منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) التوراة في الميزان | قراءة في المراحل التاريخية لتدوينها

د. مصطفى العلام

0

ثانيا: المراحل التاريخية لتدوين التوراة

مرت التوراة بأطوار ومراحل طويلة، بداية من عهد النبي موسى – عليه السلام – إلى أن كتب لها الجمع والتنقيح النهائي وإخراجها للوجود.

1 – التوراة في عهد موسى عليه السلام:

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه موسى عليه السلام أن يصعد إلى الجبل ليعطيه لوحي الحجارة، التي كتبت عليهما الشريعة والوصية لتعليم بني إسرائيل. وأمره أيضا أن يأمر بني إسرائيل أن يصنعوا تابوتا من خشب السنط – بين لهم أوصافه – ليضع فيه لَوْحَي الشهادة. ففعل موسى ما أمره الله به فأخذ لوحي الشهادة وجعلها في التابوت، وهذا ما أشار إليه سفر التثنية 31/ 9 – 13: وَكَتَبَ مُوسَى هذِهِ التَّوْرَاةَ وَسَلَّمَهَا لِلْكَهَنَةِ بَنِي لاَوِي حَامِلِي تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ، وَلِجَمِيعِ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ. وَأَمَرَهُمْ مُوسَى قَائِلًا: «فِي نِهَايَةِ السَّبْعِ السِّنِينَ، فِي مِيعَادِ سَنَةِ الإِبْرَاءِ، فِي عِيدِ الْمَظَالِّ، حِينَمَا يَجِيءُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ لِكَيْ يَظْهَرُوا أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ، تَقْرَأُ هذِهِ التَّوْرَاةَ أَمَامَ كُلِّ إِسْرَائِيلَ فِي مَسَامِعِهِمْ. اِجْمَعِ الشَّعْبَ، الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالأَطْفَالَ وَالْغَرِيبَ الَّذِي فِي أَبْوَابِكَ، لِكَيْ يَسْمَعُوا وَيَتَعَلَّمُوا أَنْ يَتَّقُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ وَيَحْرِصُوا أَنْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ كَلِمَاتِ هذِهِ التَّوْرَاةِ. وَأَوْلاَدُهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا، يَسْمَعُونَ وَيَتَعَلَّمُونَ أَنْ يَتَّقُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي تَحْيَوْنَ فِيهَا عَلَى الأَرْضِ الَّتِي أَنْتُمْ عَابِرُونَ الأُرْدُنَّ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكُوهَا».
وفي هذه المرحلة يمكن القول، أن التوراة في عهد موسى – عليه السلام – كانت محفوظة في التابوت، ومخافة أن يطالها التحريف لم يُطْلِع اليهود عليها ماعدا النزر اليسير منها.

 2- التوراة في عهد خليفة موسى عليه السلام ‘يوشع بن نون’:

المزيد من المشاركات
1 من 22

فبعد وفاة موسى ـ عليه السلام ـ خلفه ‘يوشع بن نون’، فخص ‘يوشع’ سبط لاوي بالخدمة الدينية واختص منه أبناء هارون بالكهنوت. فلم يفرز لهم نصيبا مستقلا من الأرض كباقي الأسباط وإنما أعطاهم مدنا متفرقة في كل سبط ليقوموا بالخدمة الدينية لدى الأسباط جميعا. وهذا ما أشار إليه “عبد الوهاب عبد السلام طويلة” « فالهارونيين وحدهم الذين كانوا يعرفون التوراة ويحفظون أكثرها ولم تكن محفوظة على ألسنتهم، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلا منها »[1]. ولذلك يحق لنا التساؤل: كيف لكتاب سماوي أنزله الله للهداية والرشاد، أن يخصص يشوع لحفظه سبط لاوي دون باقي أسباط بني إسرائيل؟ وكيف يمكن حفظ هذا الكتاب السماوي في سبط لاوي يحفظ كل واحد منهم فصلا واحدا دون الكل؟ وهذا عكس ما نجده في حفظ القرآن الكريم، إذ بالإضافة إلى أن الله سبحانه وتعالى تكلف بحفظه من بين الكتب السماوية الأخرى مصداقا لقوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾سورة الحجر، الآية 9. فإن الله خصه بميزة سهولة حفظه في الصدور [2].

