منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) التوراة في الميزان | نقد أخلاقي وتاريخي من داخل الأسفار المقدسة

د. مصطفى العلام

0

1ـ النقد الأخلاقي للتوراة.

أرسل الحق سبحانه وتعالى الرسل مبشرين ومنذرين، ليرسموا لنا المنهاج السديد في العقيدة والشريعة والأخلاق، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. وجعل الله الأنبياء[1] صفوة الخلق أجمعين، لكن التوراة المحرفة حادت عن هذا النهج القويم ،ووصفتهم في غير ذي موضع من أسفارها بأدنى القيم وأحقر الأخلاق، ومن أمثلة ذلك:

  • زنا المحارم :

فإذا كانت الزنا قد حُرِّمَت في الشرائع السماوية والوضعية على السواء، ونبذتها النفس البشرية السليمة على مر العصور والأزمان بين الأجانب فضلا على الأقارب والمحارم. إلا أن التوراة خالفت كل ذلك ونسبت – زنا المحارم – إلى صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين. وهكذا يصور سفر التكوين الإصحاح 19 (-36-38) النبي لوط – عليه السلام – وابنتيه في صورة تشمئز منها النفوس وتقشعر لها الأبدان، وهما تأتمران على أبيهما بسقيه الخمر ليثمل فتضطجع كل منهما معه ليلة حتى يكون له منهما نسلا، ((وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وَسَكَنَ فِي الْجَبَلِ، وَابْنَتَاهُ مَعَهُ، لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَسْكُنَ فِي صُوغَرَ. فَسَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ. وَقَالَتِ الْبِكْرُ لِلصَّغِيرَةِ: «أَبُونَا قَدْ شَاخَ، وَلَيْسَ فِي الأَرْضِ رَجُلٌ لِيَدْخُلَ عَلَيْنَا كَعَادَةِ كُلِّ الأَرْضِ. هَلُمَّ نَسْقِي أَبَانَا خَمْرًا وَنَضْطَجعُ مَعَهُ، فَنُحْيِي مِنْ أَبِينَا نَسْلًا».
فَسَقَتَا أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَدَخَلَتِ الْبِكْرُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَ أَبِيهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا. وَحَدَثَ فِي الْغَدِ أَنَّ الْبِكْرَ قَالَتْ لِلصَّغِيرَةِ: «إِنِّي قَدِ اضْطَجَعْتُ الْبَارِحَةَ مَعَ أَبِي. نَسْقِيهِ خَمْرًا اللَّيْلَةَ أَيْضًا فَادْخُلِي اضْطَجِعِي مَعَهُ، فَنُحْيِيَ مِنْ أَبِينَا نَسْلًا». أَبَاهُمَا خَمْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ أَيْضًا، وَقَامَتِ الصَّغِيرَةُ وَاضْطَجَعَتْ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِاضْطِجَاعِهَا وَلاَ بِقِيَامِهَا، فَسَقَتَا فَحَبِلَتِ ابْنَتَا لُوطٍ مِنْ أَبِيهِمَا. فَوَلَدَتِ الْبِكْرُ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ «مُوآبَ»، وَهُوَ أَبُو الْمُوآبِيِّينَ إِلَى الْيَوْمِ. وَالصَّغِيرَةُ أَيْضًا وَلَدَتِ ابْنًا وَدَعَتِ اسْمَهُ «بِنْ عَمِّي»، وَهُوَ أَبُو بَنِي عَمُّونَ إِلَى الْيَوْمِ.)).

ويقول ‘أبو مضيف المدني’ معلقا على هذه القصة: « إنها صور شائهة كريهة يصورون بها أنبياء الله الذي عصمهم الله من الوقوع في مواقع الإثم والعصيان.» . كما يعلق ‘خالص مسور’ أيضا على القصة نفسها بالقول: « وقصة النبي لوط مع بنتيه هي في منتهى السفالة واللاأخلاقية والغدر. وتدل على سيكولوجية مستهترة للمرأة اليهودية وإلى الانحطاط الأخلاقي الشنيع. وفي الحقيقة نحن هنا أمام نبي مغفل مخدوع يشرب الخمر فيذهب عقله ويردي نفسه في مهاوي المعصية والرذيلة. »[2] . ومن المفروض أن أنبياء الله معصومين، فما للتوراة تحرمهم من هذه العصمة؟.

