منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) التوراة في الميزان |قراءة في المراحل التاريخية لتدوينها

د. مصطفى العلام

0

ثانيا: المراحل التاريخية لتدوين التوراة(تابع)

6 – التوراة إبان السبي:

في هذه المرحلة من السبي، يقول(عبد الوهاب طويلة) ” فاستمر النفي إلى عام 538 ق. م إلى أن استولى (كورش الثاني) على آشور وبابل، فتودد اليهود للحكم الجديد واستعطفوه للعودة إلى بلادهم وبناء هيكلهم فوافق على ذلك، فعاد الكثير منهم، وأعادوا بناء الهيكل، لكن لم يضعوا فيه تابوت عهد الرب لأن (إرمياء) النبي كان قد أخذه – كما يقولون – ووضعه في إحدى مغارات جبل ( نبو) في ( مؤاب ) مقابل ( أريحا )، فلم يستطع أحد أن يهتدي إلى مكانه حتى اليوم. وهكذا استعاد اليهود بعض أوضاعهم، لكنهم فقدوا استقلالهم وتابوتهم هذه المرة ووقعوا تحت سيطرة الفرس، فالتمس اليهود عطف الملك الفارسي ( أرتحشستا) بوساطة من كاهن يهودي مقرب من الملك اسمه ( عزرا بن سرايا )، وهكذا وضع (عزرا) بتأييد من الفرس نظاما للجماعة اليهودية برئاسة الكاهن الأكبر ومجلس الكهنة، دون أن يكون لهم كيان سياسي بأي وجه. ودأب عزرا ومن معه من الكهنة على تبصير اليهود بالشريعة وتفسيرها لهم، ولذلك لقبوه بالكاهن وبالكاتب وبالوراق، أي العالم والفقيه”. [1]. فكان للكاهن « ابن عزرا» الشهرة والحظ الوافر في جمع أشتات وبقايا التوراة، ويذكر سفر ( عزرا) بعض هذه التفاصيل، وفيه اعتراف صريح بأنه أعاد بناء الديانة اليهودية من جديد. فمن هو الكاهن عزرا ؟

– عزرا:

«اسم عبري עזרא، معناه عون، وهو كاهن عاد من بابل إلى القدس، معاصر لنحميا وكان موظفا في بلاط امبراطور الفرس ( أرتحشستا) ومستشارا له في شؤون الطائفة اليهودية التي كانت تقيم فيما بين النهرين منذ السبي. وقد تمكن عزرا، لثقة الإمبراطور به وتلبية لطلباته، من أن ينال عفو الإمبراطور عن اليهود وسماحه لهم بالعودة إلى القدس وإقامة حكم ذاتي لهم في فلسطين، بحيث يقيمون مجتمعهم على التقاليد العبرانية. أما في علاقاتهم الخارجية السياسية فيوالون الفرس ويخضعون لهم ولما كان عزرا قد عاصر نحميا في القدس نستطيع أن نؤرخ عودته إلى القدس حوالي سنة 458 أو 457 قبل الميلاد، أي في حكم أرتحشستا الأول، أو سنة 398 قبل الميلاد، أي في حكم أرتحشستا الثاني. وقد قاد عزرا معه إلى فلسطين جماعة من اليهود وصحب معه عددا من الكهنة للقيام بالواجبات المقدسة في الهيكل في القدس. وحمل عزرا معه مالا وكنوزا وفيرة ومجوهرات، من اليهود الباقين في بابل ومن البلاط الامبراطوري نفسه، لتأثيت الهيكل وشراء الزينات له وربما عاد عزرا إلى بابل مرة أخرى ثم رجع ثانية إلى القدس، عندما أصبح نحميا واليا. وعرف عزرا في القدس بإخلاصه ونشاطه في سبيل طائفته التي كان كاهنا عليها. فحاز ثقة وإعجاب وولاء اليهود المعاصرين له، من نبلاء وكهنة، حتى لم يعارضوه في أعماله وإصلاحاته. وقد قام عزرا، بمجرد عودته إلى القدس، بقراءة ناموس موسى أمام اليهود، وتفسيره لهم بمعونة اللاويين، مستعينا أيضا بالترجمة الآرامية للأصل العبراني. وكان اليهود يقبلون على الإستماع لشريعتهم ويعلنون ولاءهم لها. وهذا ما جعل اليهود المتأخرين عنه عدة أعصر يعتبرونه زعيما لهم، بعد موسى الذي أخرجهم من مصر، ويعتبرونه أيضا مؤسس نظم اليهودية المتأخرة ( أي التي وضعت في القرن الخامس قبل الميلاد ). ولقبوه بالكاهن وبالكاتب، لأنه كان دارسا مجتهدا، ومفسرا عميقا لوصايا الله وعهده لبني إسرائيل ( عزرا 7: 11). وكان عزرا أول ” كاتب ” بهذا المعنى. وقد تعاقب الكتاب من بعده، الذين كانوا يشكلون جهاز المجمع الكبير الذي وضع عزرا أسسه، والذي يقوم فيه الربانيون اليوم مقام الكتبة في تلك العصور ويعتقد اليهود أنه هو الذي جمع أسفار الكتاب المقدس ونظمها. كما يزعمون أنه هو الذي حمل إلى فلسطين الأحرف الآرامية المربعة الشكل، المعروفة بالخط الآشوري، التي مهدت لنشوء الأبجدية العبرانية الحالية. وقد قام عزرا، على لجنة من علماء اليهود، بدراسة في أوضاع اليهود الزوجية، وتحقيق في الذين تزوجوا من أجنبيات، وهي المشكلة التي واجهها نحميا وعجز عن حلها. وقد أوصى عزرا بتنقية الدم اليهودي، وفصل الزيجات المختلفة وإبعاد الزوجات الأجنبيات مع أبنائهن. ووافق الشعب على هذه التواصي. أما تاريخ عزرا فيجده القارئ في سفر نحميا. وهذا هو التسلسل التاريخي لقصة حياته في سفري عزرا ونحميا: عزرا 7: 1-8: 36، ثم نحميا 7: 73—18: 8، ثم عزرا 9: 1- ’44: 10، ثم نحميا 9: 1-5» [2].

