كل صوت يدعوا اليه، فلم يعد لديها وازع خلقي في التنكيل بأهله، و العسف عليهم، فكان جزائهم وفاقا، قصّ القرآن الكريم نبأ تلك الحضارات الظالمة الفاتكة، و أعطى بها المثال لبني الإنسان، بما أحدث السابقون منهم، عبرة
و عضة للاحقين، و ما يُغني الله عذاب الإنسان، إنما بلاءه لمن كفر بنعمه و جحد الإيمان به، فظلم خلق الله تعالى، و استقوى بما وهبه الكريم له، جزاء جهده و اجتهاده، فرد النعمة لنفسه، فطغى و استكبر، فجعله الله عبرة للمعتبر {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم
و حصيد}[1]. “و القرية في المفهوم القرآني حضارة جاهلية كافرة { و كم أهلكنا من قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا و رئيا}[2]. فأصحاب الأثاث و الرأي قرية كافرة زمنية تقوم زمانا ثم يحصدها الجبار سبحانه ببطشه” [3] حضارة اليوم لا تدين بالواحد الأحد، و لا تقسم خيرات الأرض بالسوية بين الناس، تسأثر و تظلم و تتجبر، و تمنع صوت العدل أن يسمع، و لواء الحق أن يرفع. تسفه الناصح الأمين، و تعتدي على حقوق الخليقة، فتقسم العالم إلى فئتين متكبرة مسثأترة و أخرى مستضعفة مغصوبة. ” إن العالم اليوم أكلة الجاهلية الرأسمالية، فلها الغلبة ولها معظم الأثاث
و الرئي؛ فلننظر أولا و أخيرا قتامتها و قذارتها فكل ذلك معروض علينا في صحف العالم، لكي نتعلم كيف نعاف الجاهلية إذ تكون نتائجها هذا الإنسان الشقي بنفسه المُكشّر عن أنيابه: الإنسان المستهلك.” [4]

المزيد من المشاركات
1 من 44

الحضارة اليوم شعوبا و حكاما، كل منهم يجني ما حصدت أيديهم، بسبب الاستكبار
و التحيز و غياب النصفة و الاستئثار بالخيرات، التي لم تغني عنها اليوم شيئا، فالوباء العدو يحصد الأخضر و اليابس، حيث لم يترك مهلة للتفكير، و لم يبقى الا وخز ضمير شعوبها الحرة، التي لنا معها لقاء يوم تنجلي الغمة، و يرفع الوباء عن الأمة بداريها دار الاستجابة، التي تقف في محاريب التبتّل و الضّراعة، تسأل من بيده الأمر، أن يكشف ما حلّ بها، و ألا يستثني أمة الدعوة ” و أن قرية الرأسمالية و قرى الشيوعية مجال إن شاء الله لنشر دعوة الإسلام، فكذلك ننظر إلى القرى بلا حقد و لا كراهية ” [5].   فيد الإسلام مبسوطة بعد أن تستفيق البشرية من هول صدمة هذا البلاء.” و نحن نأمل أن يهديها الله على يدنا معشر الأمة المستضعفة كما رجاء الأنبياء لقراهم، فإنما نحن  تابعون سائرون على سننهم و ما بيننا و بين ان ندعوها كما دعوا إلا ان نهتدي نحن و نتأهل لحمل الرسالة” [6].

[1]– الآية: 100، سورة الرعد.

[2]– الآية: 74، سورة مريم.

[3]– الإسلام غدا، ص: 318.

[4]– الإسلام غدا، ص: 319.

[5]– نفسه.

[6]– نفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.