المزيد من المشاركات
1 من 31

وقد حاول اليهود إيجاد مبرر ودواعي – كعادتهم –  لتبرير أحداث هذه القصة الشنيعة، إلا أن الإمام ‘ابن حزم’ – رحمه الله – يفحمهم في ادعائهم هذا فيقول: « هذا كلام أحمق في غاية الكذب والبرد، أترى كان انقطع نسل ولد آدم كله حتى لم يبقى في الأرض أحد يضاجعهما؟ إن هذا لعجب فكيف والموضع معروف إلى اليوم؟ ليس بين تلك المغارة التي كان فيها لوط عليه السلام مع ابنتيه، وبين قرية سكنى إبراهيم عليه السلام إلا فرسخ واحد لا يزيد، وهو ثلاثة أميال فقط، فهذه سوأة.» [3].  فأي غاية هذه التي تبرر وسيلة دنيئة كهذه، تخدش الحياء وتنزع إنسانية الإنسان لتحط  به في مصاف الحيوان.

  • المتاجرة بالعرض :

ولم تكتف التوراة بما ألصقته بالنبي لوط – عليه السلام – وابنتيه، بل اتهمت أبو الأنبياء والجد الأكبر لبني إسرائيل النبي إبراهيم – عليه السلام – بالمتاجرة بعرض زوجته سارة، فقد أشار سفر التكوين (13:11:12)، وهو يقول على لسان حاله : ((وَحَدَثَ لَمَّا قَرُبَ أَنْ يَدْخُلَ مِصْرَ أَنَّهُ قَالَ لِسَارَايَ امْرَأَتِهِ: «إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ امْرَأَةٌ حَسَنَةُ الْمَنْظَرِ. فَيَكُونُ إِذَا رَآكِ الْمِصْرِيُّونَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: هذِهِ امْرَأَتُهُ. فَيَقْتُلُونَنِي وَيَسْتَبْقُونَكِ. قُولِي إِنَّكِ أُخْتِي، لِيَكُونَ لِي خَيْرٌ بِسَبَبِكِ وَتَحْيَا نَفْسِي مِنْ أَجْلِكِ».)). وتثبت التوراة في نفس السفر الإصحاحات (15-16)  وقوع الحدث فعلا: ((فَحَدَثَ لَمَّا دَخَلَ أَبْرَامُ إِلَى مِصْرَ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ رَأَوْا الْمَرْأَةَ أَنَّهَا حَسَنَةٌ جِدًّا. وَرَآهَا رُؤَسَاءُ فِرْعَوْنَ وَمَدَحُوهَا لَدَى فِرْعَوْنَ، فَأُخِذَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى بَيْتِ فِرْعَوْنَ، فَصَنَعَ إِلَى أَبْرَامَ خَيْرًا بِسَبَبِهَا، وَصَارَ لَهُ غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَحَمِيرٌ وَعَبِيدٌ وَإِمَاءٌ وَأُتُنٌ وَجِمَالٌ.)). صورة بشعة أخرى تحط من كرامة أنبياء الله وزوجاتهم،فتصور إبراهيم – عليه السلام – بهذا الخلق المنحط إذ يقدم سارة إلى فرعون « ليكون له خير بسببها » ويحصل على الهدايا والأموال، يقول عبد الفتاح الزيات: « والمغزى من هذه الروايات، الإيحاء الضمني بإباحة استخدام الزوجية اتقاء لضر متوهم، أو ابتغاء لكسب مرجو، وهي قاعدة من القواعد الأخلاقية التي عليها اليهود- الغاية تبرر الوسيلة.» [4].

