منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) الأناجيل الأربعة في الميزان |قراءة في مراحل التدوين

د. مصطفى العلام

0

مقدمة:

تحدثنا سابقا على أن الكتاب المقدس ينقسم إلى عهدين، عهد قديم يطلق عليه التوراة من باب إطلاق الجزء على الكل، وعهد جديد نتحدث عنه إن شاء الله في هذا البحث الذي بين أيدينا. ولا يعني هذا التقسيم الخاص بالكتاب المقدس انقطاع الجديد عن القديم، بل إن الجديد جاء مكملا للقديم. فالمسيح ـ عليه السلام ـ جاء استمرارا لتعاليم موسى وناموسه، وهو إن عدل بعض الأحكام أو أضاف أو حذف منها، فإن هذا لا يعني التخلي عن العهد القديم كله، فكلاهما جزء من الكتاب المقدس الذي يتلوه ويؤمن به جميع المسيحيين، وهذا ما اشار إليه المسيح عليه السلام في إنجيل متى الإصحاح 5/17 – 18: ” «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. “». إلا أن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن المسيح أدخل بعض التعديلات والإضافات على العهد القديم. وذلك ما أشار إليه إنجيل متى، في كل من الإصحاح 5/31 والإصحاح 5/1 والإصحاح 5/38. فمثلا في الإصحاح 5/31-32 يقول السيد المسيح. «وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَق. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إلاَّ لِعِلَّةِ الزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي«”.

فإذا كان اليهود لا يعترفون بنبوة المسيح أصلا ويقولون فيه بهتانا عظيما، فإن المسيحيين اعتمدوا اعتمادا كبيرا على أسفار العهد القديم ـ التوراة والأنبياء ـ لأخذ البشارات الدالة على نبوة المسيح والاستدلال على صدق معتقداتهم. كما أن أغلب المسحيين جاؤوا على أثر المسيح الذي أقر منهج العبرانيين وأصر عليه، وشذ عن ذلك الأرثوذكس وحدهم، فقد قبلوا من العهد القديم تسعة وثلاثين سفرا ورفضوا ثمانية مثل “يهوديت” و”طوبيا” وغيرها. أما الطوائف الأخرى من كاثوليك وبروتستانت وغيرهم فقد قبلت تلك الأسفار كلها كما ذكرت في العهد القديم.

فماهي هذه الأناجيل الأربعة وما علاقتها بالعهد الجديد؟ ولماذا التركيز عليها وحدها دون غيرها؟ وماهي مراحل تدوينها؟ وهل بقي من الأناجيل شيء من الوحي الإلهي؟

وللإجابة على هذه الأسئلة سأقسم هذا البحث إلى ثلاثة محاور:

المزيد من المشاركات
1 من 31
  • المحور الأول: سأتحدث فيه عن ماهية الأناجيل الأربعة، وخاصة إنجيل متى وإنجيل مرقص.
  • المحور الثاني: سأتناول فيه تتمة ماهية الأناجيل الأربعة، وخاصة إنجيل لوقا وإنجيل يوحنا.
  • المحور الثالث: ستكون فيه قراءة في المراحل التاريخية التي مر منها تدوين الأناجيل الأربعة.

أولا ـ ماهية الأناجيل الأربعة[1].

تعد الأناجيل الأربعة التي تصدرت العهد الجديد أهم وأعظم الكتب الدينية في العقيدة المسيحية على الإطلاق.» الإنجيل” كلمة يونانية “إواكليون”، وهي تعني البشارة. دخلت اللغة اللاتينية: evangelium (وكذلك في الألمانية )، ومنها في الفرنسية evangile ».[2]

وللإشارة فكلمة “الأناجيل” في البدايات الأولى للمسيحية كانت تطلق على مئات الأناجيل إلى حدود انعقاد مجمع نيقية[3]، الذي اختيرت على إثره الأناجيل الأربعة الرسمية، أو ما يصطلح عليها الأناجيل “القانونية” في مقابل الأناجيل الأخرى التي لم يتم اختيارها، والتي أطلق عليها اسم الأناجيل “الأبوكريفية” أو البرانية.

ـ لماذا اختيار أربعة أناجيل دون غيرها؟

يجيب ‘ناصر المنشاوي’ على هذا السؤال بالقول: « يقول مؤرخو المسيحية إن الأناجيل في الصدر الأول لم تكن أربعة فقط، وإنما كانت بالمئات، نحو ثلاثمائة إنجيل، يروي كل ما شهد أو سمع، أو ينقل عمن شهد أو سمع، أو يقص ما يحتج به لمقولته في المسيح. ولكن الكنيسة – بعد استقرار عقيدة التثليث فيها في القرن الرابع – استبقت من هذه الأناجيل أربعة فقط، وهي التي بين أيدينا الآن، وحظرت ما عداها ».[4]

وما يزيد الغرابة في مسألة اختيار الأناجيل الأربعة، الطريقة الغير المبررة ولا المعللة التي اختيرت بها هذه الأناجيل، وهذا مايشير إليه ‘عبد الفتاح أحمد الفاوي’ بالقول «وكانت الأناجيل كثيرة جدا لكن الكنيسة اختارت أربعة منها – اختيارا غير معلل – وتركت الباقي».[5]

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

فيبقى الحديث طويلا ومتشابك الخيوط في مسألة اختيار الأناجيل الأربعة دون غيرها، إذ يطرح عدة فرضيات، ويفتح باب النقاش على مصراعيه في طريقة اختيارها الغير المبررة ولا المعللة، ويدفع الباحث إلى زيادة بحث لمعرفة حقيقة هذه الأناجيل.

