منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

زائرة من عالم غريب (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

فتح الباب برفق، لكن صوتا خافتا أيقظه من سباته العميق..العرق يتصبب منه كقطرات المطر، والجسد يرتعش بشدة، وهو بين اليقظة والنوم، بل بين الحياة والموت..التفت يمينا وشمال. الزوجة تغط في نوم عميق، والفجر يوشك على الانبلاج:

أما آن لك أن تستريح؟

كان صوتا حانيا ورقيقا، لم يتبين معالمه، ولم يسمع بمثله قط، وكأنه يصدر من فيه عذراء محبة ودود، صوت جاء ليذكره بأيام خلت، ويحرك فيه إحساسا افتقده من سنين، ويعيد إليه أشواقا ما ظن أنها ستخالجه فيما تبقى له من عمر..

لم يدري، هل هو في حلم، أم هي الحقيقة..التفت مرة أخرى، نور الغرفة يشع كالقمر، لكن الزوجة لا تشعر به، وهي الحساسة لأدنى شعاع، وأدنى صوت، وأقل حركة..أهو الشيطان قد أثقلها بغطاء دافئ في هذا القر، كي لاتقوم للصلاة؟

ترنح من مكانه، يريد النهوض، لكن رجليه قد أصبحتا باردتين كالثلج، وعظامه أثقل من أبي الهول..كم اشتاق للوقوف والمشي على قدميه النحيفتين، ومناجاة الله في الثلث الأخير من الليل، بعد قيام وصلاة وقراءة خاشعة للقرآن الكريم.أحس برغبة شديدة في البكاء..العمر قد انصرم منه الكثير، ولا يدري متى سيرحل، وإن كان يحس بأنه قريب..بل إنه صار يرتقبه كل يوم. لقد اشتد به المرض وطال، ونفذ الصبر، وآلمه أن يعيش عالة على رفيقة العمر، الأصيلة الكريمة الحنون..التي تخدمه  كطفل مقعد ضرير دون أن تتأوه أوتغضب أو تضجر..هي وحدها تعطيه الأمل، وتمنحه التحدي، وتتفضل عليه بالرحمة والمودة والرغبة في البقاء..

المزيد من المشاركات
1 من 46

لكن، إلى متى تستطيع التحمل ؟

تذكر الحادث المشؤوم، الذي غير القدر وغير نظرته للحياة والناس..

اقتربت منه قليلا..غادة في ريعان الشباب، تفيض نضارة وجمالا وأنوثة..

لقد رغب عن النساء منذ الحادث المشؤوم، لكن إحساسا غريبا تملكه وسرى في جسده سريان الدم في العروق..لا شك انه يحلم..لكنه يحس ويدرك ويرى كل شيء..أراد أن ينادي على زوجته، فانحبس لسانه عن النطق..

بقي مشدوها، أخرسا، عاجزا عن الحركة والكلام..

نظرت إليه نظرات إعجاب وتودد، وخاطبته بدلال قائلة:

جئت أعيد إليك عافيتك، وحيويتك، وشبابك الغابر..فهل توافق..

مقالات أخرى للكاتب
1 من 81

لم ينطق ببنت شفة، وكله دهشة واستغراب..

مررت يدها على وجهه، ثم على شعر رأسه، وضمته إليها بحنو، فأحس بطمأنينة افتقدها من زمان..وزالت عنه الدهشة والخوف..إنه بحاجة إلى الأنس في هذا الليل الرهيب..لكن لا يمكن ان يفعل ما يغضب الله والزوجة..

طمأنته قائلة، وكأنها قرأت ما يختلج في صدره، وما يدور في خلده: لا تقلق، ولا تخف، فلن افعل بك سوءا..أريد فقط أن اصحبك معي في رحلة..تفرج ما بك من هم..

شعر بأنه يريد أن يقول شيئا، لكنه لم يستطع، واستغرب أنها تقرأ أفكاره وتجيبه عن تساؤلاته دون أن يسأل. واستغرب أكثر أنها تقنعه بإجاباتها وتستفيض في الشرح والتفسير، وإن لم يفهم مما تقول شيئا..لكن سؤالا واحدا أحجمت عن الإجابة عنه: من أنت؟ ومن تكونين؟ ومن أي مكان جئت؟ ولماذا اخترتني بالذات؟

وامتدت لحظة صمت وتأمل، سافرعبرها في عوالم وفضاءات غريبة وعجيبة، ما ود أن يعود منها أبدا، ثم غشيته بجسدها، واحتوته كأم تحضن وليدها المحموم، فأحس بارتياح عميق وبحرارة تدب في جسده كله، وبأطرافه وهي تتمدد وتتحرك وبالألم ينزاح عنه إلى الأبد، ..أمسكته من يديه، وأوقفته على رجليه، وهو في غاية الاندهاش والاستغراب، ثم ما لبثت أن حملته على ظهرها، وارتفعت به في الفضاء..

استجمع كل قوته وصرخ بأعلى صوته : ملاك

هبت ملاك من مرقدها، ورأته..رأته..ممددا على السرير..ينظر إلى أعلى..وجسده لم يفقد حرارته بعد..

صرخت وولولت ولطمت الخدود..فناداها من الأعلى: وداعا أيتها الملاك الحبيب، وإلى اللقاء في جنة الخلد..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.