فيكيف لرجل له مروءة وخلق، أن يتاجر بحسن امرأته وجمالها؟ هذا إذا كان من الناس العاديين، فما بالك بنبي الله إبراهيم عليه السلام؟. وقد يدعي البعض أن فعل إبراهيم ـ عليه السلام ـ هذا كان تقية، وكذبه كان سببه الخوف، فيرد على ذلك ‘رحمة الله الهندي’ بالقول « فسبب الكذب ما كان مجرد الخوف، بل رجاء حصول الخير أيضا، بل الخير كان أقوى ولذلك قدمه وقال: ليكون لي خير بسببك، وتحيا نفسي من أجلك؛ وحصل له الخير أيضا، كما هو مصرح به، على أن خوفه من القتل مجرد وهم، لاسيما إذا كان راضيا بتركها فإنه لا وجه لخوفه بعد ذلك أصلا، وكيف يجوز العقل أن يرضى إبراهيم بترك حريمه وتسليمها ولا يدافع دونها، ولا يرضى بمثله من له غيرة، فكيف يرضى مثل إبراهيم الغيور.» [5]. لذلك فهذا خلق تنفر منه نفوس عامة الناس، فما بالك بصفوة خلق الله المختارين، السفرة بشرائعه وأخلاقه.

  • الخيانة والغدر :

ولم تكتف التوراة بوصف أنبياء بني  إسرائيل بالعهر والفحش، بل استمرت بأسلوبها الرخيص في وصفهم بالغدر والخيانة والسرقة… . فهذا نبي الله يعقوب نفسه لم يسلم من افتراءات التوراة، حيث تقدمه في وضع من اشترى بكورية أخيه ‘عيسو’ الولد الأكبر لإسحاق، نقرأ  في سفر التكوين (25: 30-34): ((فَقَالَ عِيسُو لِيَعْقُوبَ: «أَطْعِمْنِي مِنْ هذَا الأَحْمَرِ لأَنِّي قَدْ أَعْيَيْتُ». لِذلِكَ دُعِيَ اسْمُهُ «أَدُومَ». فَقَالَ يَعْقُوبُ: «بِعْنِي الْيَوْمَ بَكُورِيَّتَكَ». فَقَالَ عِيسُو: «هَا أَنَا مَاضٍ إِلَى الْمَوْتِ، فَلِمَاذَا لِي بَكُورِيَّةٌ؟» فَقَالَ يَعْقُوبُ: «احْلِفْ لِيَ الْيَوْمَ». فَحَلَفَ لَهُ، فَبَاعَ بَكُورِيَّتَهُ لِيَعْقُوبَ.  فَأَعْطَى يَعْقُوبُ عِيسُوَ خُبْزًا وَطَبِيخَ عَدَسٍ، فَأَكَلَ وَشَرِبَ وَقَامَ وَمَضَى. فَاحْتَقَرَ عِيسُو الْبَكُورِيَّةَ.)). فيعلق رحمة الله الهندي تعليقا جميلا على هذه الإصحاحات فيقول:« فانظروا إلى ديانة عيسو الذي هو الولد الأكبر لإسحاق عليه السلام، أنه باع البكورية، التي كان بها استحقاق منصب النبوة والبركة الذين عنده ما كانا في رتبة هذا الخبز والإدام من العدس، وكذا انظروا إلى محبة يعقوب عليه السلام وإلى جوده، إنه ما أعطى للأخ الأكبر الجائع التعبان هذا المأكول إلا بالبيع، وما راعى المحبة الأخوية والإحسان بلا عوض.» [6]. فاستغل يعقوب جوع أخيه عيسو فنهبه البكورية، فهذا قدح في الذات الإلهية وفي نبوة يعقوب عليه السلام. فكيف يشهد الله تعالى استغلال يعقوب لضعف أخيه ويستفيد من جوعه الشديد، ويباركه الله ونسله من بعده فهذا أمر محال على الله تعالى.
وفي موضع آخر من التوراة نجد زوجة إسحاق – عليه السلام – تتعاون مع ابنها يعقوب على خداع أبيه لما أصبح ضريرا. (( سفر التكوين29:25-34،6:27)) وما بعدها. فيعقوب بمعونة أمه استطاع خداع أبيه، وتظاهر أنه عيسو ليحصل على البركة منه، ونجح في هذه الخديعة وحصل على البركة. ومن هذا المنطلق فنبوة يعقوب إذن لم تكن اصطفاءا ربانيا وإنما حصل عليها بالتحايل والمكر؟ǃ – حاشاه عن ذلك، لأنه غير صحيح وينافي أخلاق الأنبياء عليهم السلام.

