منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكاية بلا نهاية (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

الليل في أوله، وهو في مكتبه، بين أوراقه، يريد كتابة قصة عن واقع الأمة. العرق يتصبب منه كقطرات المطر، غضبا على الكلمات التي أبت التدفق، يكتب ويشطب، ثم يكتب، ثم يشطب، يمزق الورقة، ويأخذ أخرى، يرفع رأسه إلى السقف، يتأمل الطلاء الذي اسود بفعل الرطوبة. تحضر كلمات فيعود إلى الكتابة، ثم تسترسل العبارات، فيتهلل وجهه.
من المطبخ تنبعث رائحة شهية، من الغرفة الأخرى، ترتفع أصوات طوم وجيري، السلسلة المحببة إلى بنته الوحيدة، من الشارع يأتيه صوت جاره المعربد، وهو يسب المارة والحكومة والعرب، زوجته تقرأ وردها القرآني، وتصرخ في ابنها، كي يهتم بدروسه، ويدع التواصل بالفيس. تدخل أخته الصغرى، تقصد التلفاز وتغير القناة دون أن تستأذن، فتغضب البنت، وترد الأولى. تستسمحها وتتوسل إليها لمتابعة مسلسلها التركي المفضل، فترفض، ثم تغريها بالحلوى، فتقبل. ترفع حجم الصوت، فتشوش عليه فكره، يصبر ثم يصبر، ثم يصرخ بملء فيه، طالبا منها تخفيضه، تدخل الزوجة لمتابعة برنامج الطبخ على القناة الثانية، فترفض الأخت. يدخل الأخ الأصغر لمتابعة مقابلة كرة القدم ويتبعه الابن، فيضغط على الزر، ويغير القناة، لكن الأخت تغضب وتضربه، فيصرخ وينادي على أبيه. تتدخل البنت لتنتصر لأخيها. يكثر الصراخ، فيشتد غضبه، ويضع القلم، ثم يتوجه نحو الغرفة، ويقطع التيار الكهربائي، فيهدأ الجميع. وحين يزول غضبه، يعيده من جديد، يأخذ جهاز التحكم عن بعد، ويبحث عن برنامج يرضي الجميع.
القنوات العربية يكتنفها الجفاف والروتين، أغاني، مسلسلات، أفلام، ونشرات أخبار، تزرع اليأس والقنوط. في الماضي كان كل شيء لذيذا، حتى الإشهار، أما الآن فقد أصبح كل شيء رتيبا.
بينما هو يبحث في القنوات، طلع مسلسل يحبه الجميع، الفرسان، لقد شاهدوه أكثر من مرة، ولم يملوا من إعادته. إنه يحكي جزءا من تاريخ الأمة، في أواخر العهد العباسي، عهد التشرذم والتنافس عن الدنيا والسلطة.، مما مكن الأعداء، الصليبيين والتتار، منهم. أحداثها تنطبق تماما على واقعنا الحالي، فالأمة ممزقة، والحكام منشغلون لأنفسهم وعروشهم، والشعوب ملهية مكممة، والأعداء يخططون ويتآمرون لبسط النفوذ واقتسام الثروات. كانت الحلقة الأخيرة، بيبرس يقتل قطز، بعد أن انتصروا على التتار، وأوقفوا زحفهم الكاسح على بلاد المسلمين، ثم يندم على قتله، ويحمل نعشه مع رفاقه، في موكب جنائزي مهيب، على نغمات نشيد يجلل المشهد. التفت يمينا، فوجد الجميع في صمت رهيب، والدموع تنهمر على خدودهم، فقال بصوت مبحوح: لمثل هذا، فليبك الباكون. ثم عاد إلى أوراقه، ليكمل القصة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.