المزيد من المشاركات
1 من 20

وقد أسس عزرا النبي ” معهد السيفوريم ” للمحافظة على التوراة، وكان يراجع هؤلاء النصوص بدقة شديدة وحماس بارع حتى إنه في نهاية القرن الأول الميلادي استطاع (يوسيفوس) المؤرخ اليهودي أن يتفاخر قائلا: « بالرغم من انقضاء زمن طويل على كتابة الأسفار المقدسة إلا أنه لم يجرؤ أحد على إضافة أو حذف أو تغيير أي شيء منها»[3].

وقد ادعى بنو إسرائيل أن عزرا ما جاء بالتوراة التي نزلت على موسى بعد كل هذا الشتات وهذا الضياع، إلا لأنه ابن الله، لكن القرآن الكريم رد على هذا الاعتقاد الفاسد في سورة التوبة، يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة: التوبة، الآية: 30: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ۖ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

ويشير “وول ديورانت” في كتابه ” قصة الحضارة ” إلى أن الرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، يقول: « إن العلماء يجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين. وقد كتب بعضه في يهوذا، وبعضه في إسرائيل، ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهنا بعد سقوط دولتي اليهود. والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام 300 ق. م »[4]. و مثل هذا القول يقول به باحثون آخرون، وهكذا يكاد يجمع أهل العلم على “ضياع نقول التوراة التي جمعها ابن عزرا”[5].

7 – كتابة التوراة وجمع أسفارها من جديد:

إن المعلوم والسائد عند الكثير من الباحثين أن عزرا هو الذي تكلف بجمع أسفار التوراة ونظمها، إلا أن الدلائل تشير أنها كُتِبَت في مراحل متباعدة، وقد يكون كتبها وجمعها قوم آخرون. ففي المنفى قام أنبياؤهم وعلماؤهم – وأولهم حزقيال – فأعاد كتابة الشريعة من جديد. فمن هو حزقيال؟

ـ حزقيال ezekiel:

هو آخر أنبياء بني إسرائيل العظام ونبي السبي البابلي. «وهو اسم عبري معناه ” الله القوي “. وهو أحد الأنبياء الكبار، ابن بوزي، ومن عشيرة كهنوتية ( حزقيال 1: 3 ). ولد وكبر ونشأ في فلسطين، وربما في أورشليم في بيئة الهيكل، أثناء خدمة النبي إرميا. ثم حمل مسبيا من يهوذا مع يهويا كين ( 597 ق. م ) ثماني سنوات بعد نفي دانيال ( حز 33: 21 و و40: 1 وقارنه مع 2 ملوك 11: 24– 16 ). وكان شابا في ذلك الوقت، ولم يكن طفلا لكنه كان تحت السن عندما نهض اللاويين بواجباتهم وحسبوا في الإحصاء كرجال. وعاش مع المسببين اليهود على نهر خابور أو ” كبار ” وهو قناة في أرض بابل، وربما كانت في تل أبيب ( حزقيال 1: 1 و3 و 3: 15 )، تزوج مبكرا في السنة السادسة، أو على الأكثر في السنة التاسعة من السبي، وكان له بيت ( ص 8: 1 و 24: 1 و18). بدأت خدمته النبوية في السنة الخامسة لسبي يهويا كين، أي بزمن مدته 7 سنين قبل خراب الهيكل في أورشليم، بينما كان ساكنا على ضفاف الخيبر ( ص 1: 1 و 2 ). وكان في السنة الثلاثين من عمره وهي السن التي فيها يدخل اللاويون الخدمة ( عدد 4: 3 ). والنظرية أن السنة الثلاثين لا تشير إلى سن حزقيال، لكنها تاريخ محسوب أما من اعتلاء نبوبولاسر، أبي نبوخذنصرالعرش، أو من إصلاحات يوشيا، تسقط بالنظر إلى (إرميا 25: 1 و 3 و 2 ملوك 23: 36 و 25: 2 – 6 وحزقيال 1: 2. ). ومع أنه كان مسبيا في أرض غريبة، إلا أنه كانت له الحرية أن ينطق بنبواته. وكان يرجع إليه شيوخ الشعب لأجل النصيحة ( ص 8: 1 و 14: 1 و20: 1). لكن كلماته لم تتبع بأمانة ( 33: 30-33). وواضح من المشابهات في الفكر واللغة أنه كان على دراية تامة بتعليم إرميا. فهو يتناول ملاحظات إرميا التعليمية، أو استعاراته الإيضاحية، أو خطاباته القصيرة، ويوضحها ويوسعها، وكثيرا ما يعطيها صيغة أدبية نهائية: مثل القدر ( إرميا 13: 1-15 وحزقيال 2: 11-11 و 3: 24-14)، والأختين (إرميا 6: 3-11 وحزقيال 23)، والغفران للمذنبين عندما يتوبون (الأمة، إرميا 5: 18-12 والفرد، حزقيال12: 18-32)، والرعاة الأشرار يستعاض منهم بالملك الداودي ( إرميا 1: 23-6 وحزقيال 1: 34 -24)، المسؤولية الفردية بالنظر إلى المثل من الآباء الذين يأكلون الحصرم ( إرميا 29: 31 و 30 وحزقيال 2: 18 -31)، الخليقة الروحية الجديدة ( إرميا 33: 31 و34 وحزقيال 19: 11 و 20 و 25: 36 – 29). وللمسبيين من دون اليهود الذين بقوا مقيمين، رجاء المستقبل ( إرميا 24 وحزقيال 15: 11-21 و 1: 37: 1 – 14). وقد امتد نشاط حزقيال النبوي فترة تزيد عن 22 سنة على الأقل ( قارن ص 2: 1 مع 17: 29). ولا يعرف وقت موته ولا الطريقة التي مات بها»[6].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

8 – التوراة إبان حكم اليونان:

انتشرت التوراة ونسخت فتداولتها الأيدي، ولم تزل تتداولها إلى أن جعل الملك (أنطاكيوس) – الذي بنى أنطاكية – وثنا للعبادة في بيت المقدس، وأخذ بني إسرائيل بعبادته، فظل اليهود زهاء قرنين تحت سيطرة الفرس إلى أن هزم (الإسكندر المكدوني) الدولة الفارسية، واستولى على بلاد الشام عام 332 ق. م تقريبا، فدان له جميع اليهود من عبرانيين وسامريين، وبعد موته عام 323 ق. م تقريبا تقاسم قواده الإمبراطورية بحسب ما أوصاهم. وينبغي الإشارة أنه في عهد أنطيوكس الرابع طفق اليهود يتشبهون باليونان، ويتعودون بعاداتهم، ويقتفون دياناتهم. وجاء في المكابيين الأول 1/ 11- 16: ((وَخَرَجَتْ مِنْهُمْ جُرْثُومَةٌ أَثِيمَةٌ، هِيَ أَنْطِيُوكُسُ الشَّهِيرُ ابْنُ أَنْطُيُوكُسَ الْمَلِكِ، وَكَانَ رَهِينَةً فِي رُومِيَةَ، وَمَلَكَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالثَّلاَثِينَ مِنْ دَوْلَةِ الْيُونَانِ. وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ مِنْ إِسْرَائِيلَ أَبْنَاءٌ مُنَافِقُونَ، فَأغْرَوْا كَثِيرِينَ قَائِلِينَ: «هَلُمَّ نَعْقِدْ عَهْدًا مَعَ الأُمَمِ حوْلَنَا فَإِنَا مُنْذُ انْفَصَلْنَا عَنْهُمْ لَحِقَتْنَا شُرُورٌ كَثِيرَةٌ». فَحَسُنَ الْكَلاَمُ فِي عُيُونِهِمْ. وَبَادَرَ نَفَرٌ مِنَ الشَّعْبِ، وَذَهَبُوا إِلَى الْمَلِكِ، فَأَطْلَقَ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا بِحَسَبِ أَحْكَامِ الأُمَمِ. فَابْتَنَوْا مَدْرَسَةً فِي أُورُشَلِيمَ عَلَى حَسَبِ سُنَنِ الأُمَمِ. وَعَمِلُوا لَهُمْ غُلْفًا وَارْتَدُّوا عَنِ الْعَهْدِ الْمَقْدِسِ، وَمَازَجُوا الأُمَمَ وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِصَنِيعِ الشَّرِّ. )).