وخلاصة القول في هذه المرحلة من مراحل تدوين التوراة هي أن أسفار التوراة أصبحت مجزأة إلى أجزاء يتقاسمها سبط لاوي دون غيرهم، ومن تم بدأ ضياع التوراة، وفتح الباب واسعا لتحريف نصوصها المقدسة.

3 – التوراة إبان حكم القضاة:

بعد موت يوشع ظل الشعب بأسباطه مقيما بين الشعوب المحيطة به، فكان ذلك الجيل عارفا بالرب على شاكلة أبائه، إلا أن الجيل الذي قام بعده جاء خلاف ذلك، وهذا ما يشير إليه ‘ عبد الوهاب عبد السلام طويلة’ بالقول « لكن قام من بعده جيل آخر لم يعرف الرب، بل عمل الشر عبد آلهة الشعوب المجاورة الذين حوله. فسلط الله عليهم أعداءهم فنهبوهم »[3]. فانتزع الفلسطينيون تابوت عهد الرب من يد بني إسرائيل فكانت بمثابة الضربة الموجعة لهم. وهذا ما اشار إليه سفرصموئيل الأول 4 / 10 – 11: فَحَارَبَ الْفِلِسْطِينِيُّونَ، وَانْكَسَرَ إِسْرَائِيلُ وَهَرَبُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى خَيْمَتِهِ. وَكَانَتِ الضَّرْبَةُ عَظِيمَةً جِدًّا، وَسَقَطَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ثَلاَثُونَ أَلْفَ رَاجِل. وَأُخِذَ تَابُوتُ اللهِ، وَمَاتَ ابْنَا عَالِي حُفْنِي وَفِينَحَاسُ. )).
إلا أن العجب والغرابة هو ما يقصه علينا سفر صموئيل6، 5 / 1 – 4 بخصوص عودة التوراة من جديد إلى يد الإسرائيليين. يقول السفر: (( فقد أدخل الفلسطينيون التابوت إلى بيت إلههم ” داجون” وأقاموا بقربه، وفي الصباح وجدوا ” داجون ” ساقطا على وجهه أمام التابوت فأقاموه مكانه. وفي الصباح التالي وجدوه كذلك. وقد قطعت رأسه ويداه. ثم أصيب أهل تلك المدينة بالبواسير. وتدافعت مدن الفلسطينيين حفظ التابوت، إلى أن قرروا إعادته مع كمية من الذهب بعد سبعة أشهر)). والأهم في هذا كله، وهو ما حل بالتوراة التي كانت بداخل التابوت؟ فهل من الطبيعي والبديهي أن تكون التوراة قد أخرجت من التابوت وأتلفت. أم يوجد عقل سليم يسلم ببقاء التوراة على حالها إلى أن رجعت إلى يد أصحابها دون أن تطالها أيدي التحريف؟ وهذا أمر غير معقول.

وخلاصة القول في هذه المرحلة هو انتزاع الفلسطينيين لتابوت عهد الرب من يد بني إسرائيل لمدة سبعة أشهر، قبل أن يعيدوه لأصحابه، ولايمكن الجزم بأن أسفار التوراة في تابوت العهد لم يلحقها أي تحريف، خاصة وأن المرحلة شهدت الحروب بين الفلسطينيين وبني إسرائيل.

