منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تذكير بفقه الصيام

د. يوسف قسطاسي

0

بسم الله الرحمن الرحيم

من المعلوم من الدين بالضرورة أن رمضان شهر تعبدي واحد من السنة الهجرية يثبت ابتداء صومه بالرؤية الشرعية لهلاله. فإذا أدركنا مكانته ومدى تعلقنا بصوم نهاره وقيام ليله والاجتهاد فيه بالطاعات والقربات وتلاوة القرآن والإكثار من الصدقات، فليس أمامنا إلا أن نتمنى إقامته بيننا شهرا أخر بل سنوات؛ وليس ذلك بكائن لأن السنة علمتنا أن نصوم ونفطر. غير أن الذي يواس النفس في البعد عن رمضان هو رؤية ذوي الهمم السامقة الذين يسارعون بعد رمضان وقبله باغتنام الأيام الفاضلة بالصيام وأفعاله المصاحبة له شغفا في المحبة والتقرب به إلى الله جل وعز واستشراف رمضان بعد رمضان؛ ولسان العبد يقول:”إذا ذهب رمضان فرب رمضان حي لا يموت”. فيجتهد العبد الطامح إلى مقام القرب إليه بأحب ما افترض عليه، ولا تتحقق العبودية إلا بتحقيق الفرض ثم النفل.

إن حال الصائم الذي وجد لذة صيامه هو الترحال من صوم الفرض إلى صوم التطوع بحثا عن المقام الأسمى الذي هو الفوز بالفرحة العظيمة يوم لقاء الله تعالى يوم القيامة.

فإذا كان هذا حال المحبين للصوم الولهين بعبادتهم لمقام الإحسان، الذي فقهوا أمر أنفسهم بعد أن تسيجوا بالشريعة للوصول إلى ما عند الله تعالى؛ فما حال المكتفين بالفرض الذي لا ينعقد الصوم عندهم إلا بحد أدنى الذي سماه الفقيه المالكي المعلوم من الدين بالضرورة؟ وما الأحكام التي تضبط صحة الصوم ليكون وفق أمر ربنا وسنة نبينا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؟

  • الصيام لغة: الإمساك؛ ومنه الإمساك عن الكلام كما في قوله تعالى حكيا عن مريم أم المسيح عليه السلام:(إني نذرت للرحمن صوما) أي صمتا، والصوم يأتي بمعنى الكف والامتناع عن الشيء.
  • الصيام شرعا: التعبد لله تعالى بالإِمساك عن شهوة البطن (من الطعام والشراب وقوت)، والإمساك عن شهوة الفرج من الجماع وفكر فيه بشهوة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله تعالى.
المزيد من المشاركات
1 من 79

حكم الصيام:

ينقسم الصيام الذي شرعه الله تعالى إلى :صيام واجب مفروض، وصيام مستحب (مندوب).

  • فالصيام الواجب أوجبه الله ابتداء على العبد، وهو صيام رمضان لقوله تعالى:(َٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُون ) (سورة البقرة:183)، وهو ركن من أركان الإسلام، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ…”. وذكر منها:”صِيَامِ رَمَضَانَ” (أخرجه البخاري). ثم صيام يكون العبد سببًا في إيجابه على نفسه كصيام النذر، وصيام الكفارات.
  • أما الصيام المستحب وهو كل صيام استحب الشارع فعله: كصيام الاثنين والخميس، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام يوم عاشوراء، وصيام العشر الأوائل من ذي الحجة، وصيام يوم عرفة، وصيام ستة أيام من شوال، وصيام أيام رجب وشعبان.
  • على من يجب صوم رمضان؟

وهو ما يعبر عنه الفقهاء بــ (شروط الوجوب)، فمن لم تتوفر فيه هذه الشروط لا يجب عليه الصوم، وإن صام صح صومه وهذه الشروط هي:

  • البلوغ: فلا يجب على الصغير، ولكن يؤمر به الصبي إِذا أطاقه؛ ليتعود عليه.
  • القدرة: فلا يجب على العاجز عنه. كالمريض والمرضع لخوف الضرر بهم.
  • الإقامة: فلا يجب الصوم على المسافر سفرا يباح فيه قصر الصلاة.

