منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مالك بن نبي والتجديد الحضاري أيّة علاقة؟

0

يبرز مالك بن نبي في نظريته أن الإنسان اجتماعي بطبعه، ويسعى دوماً عبر أعماله لتحقيق فطرية الاجتماع الغريزية فيه، ونتيجةً لهذه الميزة الاجتماعية التي ترضي وتلبي حاجياته الفطرية فهو بحاجة دائمةٍ ماسةٍ إلى تحقيق آليات الانصهار الاجتماعي مع بني جنسه، الأمر الذي يدفعه إلى البحث عن وسائل للتفاهم والتواصل اللغوي والفكري والاجتماعي والثقافي…، وبهاته الآليات تتشكل نواة المجتمع.

ولا يقوم المجتمع، ولا يعرف الاستقرار إلاّ بالفاعلية الثقافية، ولا تتحقق الفاعلية الثقافية فيه، إلا بالممارسة والحقن الحضاري. وأيّ تقاعسٍ في عملية الزرع الثقافي الدؤوب في مسيرة وبنية وعمق المجتمع ستجعل من المجتمع مجتمعاّ متخلفاّ/بدائياّ تسوده الهمجية ويحيا بالتخلف والفوضى، ولذلك فقد عرّف المفكر مالك بن نبي الحضارة قائلاً “… إنني أؤمن بالحضارة على أنها حماية للإنسان، لأنها تضع حاجزاً بينه وبين الهمجية…[1].

وأي غياب للفعل الحضاري/الفردي والاجتماعي سيؤدي بالضرورة الحتمية إلى عدمية الإنسان والإنسانية، وظهور موطن الخلل في عالم الأفكار والأشياء لأن:”… الحضارة هي التي تنقل الإنسان إلى شكل من أشكال الحياة الراقية”[2].

فالحضارة سِلم وأمان للإنسان والإنسانية، وحماية لكافة حقوقه وحرياته وواجباته وحاجياته، وبها يجد الأمن لمستقبله وحياته، لكونها تستطيع أن تمنحه ضمانات حقيقية وواقعية لوجوده، لأن وظيفتها تكمن في تأمين الحماية للاستمرارية الثقافية والمدنية والحضارية للفرد والمجتمع، وقد ابتهل المجاهد مالك بن نبي إلى:((… أن يكون للمجتمع مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل  فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذلك من أطوار نموه. فالمدرسة والعمل والمستشفى ونظام شبكة المواصلات والأمن في جميع صوره عبر سائر تراب القطر، واحترام شخصية الفرد، تمثل جميعها أشكالاً مختلفةً للمساعدة التي يريد ويقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه”[3].

ومهما كانت طبيعة الضمانات التي يقدمها المجتمع للفرد، سواء أكانت صدقةً، أو زكاةً، أو كفالةً، أو إعانةً، أو تعليماً أو تكويناً، فهي أنماط من الضمانات التي تصون أفراد المجتمع لأن حضور الفعل الحضاري في المجتمع هو مقياس حقيقي للمجتمع المتحضر، الذي يتشكل ويتغير عبر الفعل الكرونولوجي للوصول إلى الرقي والازدهار. فالمجتمع التاريخي المتطور هو الذي يصنع الحضارة،

وليست الحضارة سوى:”… محصلة تفاعل الجهد الإنساني مع سنن الآفاق والأنفس والهداية، من أجل الترقي المعرفي والروحي والسلوكي والعمراني في عالم الشهادة…[4].

لأن الحضارة إنجاز خلال الزمن التاريخي، ويشمل هذا الإنجاز كل مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية ولذلك يؤكد مالك بن نبي على فكرة أن الحضارة تولد منتجاتها أو هي التي تصنع منتجاتها، وكل استيراد لمنتجاتها ومعالمها لا يعتبر إنجازاً حضارياً، لأن الحضارة:”… هي نتاج فكرة حية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تجعله يدخل التاريخ، فيبني هذا المجتمع نظامه الفكري والثقافي طبقاً للنموذج المثالي الذي اختاره، وعلى هذا تتأصل جذوره في محيط ثقافي أصيل تتحكم بدوره في جميع خصائصه التي تميزه عن الثقافات الأخرى، والحضارات الأخرى…”[5].