ونختم بقول الأديب جورج برنارد شو الذي يلخص التعاليم اللا أخلاقية التي جاءت بها التوراة فيقول: « إنه من أخطر الكتب الموجودة على وجه الأرض، احفظوه في خزانة مغلقة بالمفتاح. نعمǃ أخطر كتاب جنسي فاضح ولا أخلاقي، لا يمكن أن يجد إنسان مثل هذا الكم من القذارة في كتاب إلا في هذا الكتاب »[7].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

فمن خلال هذه الشواهد التي قدمنا – والتي اقتصرنا على ذكر بعضها فقط – يتضح جليا أن بعض أسفار التوراة تنافي جدريا أخلاق وآداب الأنبياء عليهم السلام التي نزلت بها الكتب السماوية كلها، ومن تم لم تعد صالحة لتكون دستورا لاقتباس الأخلاق.

2 ـ النقد التاريخي للتوراة:

إن النقد التاريخي[8]  ومن خلال مقارنته للأحداث والوقائع التي ترويها أسفار التوراة مع الوثائق والسجلات التاريخية، يكشف بما لا يدع مجالا للشك أخطاء عدة تلفت نظر المطلع عليها، فهي واضحة للعيان ولا فائدة من بذل الجهد لطمسها وإخفائها، ومنها:

  • ادعاء أن أرض الميعاد المزعومة من نهر مصر الكبير إلى نهر الفرات:

يعد ابن حزم ـ رحمه الله ـ من بين أهم نقاد التوراة تاريخيا المطلعين على خفاياها ، بما عرضه في كتابه ” الفصل في الملل والأهواء والنحل” من نقد فاحص لأسفارها، وعرضها على الحقائق والسجلات التاريخية فتبين له من خلالها بطلانها وعدم توافقها.

ـ ومثال ذلك ما جاء في سفر التكوين الإصحاح ( 15 الآية 18- 19 ) من أن نسل إبراهيم يملكون من النيل إلى الفرات (( لنسلك أعطي هذا البلد من نهر مصر النهر الكبير إلى نهر الفرات ))، فيقول ابن حزم ناقدا: « وهذا كذب وشهرة من الشهر، لأنه إن كان عنى بني إسرائيل، وهكذا يزعمون فما ملكوا قط نهر مصر، وعلى نحو عشرة أيام منه شبرا مما فوقه، وذلك من موقع النيل إلى قرب بيت المقدس، وفي هذه المسافة الصحارى المشهورة الممتدة، والحضار، ثم ” رفح ” و”غزة ” و” عسقلان ” و “جبال الشراة ” التي لم تزل تحاربهم طول مدة دولتهم، وتذيقهم الأمرين إلى انقضاء دولتهم، ولا ملكوا قط من الفرات ولا عشرات أيام منه، بل بين آخر حرز بني إسرائيل إلى أقرب مكان من الفرات إليهم نحو تسعين فرسخا فيها ” قنسرين ” و ” حمص ” لم يقربوا منها قط، ثم ” دمشق ” و ” صور ” و ” صيدا ” التي يزال أهلها يحاربونهم، ويسومونهم الخسف طول مدة دولتهم بإقرارهم ونصوص كتبهم، وحاشى لله عز وجل أن يخلف وعده في قدر دقيقة من سرابه فكيف في تسعين فرسخا في الشمال ونحوها في الجنوب.» [9]. ففي مسألة إعطاء نسل إبراهيم من النيل إلى الفرات ملكا أبديا كما جاء في سفر التكوين الإصحاح 15 الآية: 18 – 19، ومدى موافقته للحقائق التاريخية يصح أحد الأمرين: إما أن الله قد وعد بني إسرائيل حقا وخلف وعده وهذا محال في حق الله تعالى، أو أن مؤلف التوراة قد ألف هذا السفر تبعا لأمانيه وأطماعه في امتلاك هذه الأرض ومنحه لنفسه المشروعية في حيازتها والاستحواذ عليها؟ǃ.

ومن بين الكتاب الذين أشاروا إلى مثل هذه الأخطاء نجد الباحث “نواف جردان” في كتابه “التوراة باطل وخطر” يذكر أخطاء تاريخية عديدة تضمنتها التوراة لا تجري وفق الحقائق التاريخية[10] التي أرخ لها المؤرخون.