4 – التوراة إبان حكم الملوك:

أمام خطر الفلسطينيين الذي داهم بني إسرائيل وشدد عليهم الخناق في ممارساتهم الدينية والاجتماعية، طلب شيوخ بني إسرائيل من القاضي ‘صموئيل’ أن يعين لهم ملكا يحارب عنهم. فعين لهم ‘شاؤول بن قيس’ من سبط ‘بنيامين’، والذي يسميه القرآن الكريم ‘طالوت’. وعقبه في الحكم داود ـ عليه السلام ـ ففتح أهم مدنهم وهي القدس واتخذها عاصمة له. يقول ‘عبد الوهاب طويلة’: « فكان التابوت آنذاك في قرية يعاريم، ولما فتح داود القدس نقله إليها في احتفال بهيج، حيث أقام له خيمة هناك، وعين اللاويين لخدمته ». [4] فخلف سليمان داود، فبنى الهيكل، وبنى بداخله المحراب – أي قدس الأقداس[5] – ليضع فيه التابوت. فكانت المفاجأة عظيمة عند فتحهم تابوت عهد الرب إذ وجدوه فارغا من التوراة ولا يوجد فيه إلا لوحي الحجر، وهذا ماأشار إليه سفر الملوك الأول 8/1 – 9: ( حِينَئِذٍ جَمَعَ سُلَيْمَانُ شُيُوخَ إِسْرَائِيلَ وَكُلَّ رُؤُوسِ الأَسْبَاطِ، رُؤَسَاءَ الآبَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ فِي أُورُشَلِيمَ، لإِصْعَادِ تَابُوتِ عَهْدِ الرَّبِّ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ، هِيَ صِهْيَوْنُ. فَاجْتَمَعَ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ جَمِيعُ رِجَالِ إِسْرَائِيلَ فِي الْعِيدِ فِي شَهْرِ أَيْثَانِيمَ، هُوَ الشَّهْرُ السَّابعُ. وَجَاءَ جَمِيعُ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، وَحَمَلَ الْكَهَنَةُ التَّابُوتَ. وَأَصْعَدُوا تَابُوتَ الرَّبِّ وَخَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ مَعَ جَمِيعِ آنِيَةِ الْقُدْسِ الَّتِي فِي الْخَيْمَةِ، فَأَصْعَدَهَا الْكَهَنَةُ وَاللاَّوِيُّونَ. وَالْمَلِكُ سُلَيْمَانُ وَكُلُّ جَمَاعَةِ إِسْرَائِيلَ الْمُجْتَمِعِينَ إِلَيْهِ مَعَهُ أَمَامَ التَّابُوتِ، كَانُوا يَذْبَحُونَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ مَا لاَ يُحْصَى وَلاَ يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ. وَأَدْخَلَ الْكَهَنَةُ تَابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ إِلَى مَكَانِهِ فِي مِحْرَابِ الْبَيْتِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ، إِلَى تَحْتِ جَنَاحَيِ الْكَرُوبَيْنِ، لأَنَّ الْكَرُوبَيْنِ بَسَطَا أَجْنِحَتَهُمَا عَلَى مَوْضِعِ التَّابُوتِ، وَظَلَّلَ الْكَرُوبَانِ التَّابُوتَ وَعِصِيَّهُ مِنْ فَوْقُ. وَجَذَبُوا الْعِصِيَّ فَتَرَاءَتْ رُؤُوسُ الْعِصِيِّ مِنَ الْقُدْسِ أَمَامَ الْمِحْرَابِ وَلَمْ تُرَ خَارِجًا، وَهِيَ هُنَاكَ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. لَمْ يَكُنْ فِي التَّابُوتِ إِلاَّ لَوْحَا الْحَجَرِ اللَّذَانِ وَضَعَهُمَا مُوسَى هُنَاكَ فِي حُورِيبَ حِينَ عَاهَدَ الرَّبُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 13