أما شروط الوجوب والصحة معا، فأصحاب هذه الصفات لا يجب عليهم الصوم ولا يصح منهم إن صاموا؛

  • العقل: فلا يصح الصوم من مجنون أو مغمى عليه قبل الفجر أو مع الفجر، أما إن غاب وعيه بعد طلوع الفجر واستيقظ مدة نصف النهار فقط، فصومه صحيح لا قضاء عليه، وإن كان الإغماء كل اليوم أوكله فعليه القضاء.
  • النقاء من دم الحيض والنفاس: فلا يجب ولا يصح الصيام من الحائض والنفساء. فإن ظهرت المرأة مع طلوع الفجر فيجب أن عليها الصوم ولو لم تغتسل غلا بعد الفجر، وإن شكت هل كان طهرها قبل الفجر أو بعده تنوي الصوم، ثم تقضي اليوم بعد رمضان، لاحتمال أحد الأمرين.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

فإن طهرت بعد طلوع الفجر فلا يصح صومها، ولا تطالب بالإمساك، فتأكل وتشرب وتفعل ما يباح للمفطر بقية اليوم.

  • دخول الوقت لصوم رمضان: فلا يجب الصوم قبل ثبوت الشهر أو دخول الوقت، ولا يصح.

أركان الصيام:(فرائضه)

  • النية: المقصود بالنية القصد ومن شروط صحة النية أن تؤتى بها في أي جزء من أجزاء الليل على طلوع الفجر، وتكفي نية واحدة لصيام رمضان كاملا، فلا يطلب تجديدها كل ليلة إلا على جهة الاستحباب، فالذي يقع مثلا من البعض ينام في منتصف الليل ولا يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر ولم يكن مستحضرا نية الصوم لليوم التالي، فصيامه صحيح؛ لأن نية أول الشهر تكفيه. وهذا بشرط ألا ينقطع تتابع الصيام فلو انقطع بسبب حيض أو سفر وجب تجديد النية لما بقي من أيام رمضان ولو صام في سفره.
  • الكف عن الأكل والشراب والجماع بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لقوله تعالى: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتموا الصيام إلى الليل).
  • عدم إيصال شيء للمعدة عن طريق الفم والأنف والأذن والعين وغيرها.
  • عدم إخراج القيء عمدا.

سنن الصيام:

  • السحور: أي تناول الأكل والشراب في السحر وهو آخر الليل بنية الصوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: إن فضل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر، وقوله صلى الله عليه وسلم: تسحروا فإن السحور بركة.

ويتحقق السحور بكثير الطعام وقليله ولو بجرعة ماء، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: السحور بركة فلا تدعوه، ولو يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين.

  • تأخير السحور: وهو تناوله في الجزء الأخير من الليل، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور، وقوله صلى الله عليه وسلم: إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا ، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة.
  • تعجيل الفطر: أي الإفطار عقب تحقق غروب الشمس، لقوله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، ولقول أنس رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليصلي المغرب حتى يفطر، ولو على شربة ماء.
  • الفطر على رطب أو تمر أو ماء، لقول أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء.
  • الدعاء عند الإفطار، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول عند فطره: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي ذنوبي، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ذهب الضمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله، وروي مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت.

 مبطلات الصوم

  • من المبطلات ما يبطل الصوم ويوجب القضاء بلا كفارة
  • صول مائع إلىالجوف عن طريق الفم، أو الأنف، أو العين، أو الأذن، أو غيرها.
  • إخراج القيء عمدا، ولو لم يرجع منه شيء إلىالجوف، لقوله صلى الله عليه وسلم: من استقاء عمدا فليقض.
  • الأكل أو الشرب أو الجماع في حال الإكراه.
  • الأكل والشرب نسيانا. ذهب سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن من أكل أو شرب ناسيا لا قضاء عليه، لحديث : من نسي وهو صائم- فأكل أو شرب، فليتم صومه ، فإنما أطعمه الله وسقاه (رواه الجماعة)، وخصه الإمام مالك بصوم التطوع.
  • الأكل أو الشرب بعد الفجر جهلا.
  • الأكل أو الشرب قبل غروب الشمس جهلا.
  • خروج المذي بسبب النظر أو الفكر أو ما أشبههما.
  • رفض نية الصوم، ولو لم يأكل ولم يشرب.
  • الردة عن الإسلام إن تاب ورجع إليه في النهار نفسه.
  • ما يبطل الصوم ويوجب القضاء والكفارة:
  • الجماع عمدا من غير إكراه، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:” جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت، فقال: وما ذاك؟ قال: وقعت بأهلي في رمضان. قال: أتجد رقبة؟ قال: لا، قال فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا. فجاء رجل من الأنصار بعَرَق والعرق: المِكْتَلُ فيه تمر، فقال: اذهب بهذا فتصدق به، قال: على أحوجَ منا يا رسول الله؟ والذي بعثك بالحق، ما بين لاَبَتَيْها أهل بيت أحوج منا. قال: اذهب فأطعمه أهلك.”وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: كله أنت وأهل بيتك وصم يوما، واستغفر الله.
  • الأكل والشرب بلا عذر شرعي، وهذا عند الإمام مالك وأبي حنيفة ودليلهما حديث أبي هريرة: أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا.
    والكفارة بمقتضى الحديثين السابقين وغيرهما إنما تتكون من أمور ثلاثة على التخيير هي:

أولا: عتق رقبة مؤمنة سالمة من العيوب.

ثانيا:صيام شهرين متتابعين.

ثالثا: إطعام ستين مسكينا، لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون الإطعام من غالب قوت

أهل البلد، ولا يجزئ إطعام ثلاثين لكل واحد مدان، ولا إطعام مائة وعشرين لكل واحد نصف

مد. والمكفر مخير بين هذه الأمور، فأيا منها فعل أجزأه، والأفضل في المذهب المالكي الإطعام، ثم

العتق، ثم الصيام.

مبيحات الإفطار

المرض: لقوله تعالى: (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر)، فإن كان المريض لا يقدر على الصوم، أو يخاف الهلاك على نفسه إن صام، وجب عليه الفطر. وإن قدر على الصوم بمشقة جاز له الفطر، فإن كان يرجى برؤه فإنه ينتظر حتى يبرأ ويقضي، وإن لم يرج برؤه فإنه يفطر ولا قضاء عليه.

السفر: ويشترط فيه أن يكون مباحا وطويلا (تقصر فيه الصلاة). ونية إقامة أربعة أيام في مكان تقطع حكم السفر، فإن كان المسافر لا يشق عليه الصوم فالصوم أحسن، لقوله تعالى: (وأن تصوموا خير لكم)، وإن كان يشق عليه فالإفطار أحسن، لقول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، ثم يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن.

الحمل: قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت، والدليل على ذلك حديث أنس بن مالك الكعبي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحبلى والمرضع الصوم.
واختلف في إطعامها، فقيل: لا تطعم، وقيل: تطعم، وهذا القول الأخير رواه ابن وهب فقال: وقد كان مالك يقول في الحامل: تفطر وتطعم، ويذكر أن ابن عمر قاله. قال أشهب : وهو أحب إلي، ولا أدري ذلك واجبا عليها لأنه مرض من الأمراض.

الرضاع: قال ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: وللمرضع إن خافت على ولدها، ولم تجد من تستأجر له، أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم، لقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين). قال ابن عباس: أثبتت للحبلى والمرضع.

الهرم: إذا بلغت الشيخوخة بالمسلم أو المسلمة حدا لا يقويان معه على الصيام، أفطرا، واستحب لهما أن يتصدقا عن كل يوم بفطرانه بمد من القمح، لقول ابن عباس في قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين): “كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينا نفسه”، ولما رواه البيهقي عن أبي هريرة قال: “من أدركه الكبر فلم يستطع صيام رمضان، فعليه لكل يوم مد من قمح”. وفي الموطأ بلاغا وصله البيهقي عن طريق قتادة: أن أنس بن مالك كبر حتى كان لا يقدر على الصيام، فكان يفتدي. قال مالك: “ولا أرى ذلك واجبا عليه، وأحب إلي أن يفعله، إن كان قويا عليه، فمن فدى فإنما يطعم مكان كل يوم مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم”.
– شدة الجوع والعطش: من اشتد به الجوع أو العطش، وأحس بالخطر يهدد حياته، أباح له الشارع الحكيم أن يفطر إنقاذا لحياته، بل يحرم عليه الصوم إن خاف الهلاك على نفسه، لقوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).وعليه قضاء ما أفطره.

الإكراه: من أكره على الإفطار أباح له الشارع كذلك أن يفطر ويقضي ما أفطره، ولا إثم عليه في ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم:” رفع الله عن هذه الأمة ثلاثا: الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.