  • ذكر موسى عليه السلام “لأشور” واسمها في عهده “روتينو”.

يذكر سفر التكوين في (2: 14) اسم دولة ” آشور” ((وَاسْمُ النَّهْرِ الثَّالِثِ حِدَّاقِلُ، وَهُوَ الْجَارِي شَرْقِيَّ أَشُّورَ. وَالنَّهْرُ الرَّابعُ الْفُرَاتُ.)) ومن المثبت تاريخيا أن اسمها في عصر موسى – عليه السلام – كان “روتينو”. فمن أين لموسى بهذا الاسم الذي لم يذكر في عصره قط؟. ويعلق ‘ نواف جردان’ على هذا الأمر بالقول: « في ذلك الزمان، أي عندما كان موسى حيا يرزق، والمفروض أن يكون كتب التوراة فيه، لم تكن معروفة دولة آشور. ولم يكن آشور اسم المنطقة المعنية. وكان عليه أن يقول ليكون قوله صحيحا لا يقبل الانتقاد (( وهو الجاري شرقي روتينو)) بدلا من آشور، لأن هذا الكلام مثل كلام رجل يتكلم عن برازيليا قبل أن تبنى بمئة عام أو أكثر.» [11]. فكيف لنبي الله موسى عليه السلام أن يسمي دولة “روتينو” باسم لم يكن معروفا ولا متداولا حينها بين الناس وهو “آشور” إلا بعد مئة وخمسين عاما من وفاته؟، وقد يذهب رأي آخر إلى أن موسى نبي مثل باقي الأنبياء أوتي القدرة على معرفة المستقبليات. إلا أنني أرى – والله أعلم – أن هذا الطرح بعيد عن الصواب، فلا حاجة تقتضي لإطلاق اسم غير معروف بين الناس. وما الحكمة والغاية من إطلاقه؟؟.

  • قدوم إبراهيم عليه السلام إلى أرض كنعان.

وقد اختلفت التوراة في سفر التكوين نفسه، الإصحاح (12:6) – في الكلام عن إبراهيم، وقدومه إلى أرض كنعان (( وكان الكنعانيون لا يزالون يحتلون الأرض )) – مع السجلات التاريخية. « والمعلوم كما جاء في التوراة نفسها، أن اليهود دخلوا أرض كنعان بعد موت موسى، بقيادة يشوع بن نون، واستولوا على جزء منها بعد أن طردوا الكنعانيين.. فكيف يستطيع موسى أو أي إنسان آخر أن يتكلم عن أمر يحدث قبل حدوثه؟ كيف كان الملك فاروق مثلا الذي مات قبل هزيمة حزيران 1967 وقبل أن يستولي اليهود على منطقة الجولان، يستطيع أن يكتب عن سقوط الجولان بيد اليهود فيقول:(( وكان السوريون لا يزالون يحتلون الجولان )).» [12].إلا أني أرى أنه لا مجال للمقارنة بين شخص موسى النبي، وما حباه الله به من معجزات وقدرات تمكنه من معرفة ما كان وما سيكون بقدرة الله عز وجل، وبشر عادي عقله قاصر عن إدراك خبايا الماضي والمستقبل. [13]

ـ ويذكر “محمد السعدي” أيضا في كتابه “حول موثوقية الأناجيل والتوراة” أخطاء عديدة تضمنتها التوراة منها:

  • الطوفان قضى على كل الأحياء عدا ركاب سفينة نوح.

أشار سفر التكوين (23:7) إلى هذا الأمر بالقول (فَمَحَا اللهُ كُلَّ قَائِمٍ كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ: النَّاسَ، وَالْبَهَائِمَ، وَالدَّبَّابَاتِ، وَطُيُورَ السَّمَاءِ. فَانْمَحَتْ مِنَ الأَرْضِ. وَتَبَقَّى نُوحٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ فَقَطْ.)، يقول محمد السعدي معلقا:« الأبحاث التاريخية تؤكد أن هناك حضارات قامت قبل الطوفان وظلت مستمرة بعد الطوفان دون انقطاع.» [14]. ومن خلال هذا التصريح التاريخي الذي يؤكد أن الطوفان كان مقتصرا على قوم نوح يتبين خطأ سفر التكوين الذي ادعى أن الطوفان كان عاما.