وبعد عودة أنطيوكس إلى القدس هدم المدينة وقتل كل اليهود، ثم اقتحم الهيكل فاستولى على ما فيه من نفائس. ولم يلبث أنطيوكس أن قرر توحيد الديانة في جميع البلدان الخاضعة لحكمه، وإلزام شعوبها بعبادة آلهة اليونان. كما نقرأ في المكابيين الأول 1/ 43 – 67: ((وَكَتَبَ الْمَلِكُ أَنْطِيُوكُسُ إِلَى مَمْلَكَتِهِ كُلِّهَا بِأَنْ يَكُونُوا جَمِيعُهُمْ شَعْبًا وَاحِدًا، وَيَتْرُكُوا كُلُّ وَاحِدٍ سُنَنَهُ. فَأَذْعَنَتِ الأُمَمُ بِأَسْرِهَا لِكَلاَمِ الْمَلِكِ. وَكَثِيرُونَ مِنْ إِسْرَائِيلَ ارْتَضَوْا دِينَهُ، وَذَبَحُوا لِلأَصْنَامِ، وَدَنَّسُوا السَّبْتَ. وَأَنْفَذَ الْمَلِكُ كُتُبًا عَلَى أَيْدِي رُسُلٍ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَمُدُنِ يَهُوذَا، أَنْ يَتْبَعُوا سُنَنَ الأَجَانِبِ فِي الأَرْضِ. وَيَمْتَنِعُوا عَنِ الْمُحْرَقَاتِ وَالذَّبِيحَةِ وَالسَّكِيبِ فِي الْمَقْدِسِ، وَيُدَنِّسُوا السُّبُوتَ وَالأَعْيَادَ، وَيُنَجِّسُوا الْمَقَادِسَ وَالْقِدِّيسِينَ، وَيَبْتَنُوا مَذَابِحَ وَهَيَاكِلَ وَمَعَابِدَ لِلأَصْنَامِ وَيَذْبَحُوا الْخَنَازِيرَ وَالْحَيَوَانَاتِ النَّجِسَةَ، وَيَتْرُكُوا بَنِيهِمْ قُلْفًا، وَيُقَذِّرُوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ نَجَاسَةٍ وَرِجْسٍ، حَتَّى يَنْسَوُا الشَّرِيعَةَ وَيُغَيِّرُوا جَمِيعَ الأَحْكَامِ. وَمَنْ لاَ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَلِكِ يُقْتَلْ. وَكَتَبَ بِمِثْلِ هذَا الْكَلاَمِ كُلِّهِ إِلَى مَمْلَكَتِهِ بِأَسْرِهَا، وَأَقَامَ رُقَبَاءَ عَلَى جَمِيعِ الشَّعْبِ، وَأَمَرَ مَدَائِنَ يَهُوذَا بِأَنْ يَذْبَحُوا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ فَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ كَثِيرُونَ مِنَ الشَّعْبِ، كُلُّ مَنْ نَبَذَ الشَّرِيعَةَ فَصَنَعُوا الشَّرَّ فِي الأَرْضِ. وَأَلْجَأُوا إِسْرَائِيلَ إِلَى الْمُخْتَبَآتِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَرُّوا إِلَيْهِ. وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ عَشَرَ مِنْ كِسْلُوَ فِي السَّنَةِ الْمِئَةِ وَالْخَامِسَةِ وَالأَرْبَعِينَ، بَنَوْا رَجَاسَةَ الْخَرَابِ عَلَى الْمَذْبَحِ وَبَنَوْا مَذَابِحَ، فِي مُدُنِ يَهُوذَا مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَكَانُوا يُقَتِّرُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْبُيُوتِ وَفِي السَّاحَاتِ، وَمَا وَجَدُوهُ مِنْ أَسْفَارِ الشَّرِيعَةِ مَزَّقُوهُ وَأَحْرَقُوهُ بِالنَّارِ، وَكُلُّ مَنْ وُجِدَ عِنْدَهُ سِفْرٌ مِنَ الْعَهْدِ أَوْ اتَّبَعَ الشَّرِيعَةَ، فَإِنَّهُ مَقْتُولٌ بِأَمْرِ الْمَلِكِ، هكَذَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بِسَطْوَتِهِمْ فِي إِسْرَائِيلَ بِالَّذِينَ يُصَادِفُونَهُمْ فِي الْمُدُنِ شَهْرًا فَشَهْرًا، وَفِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ ذَبَحُوا عَلَى مَذْبَحِ الأَصْنَامِ الَّذِي فَوْقَ الْمَذْبَحِ. وَالنِّسَاءُ اللَّوَاتِي خَتَنَّ أَوْلاَدَهُنَّ قَتَلُوهُنَّ بِمُقْتَضَى الأَمْرِ. وَعَلَّقُوا الأَطْفَالَ فِي أَعْنَاقِهِنَّ، وَنَهَبُوا بُيُوتَهُنَّ، وَقَتَلُوا الَّذِينَ خَتَنُوهُمْ. وَإِنَّ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ عَزَمُوا وَصَمَّمُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عَلَى أَنْ لاَ يَأْكُلُوا نَجِسًا، وَاخْتَارُوا الْمَوْتَ لِئَلاَّ يَتَنَجَّسُوا بِالأَطْعِمَةِ، وَلاَ يُدَنِّسُوا الْعَهْدَ الْمُقَدَّسَ فَمَاتُوا. وَكَانَ عَلَى إِسْرَائِيلَ غَضَبٌ شَدِيدٌ جِدًّا. ».
يقول عبد الوهاب طويلة معلقا على هذه الأحداث: « ولا شك أن التوراة التي كتبها هو وغيره كانت في الهيكل عند الكهنة ولم تكن عند عامة اليهود، وعلى أحسن تقدير كان كل كاهن يحفظ قسما، فالملك قد أحرق الهيكل وعمل فيه ما عمل، وقتل معظم الكهنة، وأمر بقتل من يوجد عنده سفر من أسفار التوراة، أو يؤدي مراسيم الشريعة، وكان التفتيش، والقتل يجري علنا كل شهر، واستمر الأمر على هذه الشاكلة ثلاث سنوات ونصف »[7]. فماذا بقي للتوراة من ذكر أو أثر بعد أن قتل معظم الكهنة، وكل من حمل سفرا من أسفارها أو التزم بأحكامها أو حتى أدى مراسيمها؟؟.

9 – التوراة في عصر الرومان:

توطدت العلاقة بين اليهود والرومان على إثر المراسلات والهدايا التي كانوا يتبادلونها فيما بينهم، فتعاونوا لصد أعدائهم، إلا أنه ما لبث أن انقلب اليهود ضد الرومان. ولما ضاق الرومان درعا بمكر اليهود وتمردهم ودسائسهم، أرسلوا إليهم عام 70م تقريبا جيشا ضخما بقيادة (فسباسيان)، فحاصر القدس، وضيق الخناق على اليهود وصمم على أن يقطع دابرهم فاستمر خليفته (تيطس) في مواصلة الحصار والضغط على اليهود والأمر نفسه مع الإمبراطور (أدريانوس)إلى أن « اندلعت التوراة الثانية لليهود عام 130 – 135 م تقريبا وقضى عليها الإمبراطور أدريانوس، فأزال معالم القدس والهيكل تماما، فسواها بالتراب فحرث الأرض وزرعها، وتخلص من اليهود نهائيا، فلحق بهم وفتك بهم، حتى لم يبقى واحد منهم بفلسطين. فأقام مكان الهيكل معبدا وثنيا باسم ( جوبيتار ) رب الآلهة عند الرومان ». [8] وفي المرحلة الرومانية بحق لنا التساؤل: فما القدسية التي بقيت للتوراة بعد أن دمرت القدس بكاملها وأزيلت معالمها وهدم الهيكل تماما وحول مكانه لعبادة رب آلهة الرومان” جوبيتار “؟.

خاتمة:

 جماع القول، فمن خلال هذه المراحل المتعاقبة[9]– منذ وفاة موسى عليه السلام إلى عصر الرومان – حلت باليهود نكبات ومصائب كثيرة، وتعرضوا على إثر ذلك لاضطهاد الأمم المجاورة والبعيدة التي قصدتهم أشد القصد. وكانت نتيجة هذه الأحوال التي مر بها اليهود أن عبدوا آلهة الشعوب الُمضْطَهِدة ولم يبقى لهم غرض في الحرص على بقاء التوراة وصيانتها. وبضياع التوراة – التي لم يحفظها أهلها في صدورهم – انقطعت سلسلة السند في نقل التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام. فكل هذا يبقى كفيلا ليعترف كل ذي عقل سليم أن احتمال بقاء التوراة – وحيا إلهيا من الله تعالى – بالصورة نفسها التي أنزلها الله على موسى عليه السلام أمر خارج عن حدود العقل.


الهوامش

[1] عبد الوهاب طويلة، الكتب المقدسة في ميزان التوثيق، ص 74 – 75 – 76، بتصرف.

[2] قاموس الكتاب المقدس، تأليف نخبة من الأساتذة ذوي الإختصاص ومن اللاهوتيين، هيئة التحرير: بطرس عبد الملك، جون ألكسندر طمسن، إبراهيم مطر، دار الثقافة، الطبعة الحادية عشرة 1997، ص: 621 – 622.

[3] – ملاك محارب، دليل العهد القديم: the guide the old testament، الناشر أبناء الأنبارويس، ص 25.

[4] وول ديورانت، قصة الحضارة، 2/ 367 – 368.

[5] إلا أن بعض اللاهوتيين يذهبون إلى أن هذه مجرد شبهات وهمية لا مجال للصحة فيها، إذ يقول القس منيس عبد النور: « يقول المعترض: إن أنطيوخوس أبيفانيس أزال الكتاب المقدس لما خرب الهيكل. وللرد نقول: أجمع المحققون على بطلان ذلك، فالتاريخ ناطق بأن يهوذا المكابي هزم جيوش ذلك العاتي، وأعاد الديانة اليهودية إلى رونقها وبهائها، وبنى الهيكل، وأعاد التابوت ووضع الكتب المقدسة فيه. » ( أنظر: القس منيس عبد النور، شبهات وهمية حول الكتاب المقدس،، دار الطباعة القومية بالفجالة، ص 26 بتصرف. )

[6] قاموس الكتاب المقدس، ص: 301 – 302.

[7] عبد الوهاب عبد السلام طويلة، توراة اليهود والإمام ابن حزم الأندلسي، ص: 147، بتصرف.

[8] المرجع نفسه، ص 145.

[9] وهم يعترفون بأن التوراة طوال أيامهم في دولتهم لم تكن عند أحد إلا عند الكاهن وحده، وبقوا على ذلك نحو ألف ومائتي عام، وما كان هكذا لا يتدواله إلا واحد فواحد، فمضمون ماعليه التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان، لا سيما وأكثر ملوكهم وجميع عامتهم في أكثر الأزمان كانوا يعبدون الأوثان ويبرؤون من دينهم ويقتلون الأنبياء، فقد وجب باليقين هلاك التوراة الصحيحة وتبديلها مع هذه الأحوال بلا شك. (ابن حزم الأندلسي: الرد على ابن النغريلة اليهودي ورسائل أخرى،، تحقيق إحسان عباس، مكتبة دار العروبة الطبعة 1380ه – 1960 م،، ص 77.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.