ومن خلال ما سنعرضه – إن شاء الله – من محتويات كل إنجيل، سيتضح من خلال مضامينها هوية كتابها، وتاريخ ودواعي كتابتهم لها، ومدى توافق واختلاف هذه الأناجيل فيما بينها…

وينبغي الإشارة إلى أن هذه الأناجيل ـ من وجهة نظر النصارى ـ لم تنزل على المسيح ولم يثبت كتابته لها، وهذا ما يؤكده ‘محمد السعدي’ بالقول: « وهذه الأناجيل لم تنزل على المسيح لأن المسيح بالنسبة للنصارى إله ولا يحتاج الإله إلى كتاب، كما أن المسيح لم يملها على كتابها باتفاق الجميع. ولم تكتب أثناء حياته بل كتبت بعد رفعه بواسطة اثنين من حوارييه واثنين من أتباعه وهذا أمر لا خلاف عليه أيضا».[6] لذلك سنركز حديثنا على الأناجيل السينوبتيكية[7]، والتي تعتبر الأناجيل الأولى في المسيحية بادئين بإنجيل متى ثم مرقص ولوقا، وبعدها نتحدث عن رابع الأناجيل وهو إنجيل يوحنا.


الهوامش

[1] لما منح الإمبراطور قسطنطين عطفه لأتباع المسيح واعتزم الدخول في دينهم، فإذا هم لم يكونوا متفقين إلا في التعلق باسم المسيح واشتد الخلاف بين الطوائف، فأمر بعقد مجمع نيقية عام 325م.فجاءت الطوائف المختلفة ومعها عشرات الأناجيل ومئات الرسائل للتدقيق وإظهار الحجة، وليس في اختلافهم ما يزيل الشك بل يقويه لعدم وجود الإسناد. فسمع الملك تلك المناظرات فعجب أشد العجب. ثم جنح أخيرا إلى رأي بولس لقربه من أفكاره الوثنية، وعقد مجلسا خاصا بالأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي. فاختارت الكنيسة المنتصرة من تلك الكتب والرسائل ما لا يتعارض مع نزعتها، ومنها أربعة أناجيل، فسلمت بها وجعلتها قانونية. وهذا خلاف ما نجده في المصادر المسيحية حيث يذهب بعضهم إلى أن الأناجيل الأربعة قبلت بإجماع وليس بالإختيار والتصويت كما يشير إليه مجمع نيقية. يقول القس صموئيل مشرقي: « وقد قبلت البشائر الأربع كوثائق رسمية قانونية بالإجماع في أواخر القرن الثاني حوالي سنة 180م بعد أن كانت قد ظهرت منذ القرن الأول بشارتا لوقا ومرقس في رومية ومتى في أنطاكية ويوحنا في أفسس واشتهرت كل من هذه البشائر أولا في كنيسة المدينة التي ظهرت فيها لأول مرة ثم ظهرت في الكنيستين الأخيرتين وبعد ذلك قبلتها جميع الكنائس.» ( أنظر مصادر الكتاب المقدس، طائفة الأقباط مجمع الله الخمسيني، بقلم القس صموئيل مشرقي، مطبعة الأمانة، صدر بالقاهرة- جمهورية مصر العربية في 1973، ص: 19.)

[2] أنظر: تطور الإنجيل، المسيح ابن الله أم ملك من نسل داوود؟،إينوك باول، ترجمة ودراسة نقدية أحمد إيبش، القتيبة للنشر الطبعة الأولى:1424ه _2003م،.ص: 20.

[3] مجمع نيقية يعد من أهم المجامع عقد سنة 325 م لخلاف حول ألوهية المسيح فقد نادى بعضهم بألوهية المسيح ورفضها بعضهم منهم آريوس وأتباعه، مما دعا الإمبراطور ” قسطنطين الكبير” وهو أول من آمن من أباطرة الرومان بالنصرانية، دعا جميع كنائس المسكونة للإجتماع. اتخذ المجمع قرارات أهمها:

أ – القول بألوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيرا عن خطيئة البشر.

ب – اختار المجمع الكتب وبعض الرسائل لتكوين الكتاب المقدس وتدمير ما عداها من رسائل وأناجيل.

ج – إصدار قانون الإيمان النيقاوي. ( أنظر البيان الصحيح لدين المسيح، ياسر جبر، تقديم عمر بن عبد العزيز القرشي، وديع أحمد فتحي، دار الخلفاء الراشدين، دار الفتح الإسلامي، الطبعة الأولى، ص: 24 بتصرف.)

[4] الجوانب الخفية من حياة المسيح، ناصر المنشاوي،تاريخ النشر 2003، ص: 38.

[5] المسيحية بين العقل والنقل،عبد الفتاح أحمد الفاوي، كلية دار العلوم القاهرة، الطبعة الأولى 1992، ص: 99.

[6] حول موثوقية الأناجيل والتوراة، محمد السعدي، منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ص 12

[7] وهي تعني باللغة اليونانية يرى أو يشاهد. (أوبتنوميا)، – إن كلمة سينوبتيكية كلمة يونانية الأصل. والأناجيل السينوبتية Synoptic Gospels هي الأناجيل القانونية الثلاثة الأولى متى ومرقس ولوقا. سميت كذلك لأنها متألفة أو متشابهة حيث تخبر نفس القصص عن يسوع وتتبع ترتيب الأحداث نفسه عامة. ويقابل هذه الأناجيل إنجيل يوحنا “المستقل”. المرجع نفسه، الصفحة نفسها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.