ومجمل القول في هذه المرحلة أن بني إسرائيل فقدوا التوراة كلها، ولا يعرف قطعا متى ضاعت؟. فهل ضيعها الفلسطينيون عندما نهبوها من أيدي أصحابها؟ أم أنها ضاعت في الفترة الطويلة من حكم القضاة حين انقطع أغلب الشعب – وحتى المؤمنين منهم – عن أوامر الله وارتدوا وعبدوا آلهة الشعوب المجاورة؟. وقد أشار ‘ عبد الوهاب عبد السلام طويلة’ إلى ردة كهنة بني إسرائيل وكفرهم وفسقهم وعبادتهم لللأوثان، بالقول « فقد كان في الكهنة الهارونيين من ما كان في غيرهم من الكفر والفسق وعبادة الأوثان، كالذي يذكرون عن ابني الكوهن عالي الهاروني وغيرهما ممن يقرون في كتبهم أنهم خدموا الأوثان وبيوتها من بني هارون وبني لاوي، ومن هذه صفته فلا يؤمن عليه تغيير ما ينفرد به ». [6] فإذا كان الكهنة الهارونيين الذين أنيط بهم الحفاظ على أسفار التوراة دون غيرهم، قد كفروا وفسقوا وعبدوا الأوثان، فإن إمكانية بقاء التوراة على أصلها تبدو فكرة غير مقبولة.

5- التوراة إبان الإنقسام:

تحسنت وضعية اليهود في ظل حكم داود وفي صدر حكم ابنه سليمان عليهما السلام. إلا أن سليمان على – حد زعمهم – ارتد في آخر عمره بترغيب من أزواجه، وعبد الأصنام وبنى لها المعالم. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما حاجة سليمان في الحرص على التوراة والسهر على صيانتها، إن كان قد صار وثنيا؟. وبعد موت سليمان وانقسام المملكة إلى مملكتين. مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل في الشمال. عكف اليهود مع ملوكهم على عبادة الأصنام فقتلوا الأنبياء وزاغوا عن أحكام التوراة.

    • سقوط دولة إسرائيل:

كان الكفر والردة في مملكة إسرائيل أكثر منه في ممكلة يهوذا، ولذلك هاجر الكهنة ومن بقي معهم إلى مملكة يهوذا، فسلط الله عليهم الأعداء نهبوهم، يقول ‘ عبد الوهاب عبد السلام طويلة ‘ « إنه بعد أن تمكن ‘يربعام’ من الحكم وارتد، ارتدت معه عشرة من الأسباط فعبدوا الأوثان فهاجر الكهنة إلى مملكة يهوذا، وكان إذا ظهر فيهم نبي طاردوه أو قتلوه، واستمر حالهم على هذه الشاكلة إلى أن سلط الله عليهم ملك الآشوريين، فأجلاهم إلى بابل وفرقهم في مملكته، ولم يبقى منهم في السامرة إلا شرذمة قليلة مستضعفة، وأسكن معهم وثنيين من بابل وغيرها، فاختلطت تلك الشرذمة بالوثنيين فتزاوجوا وتوالدوا. فمنذ عهد ‘يربعام’ إلى أن محت يد الأسر الآشوري مملكة إسرائيل من الوجود، وأزال شعبها زوالا تاما، فلم يكن لأولئك الأسباط غرض بالتوراة، وكان وجودها أنذر من الكبريت الأحمر». [7] فخالط اليهود الشعوب المجاورة ووطدت العلاقة فيما بينهم فوصلت إلى حد المصاهرة معهم فتزاوجوا وتوالدوا، واعتنقوا دياناتهم وعبدوا آلهتهم ولم يبقى لأكثرهم حاجة ولا غرض في التوراة التي اصبحت أنذر من الكبريت الأحمر.

    • العثور على التوراة قبيل سقوط مملكة يهوذا:

فبعد موت سليمان تعاقب على حكم يهوذا أكثر من عشرين ملكا، والذين لا يعترفون بالرب أكثر من الذين يعرفونه منهم، فوصل بهم الكفر إلى أن عبدوا الأصنام في البيت المقدس وأقاموا لها المذابح فيه. إلا أن الأمر قد تغير عندما آل الملك إلى ‘يوشيا بن آمون’، فكان فتى طيبا تائبا إلى الله، رمم الهيكل وأزال عنه رسوم الكفر وبحث عن التوراة لكن دون جدوى، وهذا ما أشار إليه ‘ عبد الوهاب عبد السلام طويلة’ بالقول « وفي السنة الثامنة عشر من حكمه – يوشيا بن آمون – ادعى رئيس الكهنة ‘حلقيا’ أنه وجد سفر شريعة الرب بيد موسى – أي التوراة – في بيت الرب بين الفضة التي جمعت من الشعب. فتفاجئ الملك عند سماعه لأسفار التوراة وما حل بها من التحريف فجمع الشعب وقرأ عليهم السفر، فتعجب الملك والناس معا من فرط ما ارتكبه اليهود في تاريخهم من مخالفات»[8]. إلا كثيرا من الباحثين يرون أن هذا الرأي بعيد عن الصواب ولا يتقبله العقل السليم، إذ كيف لنسخة التوراة أن تبقى محفوظة ومصانة كل هذا الزمن الطويل، واليهود يعبدون الأصنام ويقدمون القرابين؟ وكيف يعقل أن تكون التوراة في البيت ولا يراها أحد. ؟ كما ان بعض الباحثين يرون أن ‘حلقيا’ وغيره من الكهنة لما رأوا ميل الملك ‘يوشيا’ إلى الدين والعمل بالتوراة، انتهزوا الفرصة للوقوف في وجوه ردة اليهود، من أجل العودة بهم إلى الدين، فاعتمدوا في جمع مادة التوراة على الروايات الشفهية، فلما انتهوا من كتابتها ـ بالإضافة إلى ما أقحموه من آرائهم ـ سلموها إلى الملك”[9].

فظل اليهود يتلون تلك التوراة قرابة ثلاثة عشر قرنا. فبعد موت’يوشيا’ خلفه في الحكم ابنه’ يهوحاز’ الذي سار على غير نهج أبيه، فارتد وأشاع الكفر هو ومن خلفه من إخوته وأولادهم. إلى أن توالت عليهم النكبات من قبل الشعوب المحيطة بهم، يقول’ محمد ضياء الرحمن الأعظمي ‘« وفي القرن السادس عام 597 ق. م أغار بختنصر ملك بابل على أورشليم وهدم بيت المقدس، وأزال جميع آثاره وأسر أكثر من أربعين ألفا من اليهود، وساقهم إلى بابل وبقي هؤلاء في بابل زهاء أربعين سنة وقيل سبعين سنة عبيدا وخدما حتى نسي اليهود لغتهم الأصلية، وهي العبرية. » [10]. والباب السادس والثلاثون من سفر الأيام الثاني يذكر قصة إغارة بختنصر على أورشليم بالتفصيل، حيث يقول: « وأحرقوا بيت الله وهدموا صور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأهلكوا جميع آنيتها الثمينة، وسبي الذين بقوا من السيف إلى بابل، فكان له ولبنيه عبيدا إلى أن ملكت مملكة فارس »، يقول مصطفى محمود: « قال جان ملز: اتفق أهل العلم على أن نسخ التوراة الأصلية وكذا نسخ كتب العهد العتيق ضاعت من أيدي عسكر بختنصر، ولما ظهرت نقولها الصحيحة بواسطة عزرا ضاعت تلك النقول أيضا في حادثة أنتيبوكس. . . » [11].

وهكذا ضاعت التوراة الثانية التي اختلقها ‘حلقيا’ مدعيا أنها توراة موسى، وضاع أمل بني إسرائيل، وانقطعت سلسلة السند للمرة الثانية. وفي القسم الثالث سنتناول بحول الله تدوين وضعية أسفار التوراة من مرحلة السبي البابلي إلى عصر الرومان.


 الهوامش

[1] عبد الوهاب عبد السلام طويلة: الكتب المقدسة في ميزان التوثيق، دار السلام، الطبعة الثانية 2002م، ص: 65.