  • اليهود من أصل أرامي:

ومن الأخبار التي تدعيها أسفار التوراة ويثبت التاريخ عكسها، أن اليهود يرجعون في غالبيتهم  إلى الأصل الآرامي ويعتمدون في ذلك على ما جاء على لسان موسى في سفر التثنية ( 5:26) ((ثُمَّ تُصَرِّحُ وَتَقُولُ أَمَامَ الرَّبِّ إِلهِكَ: أَرَامِيًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي، فَانْحَدَرَ إِلَى مِصْرَ وَتَغَرَّبَ هُنَاكَ فِي نَفَرٍ قَلِيل، فَصَارَ هُنَاكَ أُمَّةً كَبِيرَةً وَعَظِيمَةً وَكَثِيرَةً.)). ويذهب نخبة من المؤرخين إلى دحض هذا الطرح وتفنيده. « يجب علينا أن نكون حذرين من قبول هذا الإدعاء على أنه تقليد تاريخي صحيح، وعلينا أن نتذكر أن اصطلاح ( آراميين ) لم يكن في الوقت الذي ظهر فيه هذا التقليد يدل على ولايات منظمة بسكانها المستقرين ومدنها الكبيرة وحضارتها المتقدمة في شمالي سورية، وهو ما أصبح يدل عليه بعد القرن العاشر ق.م، وإنما كان يعني قبائل بدوية تعيش في صحراء بادية الشام إلى الشرق والجنوب الشرقي من فلسطين.» [15]. ويضيف مصطفى الدباغ أيضا: « الأرجح أن إبراهيم أموري من العرب السوريين الذين حكموا العراق مدة 270 سنة وأسسوا فيه الدولة البابلية الأولى. وأما القول إنه آرامي فوهم، لأن الآراميين أخذوا ينزلون مشارف الجزيرة العربية بعد أيام إبراهيم بنحو ثلاثة قرون.» [16].  فكما سبق وأشرنا أن اليهود في الغالب ينسبون أنفسهم إلى الأصل الآرامي استنادا إلى ما جاء في سفر التثنية الإصحاح 26 الآية 5، إلا أن التاريخ في غير من ذي موضع قد فند هذا الطرح وعده ضربا من الوهم وبابا من أبواب الإفتراء، إذ لم يكن للآراميين كيان مستقر إلا بعد زمن طويل من عهد إبراهيم عليه السلام.

  • التكفير عن الخطأ في أقداس الرب

أشار سفر ( اللاويين 5: 15 – 16 ) في معرض  الحديث عن التكفير عن الخطأ في أقداس الرب بالقول أنه ((«إِذَا خَانَ أَحَدٌ خِيَانَةً وَأَخْطَأَ سَهْوًا فِي أَقْدَاسِ الرَّبِّ، يَأْتِي إِلَى الرَّبِّ بِذَبِيحَةٍ لإِثْمِهِ: كَبْشًا صَحِيحًا مِنَ الْغَنَمِ بِتَقْوِيمِكَ مِنْ شَوَاقِلِ فِضَّةٍ عَلَى شَاقِلِ الْقُدْسِ، ذَبِيحَةَ إِثْمٍ.
وَيُعَوِّضُ عَمَّا أَخْطَأَ بِهِ مِنَ الْقُدْسِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ خُمْسَهُ، وَيَدْفَعُهُ إِلَى الْكَاهِنِ، فَيُكَفِّرُ الْكَاهِنُ عَنْهُ بِكَبْشِ الإِثْمِ، فَيُصْفَحُ عَنْهُ.)) ويعلق أحمد حجازي السقا على هذا الأمر ، فيقول: « ومعروف أن بني إسرائيل لم يكونوا قد دخلوا القدس في عهد موسى، ولم يتخذوا “الشاقل” أيضا في عهد موسى.» [17]. فكيف لمتبعي التوراة لا يتحرجون من هذا الخطأ التاريخي الواضح، الذي لا يحتاج إلى بيان أو إثبات، ولا يقبل فيه حتى تبريرا يتجاوز به عنه ويسوغ قبوله وتقبله.؟ǃǃ