وبذلك، يعرف الأستاذ مالك بن نبي الحضارة بالنظر إلى عناصر تركيبها الأساسية، وهي:‘‘ معادلة تركيبها الحدود التالية:{ إنسان + تراب + زمن = حضارة [6].

فالحضارة تشيد من خلال ما يحمله الإنسان من عقيدة وفكر، فيستغل بها التراب الذي يكتنز مختلف ضرورات الحياة، كما يستغل عامل الوقت بتحويله إلى ساعات عمل وإنتاج. فمشكلة الحضارة والتخلف والجهل والتبعية لا نعالجها باستيراد منتجات حضارة قائمة، بل نعالجها بحل مشكلات الإنسان والتراب والوقت.

كما أن عناصر الحضارة لن تجدي نفعاً إذا لم يكن الجامع بينهما هو فكرة الوازع الديني، الذي يسيطر على روح الفرد وحياة الأمة، وبذلك يظل هذا العامل هو المتحكم في سيرها التاريخي، وهذا ما يؤكده مالك بقوله:”… فالحضارة لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية، والحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعةً ومنهاجاً… فكأنما قدر للإنسان ألا نشرق عليه شمس الحضارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية…”[7].

وإن الفكرة الدينية تبث في روح معتنقيها الأخلاق الرفيعة، ومن بلسم روحها تنتشر وتنبعث حياة المجتمع الفكرة المتطورة، فإذا فقدت الأخلاق تحررت الغريزة، وهنا تنتصر الهمجية وتتقوى، وبذلك تطلق العنان إلى سقوط الحضارة على إثر تحرر الغرائز، فإذا ما تحررت الغرائز في الأفراد وسيطرت عليهم توجهت عقولهم نحو الكم والأرقام، وفق الإنسان قيمته الروحية الحقيقية وصارت الحضارة في يده وسيلة استعمار، ووسيلة اضطهاد وظلم وفساد وضغط، كما يرى بن نبي أن الحضارة تبدأ ببزوغ فكرة دينية فيه، وتسمى هذه المرحلة  بمرحلة الروح، وتكون الحضارة في طور الميلاد والنشأة، ثم تليها مرحلة انتشار وتوسع الحضارة، وتسمى مرحلة العقل، لتنتهي إلى مرحلة الغريزة وهي مرحلة الأفول والتلاشي[8].

ومن خلال هذا العرض السريع لمفهوم الحضارة عند مالك بن نبي يتبين أنه قد عرفها من خلال ثلاثة مستويات، فتعريفه لها من حيث تركيب عناصرها، يشير إلى النظرة النشوئية التكوينية، وتعريفه لها من حيث وظيفتها، يشير إلى النظرة الوظيفية، وتعريفه لها من الناحية التاريخية يشير إلى النظرة التاريخية التطورية البيانية[9].

تيمات الحضارة عند مالك بن نبي:

يرى الأستاذ مالك أن الحضارة لا تستقر في مكان واحد في الأرض، كما أنها لا تتمركز في رقعة جغرافية معينة، أو عند شعب معين، بل تسير وتتحرك من مكان لآخر، ومن شعب لآخر:((… لأن الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر…[10].

وتتقاسم حركية قيام الحضارات وسقوطها ثلاثة مستويات نظرية رئيسة كبرى، هي:

1-  نظرية حركة التقدم الصاعد للحضارة.

2-  نظرية حركة النكوص المتدهور.

3-  نظرية التعاقب الدوري.