[2] فالقرآن الكريم حفظه لمتعلميه بالسهولة، كما قال الله تعالى ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ (سورة القمر: الآية 22) فحفظه ميسر على الأولاد الصغار في أقرب مدة، ويوجد في هذه الأمة في هذا الزمان أيضا مع ضعف الإسلام في أكثر الأقطار أزيد من مائة ألف من حفاظ القرآن بحيث لا يقع الغلط في الإعراب فضلا عن الألفاظ، ولا يخرج في جميع ديار أوربا عدد حفاظ الإنجيل بحيث يساوي الحفاظ في قرية من قرى مصر مع فراغ بال المسيحيين وتوجههم إلى العلوم والصنائع منذ ثلاثمائة سنة، وهذا هو الفضل البديهي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولكتابهم. ( أنظر: رحمة الله الهندي، إظهار الحق، عني بطبعه ونشره عبد الله الأنصاري، إدارة إحياء التراث الإسلامي الدوحة – قطر، ص: 383).

[3] عبد الوهاب عبد السلام طويلة: الكتب المقدسة في ميزان التوثيق، ص: 65.

[4] المرجع نفسه، ص 67.

[5] قدس الأقداس: مصطلح تقابله في العبرية كلمة ‘دبي’ر، ويبدو أنها من أصل عبري بمعنى تكلم، أي أن الإله تكلم وأعطى المشورة والوحي. وهو أقدس الأماكن في هيكل القدس. وقدس الأقداس عبارة عن مكعب حجري مصمت (بدون نوافذ) أقيم على مستوى أعلى من الجزء المسمَّى الهيكل في هيكل سليمان. وكان قدس الأقداس يضم تابوت العهد (تماماً مثل قدس الأقداس في خيمة الاجتماع) والذي كان يزينه ملاكان يشبهان الملائكة التي تظهر في الرسـوم البابلــية، وربمـا كان لهما وجهان بشريَّان مثل تلك الرسوم. انظر: عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، المجلد الرابع، ص: 134.

[6] عبد الوهاب عبد السلام طويلة: توراة اليهود والإمام ابن حزم الأندلسي، دار القلم دمشق، ص 132.

[7] المرجع نفسه، ص: 131.

[8] عبد الوهاب عبد السلام طويلة، الكتب المقدسة في ميزان التوثيق، ص: 71 – 72.

[9] إلا أن هذا القول عده بعض رجال الدين المسيحيين واليهود من باب الشبهات الوهمية التي تنسب إلى الكتاب المقدس. يقول القس منيس عبد النور« قال المعترض: (( ينقطع تواتر هذه التوراة قبل زمن يوشيا بن آمون، والنسخة التي وجدت بعد 18 سنة من جلوسه على سرير السلطنة لا اعتماد عليها، بل ضاعت في حادثة بختنصر )). وللرد نقول: (( كانت التوراة متواترة بين الأسباط كما تقدم، وأمر موسى اللاويين حملة تابوت عهد الرب بوضع الكتاب في جانب التابوت شهادة عليهم ( تثنية 25: 31 و26 ). ولما أعيد بناء هيكل سليمان وضع الكتاب فيه مع جميع كتب الأنبياء. ولما أتى بختنصر وخرب الهيكل، لم يمس كهنتهم بشيء، لأنه لم يكن يطلب استئصال ديانتهم. نعم إنه أخذ ذخائر الهيكل والأواني المقدسة، وكان ذلك طمعا في المال. أما الكتاب المقدس فلم يلتفت إليه ( 2 ملوك 25 و2 أخبار36 وارميا 52 ). ومع ذلك فلما سباهم إلى بابل أخذ اليهود معهم نسخا من الكتب المقدسة، كما يستدل من استشهاد النبي دانيال بالشريعة ( دانيال 11: 9 و 14 ) وقد ذكر أيضا نبوات إرميا ( دانيال 2: 9 ). » ( أنظر: ، القس منيس عبد النور، شبهات وهمية حول الكتاب المقدسدار الطباعة القومية بالفجالة، ص 25 بتصرف. )

[10] ـ محمد ضياء الرحمن الأعظمي: دراسات في اليهودية والمسيحية وأديان الهند، مكتبة الرشد، الطبعة الثانية 2003م، ص: 196.

[11] مصطفى محمود: التوراة، دار المعارف، الطبعة الرابعة، ص: 77، بتصرف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.