ـ ويشير محمد شلبي شتيوي إلى الاختلافات التاريخية التي تتضمنها التوراة في أسفار التكوين والتثنية والعدد  فيقول: « إن في التوراة تعبيرات تاريخية لم تكن معروفة في زمن موسى مثل مدينة ((دان)) في سفر التكوين، الإصحاح 14 والإصحاح 29:18، وسفر التثنية، الإصحاح 1:34. ومجموعة القرى المعروفة باسم ((يائير)) سفر العدد، الإصحاح 41:32  وسفر التثنية، الإصحاح 14:3. لم تظهر إلا في عصر القضاة. سفر القضاة، الإصحاح 4:10. »[18]. فتعد مدينة “دان” وغيرها من بين بعض الأماكن التي لم تطلق عليها الأسماء التي عرفت بها في زمن موسى، بل أطلقت عليها أسماء عرفت بعده بزمن طويل. فكيف يذكر موسى – عليه السلام – اسم مدينة لم تسمَّ بهذا الاسم إلا من بعده بوقت طويل جدًّا ؟!

خاتمة

وخلاصة القول في كل ماذكر آنفا ـ وهو نزر قليل ـ أن التوراة الحالية نسبت لأنبياء الله أخلاقا وآدابا لا تليق برسالتهم التي بعثوا من أجلها، وهي أخلاق قادحة تتمثل في الخيانة والغدر والمتاجرة بالعرض والوقوع في زنا المحارم. كما أن التوراة الحالية ذكرت بعض الأماكن والأحداث التاريخية التي أتبثت الدراسات العلمية والنقدية عدم صحتها. و من تم يتضح جليا أن التوراة الحالية لم تعد هي الكتاب السماوي الذي جاء به نبي الله موسى عليه السلام، ولايمكن الوثوق في أسفاره إلا ماكان موافقا لسنن الله ودين الله الموحى به لأنبياء الله من آدم عليه السلام إلى سيدنا محمد عليه الصلاة وأزكى السلام.


الهوامش

[1] فهذا بخلاف ما نجده في الحديث النبوي، إذ يصف محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنبياء بالكرماء حينما سئل عن يوسف عليه السلام فقال ((عن عبدالله بن عمرقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  الكَرِيمُ  ابنُ الكَرِيمِ  ابْنِ الكَرِيمِ  ابْنِ الكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بنِ إسْحاقَ بنِ إبْراهِيمَ. )) صحيح البخاري ٤٦٨٨

[2] الاقتباس والجنس في التوراة، خالص مسور،، دار علاء الدين، الطبعة الأولى 1997م ، ص 86 – 87 بتصرف.

[3] الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الظاهري، الجزء الأول، تحقيق: محمد إبراهيم نصر – عبد الرحمان عميرة، دار الجيل بيروت، ص224.

[4] اليهودية، عبد الفتاح حسين الزيات، مركز الراية الطبعة الأولى 1998 م، ،ص 44.

[5] إظهار الحق، رحمة الله الهندي، إدارة إحياء التراث الإسلامي، الطبعة 1980م، ص 565 بتصرف.

[6] المرجع نفسه، الصفحة 569.

[7] قل: تعالوا…ǃ هذا هو الحق ( خبايا الكتاب المقدس)، مجدى قاسم، الطبعة الأولى 2000م، ص 29.

[8] يغالي البعض وأكثرهم من اللاهوتيين المحافظين ويدعون أن الله قد حفظ كتابه من التغيير والتبديل وأن العناية الإلهية هي الحافظة للنصوص، ومن ثم فلا داعي هناك لتطبيق قواعد المنهج التاريخي على النصوص الدينية، وإقامة نقد تاريخي للكتب المقدسة ” إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون” وهي نظرة لاهوتية صرفة، تهرب من النقد، وتلجأ للسلطة الإلهية، وهي شبيهة بالصدق الإلهي عند ديكارت، فيما يتعلق بالمعرفة الإنسانية. وقد يكون معنى الآية هو حفظ المعنى، وحفظ تطبيق المعنى في الواقع، لاحفظ النص الحرفي المدون، فذلك ما يعتريه التغيير والتحريف والتبديل، وهو ما يتهم به القرآن اهل الكتاب، ويؤيده النقد التاريخي للكتب المقدسة. ( أنظر: رسالة في اللاهوت والسياسة، اسبينوزا، ترجمة وتقديم: حسن حنفي، مراجعة فؤاد زكريا، دار التنوير، الطبعة الأولى 2005 م، ص 22.)