وتدخل رؤية مالك بن نبي ضمن سياق النظرية الثالثة، التي درست الحضارة كحركة تعاقب دوري سنني، وقد تميزت هذه النظرية بنوعية العلماء والباحثين الذين قدموا قراءاتهم فيها بعمق وموضوعية وإنصاف، وهم:

1-   المؤرخ والباحث الموسوعي (عبد الرحمن بن خلدون ت 808 ه/ 1406 م)، الذي يرى أن خط سير الحضارة في أي أمة من الأمم يمر بالمراحل الأربعة الآتية: {مرحلة البداوة، ومرحلة الحضارة، ومرحلة الترف، ومرحلة التدهور}.

2-   المؤرخ والباحث الموسوعي (اشبنجلرت 1936 م)، الذي يرى أن الحضارة كائن حي، يولد وينمو، ويكبر ويهرم، ويموت.

3-   المؤرخ الموسوعي(أرنولد توينبي)، الذي يرى أن العامل الرئيسي في نمو الحضارة هو التحديات البيئية والجغرافية والبشرية المحيطة بالمجتمع.

4-   المؤرخ والفيلسوف (هيغل)، الذي يرى أن قيام الحضارة متوقف على الصراع القائم بين المتناقضات في نطاق المادة ووسائل الإنتاج[11].

وقد بسط مالك بن نبي كل هذه النظريات التي درست فلسفة قيام الحضارت، ثم عرض لنظريته التي لا تخضع لأسباب طبيعية جبرية، بقدر ما تخضع للإنسان نفسه. مشيراً على أن تطور الحياة الفكرية للمجتمع شبيه بتطور الحياة الفكرية للإنسان في جميع مراحل نموه، فهو كالطفل صغيراً، وكالشباب يافعاً، وكالكهل رجلاً، وكالعجوز شيخاً، وكالإنسان ميت فانياً، ونظريته في الحضارة تتأسس على الخطوات الآتية:

1-    الطور الأموي: وهي مرحلة التعامل العشوائي مع عالم الأشياء المحيطة به، دون إدراكٍ لعالم الأشخاص عدا وشخص أمه.

2-    الطور ما قبل الاجتماعي: وهي مرحلة التعامل مع عالم الأشخاص المحيطين به، دون إدراكٍ لعالم الأفكار.

3-   الطور الاجتماعي: وهو الطور المدرسي وما بعد المدرسي، وفيه يحاول إقامة الصلة بين العوالم الثلاثة في داخله [أشياء، أشخاص، أفكار}.

وهكذا تتكون الحضارة: بدءًا من الطور الطفولي البدائي، ثم الطور الاجتماعي بارتباط الأفكار بعالم الأشخاص، فالطور الراشد الواعي حيث يعطي المجتمع القيمة للفكرة المجردة عن عالم الأشخاص والأشياء. وهكذا تكون الحضارة بداوة، فتحضر، فشيخوخة، فانهيار[12].


[1]النجدة، مالك بن نبي، ص 5 نقلا عن: مالك بن نبي مفكراً إصلاحيا، ص 143.

[2]مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 19. 

[3]مالك بن نبي، القضايا الكبرى، ص 43

[4]الطيب برغوت، موقع المسألة الثقافية في إستراتيجية التجديد الحضاري عند مالك بن نبي، ص 10.

[5] مالك بن نبي، مشكلة الأفكار، ترجمة محمد عبد العظيم، ص 49.

[6]مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 29.

[7]مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 75.

[8]نفسه، ص 98- 99.

[9]آمنة تشيكو، مفهوم الحضارة عند مالك بن نبي و وارنولد توينبي، ص 111.

[10]مالك بن نبي، شروط النهضة، ص 73.

[11]مالك بن نبي، ميلاد مجتمع، ص 54. و شايف عكاشة، الصراع الحضاري في العالم الإسلامي، ص 54,

[12]شايف عكاشة، الصراع الحضاري في العالم الإسلامي، ص54.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.