منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

رسالة جندي مجهول إلى ولده

رسالة جندي مجهول إلى ولده/ مصطفى الجراري

0

رسالة جندي مجهول إلى ولده

مصطفى الجراري

حدث عبد الله الصادق بسنده فقال:

بلغ الابن الحلم فسلمته أمه الحزينة الرسالة, فكان فيها المسطور التالي:

ولدي الحبيب, إنك ستبلغ الرابعة من عمرك بعد أسبوعين, وإني أكتب إليك هذه الرسالة وما كدت أحمل قلمي إلا لَأْيا, فجسدي ينزف دما ساخنا, بعد أن اخترقته للتو شظية قذيفة للعدو.

فلا أدري هل ستصلك رسالتي أم لا؟ ولعلي لن أحضنك أبدا, أو أقبل خدك الملائكي مرة أخرى.

أي بني, رفع جيشنا لواء مقدسا عنوانه: “نصرة الدين وأهله”, فدخل حربا ضروسا منذ سنوات، وكله حماسة ورغبة جامحة في التضحية والفداء, دفاعا عن الدين والعرض والأرض, وأيضا استرجاعا لأراض أخرى اختطفت منه منذ زمان.

وكم وددت في هذه الرسالة أن أحكي لك, على عجل وبكل فخر, عن انتصارات جيشنا في هذه الحرب, وأن أروي لك بطولاته وصولاته وجولاته؛ ليكون ذلك نبراسا لك ولأقرانك على الطريق, ونورا يسعى بين أيديكم, فيهديكم سواء السبيل.

لكن، و يا للمصيبة, كنا كلما ولجنا معركة خسرناها, وعوض أن نستعيد ما ضاع  ونحرر ما احتل, فرطنا فيما بقي وسلمنا ما كان محررا.

وإليك ولدي العزيز, خبرَ هذه الحرب الفاشلة, وروايةَ  تضييع أراض ومواقع من بلدنا الغالي.

أولا: لقد فرطنا في أرض اسمها:  (تجريم الإجهاض), وخرجنا منها على وجه السرعة, مولين الأدبار, بل وجدنا قادتنا يسوغون هذا الإخلاء, قائلين: إن انسحابنا اجتهاد فيه مواكبة لتقلبات الحرب وتطوراتها !!

فإن واجهتني بني, عندما تعقل إن شاء الله تعالى, بقوله سبحانه: {وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت}, فلن أزيد على أن أقول: صدق الله العظيم, وكذب “قادتنا”.

ثانيا: وقد أضعنا بعد ذلك, (موقع التعريب) الذي استرجع بعضه منذ عقود, ليأتي “جيشنا المظفر” الذي طالما رفع عقيرته دفاعا عن هذا الثغر, فيفرط فيه تفريطا, عند الاشتباك الأول, وأمام عدو اسمه الفرنسة.

والغريب لوْذُ “قادتنا” بصمت يشبهُ صمت القبور في ظاهرها, بل عبر بعضهم قائلا: إن المصلحة تقتضي أن ننسحب من هذا الموقع الذي لا ترجى منه فائدة, بل يثقل ويشوش على خطط “جيشنا المظفر”!؟

ثالثا: أو ثالثة الأثافي ولدي الصغير, تسليمنا فجأة ثغرا مقدسا ومباركا بقدسية وبركة الأرض التي ينصرها؛ إنه موقع (مجابهة التطبيع) الذي تم تسليمه لعدو غضب الله عليه, بعدما صافحناه يدا بيد, وأعطيناه العهود والمواثيق على مسخ ذاكرتنا, وتأسيس أخرى على أنقاض الأولى؛ وقد ارتكبت هذه الجريمة بذريعة الاضطرار ومصلحة الوطن، فالضرورات, قالوا, تبيح المحظورات, والمصالح معتبرة!؟

وهكذا, ظلمنا وخذلنا وأسلمنا إخوة لنا, على أرض الرباط, الأمر الذي نهانا عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وأزيدك يا فلدة كبدي ــ ليكون لك كتابي هذا, شهادة على أخبار هذه الحرب ــ أن “قادتنا” عزموا على تسليم, وقد فعلوا, بلد (تجريم “العشبا”) إلى عدو مقنع لُقب ب”التقنين”, متذرعين بالمنفعة  الطبية والمالية التي سيجنيها الوطن!؟ فأينما كانت المصلحة, استشهدوا, فثم شرع الله!؟

وكأني بني, بهؤلاء ” القادة” لم يدعوا خيبة إلا وواقعوها, ولم يتركوا مفسدة إلا وجلبوها!!

وأما بني الحبيب, أرض (بيوت الله  وكتاتيب ودور القرآن ومدارس ومعاهد التعليم العتيق) ففرطنا فيها منذ ما يزيد على العام, بحجة غريبة عجيبة، اسمها: “وباء” حلت وتلبست بهذه الأرض الطاهرة دون غيرها!؟

وحتى لا تصيب العدوى “جيشنا المظفر” خرجنا من تلك الأرض فارين لا نلوي على شيء, ودون أن نطلق ولو رصاصة واحدة, بل وجدنا “قادتنا الأشاوس” يعتبرون هروبنا إقداما, وجبننا شجاعة, وسكوت بنادقنا نطقا وحكمة!!؟

وأزيدك صغيري الغالي، فأقول, وإن كنت أعلم أن كلامي سيصيبك بالغم لسماع أنباء هذه السقطات المدوية والخيبات المتتالية ل”جيشنا المظفر”؛ لكنها الحقيقة بني, التي لا مهرب منها.

فلقد خسرنا دون قتال, بلد (المنابر المحاصرة والخطباء المبعدين), الذي انتقم منه, لا لذنب اقترفته  تلك المنابر أو جرم ارتكبه أولائك الخطباء المبعدون , إلا أن تصدع بالحق وينهون عن المنكر.

كما نكصنا على أعقابنا ولم نثبت ونذكر الله كثيرا رجاء الفلاح, في موقعة (فجور الإعلام الرسمي وتغوله), وهو لا يزال مصرا على الاستمرار في مقارفة الكبائر, وعازما على المضي في التغول.

ولدي, سأقف عند هذا الحد, فإني أسمع قرع أقدام سكرات الموت, وفي المثل: من قرع الباب ولج؛ وها أنا ذا أرى رأي العين روحي وهي تفيض إلى بارئها, فلقد (أزفت الآزفة) بني.. أشهد أن لا إله إلا لله وأن محمدا رسول الله.

حدث أيضا, عبد الله الصادق بسنده فقال:

بعد أن هدأ هدير الحرب, عُثر على الجندي المجهول غارقا في دمائه, ولباسُه العسكري مُلئ ثقوبا بفعل شظايا القذائف؛ كما وُجدت مذكرة صغيرة, مضمخة باللون الأحمر القاني, مضمومة  إلى قلبه بيمناه, والسبابة مرفوعة إلى السماء, أما القلم فكان ساقطا عند قدمي الجثة وعليه آثار دمها.

ذرفت عينا الشاب اليافع وأجهش باكيا, فلم تلبث الأم المكلومة أن قالت: ابك بني, لعل البكاء يخفف عنك, فمنذ عشر سنين, وأنا كلما تذكرت الرسالة أو أعدت قراءتها, أبكي أباك.

قال الشاب وهو يكفكف دموعه: رحمك الله يا أبي, ثم تابع سائلا: لم يا أمي شارك أبي في هذه الحرب الكاذبة!؟

فما زادت الأم المنهكة بثقَل أعوام الحزن العشرة, على أن قالت: إنه خداع الألوية والعناوين يا بني!!

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.