[9] الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم الأندلسي، الجزء الأول، ص 217 – 218.

[10] فمن باب الإنصاف العلمي ينبغي الإشارة إلى أن التاريخ يكون في بعض الأحيان مجحفا في قضايا مهمة، وذلك مثل ما نجده عند بعض الآراء التي تذهب إلى أنه مادام زمن مولد موسى غير معروف على وجه الدقة، وبما أنه لا يوجد ذكر لموسى في الآثار التاريخي وما عثر عليه من مخطوطات، قد أدى ذلك إلى أن يزعم كثير من الباحثين وخاصة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين أن شخصية موسى لا وجود لها على الإطلاق. وذلك في غياب أي سند تاريخي لوجود شخصية موسى، كما لا يوجد أي سند تاريخي لوجود إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط. وأن ما ورد عن هؤلاء الأنبياء هو من القصص الخلاق والحاسم في بناء الإنسان والحياة. ومهما كان النقاش حول شخصية موسى عليه السلام – وغيره من الأنبياء، فإن المسلم لا يكون مسلما حتى يؤمن إيمانا كاملا بأن موسى عليه السلام ليس شخصية تاريخية فحسب؛ بل هو من أولي العزم من الرسل. ( أنظر الله والأنبياء في التوراة والعهد القديم “دراسة مقارنة”، محمد علي البار، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت، الطبعة  الأولى 1410ه – 1990 م، ص: 189 – 190 بتصرف.)*

[11]  التوراة باطل وخطر، نواف جردان، دار الحداثة،الطبعة الثالثة 1996، ص: 26-27 بتصرف.

[12] المرجع نفسه، ص 27 بتصرف.

[13] قد يذهب بعض الأبرياء والبلهاء إلى القول أن موسى كان نبيا، أوتي القدرة على معرفة المستقبل وخفايا الأمور، فإننا نعود ونجيبه أن كاتب تلك العبارة في سفر التكوين، لم يكن يتكلم عن المستقبل بقوله ذاك، بل عن الماضي والماضي البعيد جدا..(( وكان الكنعانيون لا يزالون يحتلون الأرض )) دلالة واضحة على أن الكاتب لم يكن موسى، وأنه كتب ما كتب بعد دخول اليهود أرض كنعان بوقت طويل، كما يستدل من العبارة الواضحة، أي بعد وفاة موسى وبعد تمركز اليهود في أرض كنعان، وطردهم الكنعانيين منها. يجمع المؤرخون وعلماء الآثار، على أن الفلسطينيين القدماء، وهم الذين دعيت أرض كنعان فيما بعد باسمهم، دخلوا أرض كنعان في نفس الوقت الذي دخلها اليهود، وهم شعب يرجح التاريخ أنهم نزحوا من جزيرة كريت وغيرها من جزر البحر، ولم يكن لهم وجود في أرض كنعان قبل القرن الثالث عشر ق.م. تقريبا … كما لم يكن اليهود قد دخلوا غزاة من الصحراء. ( أنظر التوراة باطل وخطر، نواف جردان، دار الحداثة، الطبعة الثالثة 1996، ص 28 بتصرف.)

[14] حول موثوقية الأناجيل والتوراة، محمد السعدي، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، ص 124 بتصرف

[15] . داود وسليمان في العهد القديم والقرآن الكريم “دراسة لغوية تاريخية مقارنة”، أحمد عيسى الأحمد، الطبعة 1410 ه – 1990 م، ص 406 -407 .

[16]. المرجع نفسه، ص 407.

[17] نقد التوراة “أسفار موسى الخمسة”، أحمد حجازي السقا، مكتبة النافذة، ص 95.

[18] التوراة “دراسة وتحليل”، محمد شلبي شتيوي، مكتبة الفلاح الكويت، الطبعة الأولى 1404 ه – 1984 م، ص 58 – 59 بتصرف.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.