منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدخل نظري في قراءة الاستشراق والاستعراب

مدخل نظري في قراءة الاستشراق والاستعراب / بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

مدخل نظري

في قراءة الاستشراق والاستعراب

بقلم الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

إن الغالب على قراءة الاستشراق والاستغراب هو الإلزام القراءة الخارجية، ولكن الأنفع على المتلقي هو قراءة الدرس الاستشراقي من الداخل. ونقصد بذلك تناوله من منظور معرفي لأن الاستشراق قبل كل شيء جزء من النسق الفكري العام في الغرب، وتفكيك آليات الاستشراق يفرض علينا تحليل قانون المركزية الغربية والتحليل المعرفي للتاريخ، وكذلك نقد أساس العلم التاريخي.

ولا يختلف اثنان في قراءة الاستشراق من الخارج وتظل مفيدة بتحصيل حاصل.

المزيد من المشاركات
1 من 33

ومن الأدوات التي يستحسن توظيفها في هذا المجال:

1-الالتفات إلى أهمية الجهاز المفهومي (الاستشراق/الاستعراب) فنحن نحرص على مواكبة المستجدات المصطلحية وإن كنا نسلم بأن المفهوم لم يتحول كثيراً. ولذلك ذهب ادوارد سعيد إلى أن العبرة هي أن الاستشراق والاستعراب يحملان سلسلة معرفية.

2-فالاستشراق أو الاستعراب خطاب، ولكنه خطاب لا يعكس الحقيقة بالضرورة بل يعكس التمثلات مستنداً إلى قانون القوة المادية، فنحن نلاحظ أن الخطاب الاستشراقي أو الاستعرابي يخلق الآخر وهو الطرف أو الهامش ويعيد تصويره وتشكيله. وقد أصاب ادوارد سعيد عندما اختصر مسافة الخطاب في العبارة الآتية: “الاستشراق هو الشرط الذي يصنعه الغرب.”

ولا يختلف اثنان في أن الاستشراق أو الاستعراب باعتبار الخطاب هو موضوع ومعرفة، ويجليه لنا أن الشرق في العقل الغربي موضوع واقع لا تربطه به صلة تطابق وانعكاس، ونحن عندما تتدبر أن الاستشراق كان مكونا من مكونات المرحلة الاستعمارية المباشرة، فإن الأنفع علنيا أكاديميا هو الجزم على صرف الاهتمام إلى السؤال الآتي: كيف يواكب الاستشراق أو الاستعراب معرفيا؟

3-تاريخية السلطة المعرفية للاستشراق أو الاستعراب الثابت في الكتابات الاستشراقية والاستعرابية، هو التاريخ الذي بلغ أوجه في نقطة الذروة في فضاء محدد هو الغرب بكيانه الثقافي والحضاري والديني.

فهذا المفكر الفرنسي جاك أطالي يمحو بجرة قلم ثمانية قرون من النسيج الحضاري الإسلامي في الأندلس الإسلامية. ويردف على ذلك أن سنة 1492م تمثل الذروة الحضارية الإنسانية الكاملة. ولا يتم ذلك بإشارة إلى سقوط البناء الحضاري الإسلامي في السنة ذاتها، ولكن بالإشارة إلى حركة الاستكشافات لكريستوف كولومبو.

فضرورة الاهتمام بهوية الدرس الاستشراقي باعتباره سلطة معرفية فلأن الأمر يعني تحليل دعامتين تكمل إحداهما الأخرى (المعرفة + السلطة) وفي ضوء ذلك لا يدرج المستشرقون أو المستعربون الغرب والشرق باعتبارهما حقيقتين، لأن الشرق عند الغرب هو اختراع يفرزه الخطاب العربيّ بواسطة الجغرافيا المتخيلة، ويكفينا أن نشير إلى أن المستعرب الفرنسي المعروف جاك بِيرْك قدم ونشر سنة 1982م تقريرا رفعه إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية عن صعود الاشتراكيين إلى الحكم يدعو فيه إلى تذويب بل إلى تجفيف منابع الشرق في المجتمع الفرنسي الغربي زاعماً أن الثقافة لا تحدد سماتها إلا في فضاء الغرب، وأما الشرق فهو مولد اصطناعي، ويقصد جاك بِيرْك بتذويب أو تحفيف المنابع اقصاء فكرة الخصوصية الثقافية للجيل الثالث من المهاجرين.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

ومن تبيعات ذلك أنه من الحقيقي اتقان قراءة مسألة سلطة المعرفة خاصة وأن معظم الكتابات التي تقرأ الاستشراق أو الاستعراب من الخارج تظل مقيدة من المنظور التجزيئي لسلطة المعرفة لأنها لم تضعها ضمن النسق المعرفي العام للحضارة الغربية فالاستشراق أو الاستعراب ليس ظاهرة موازية للنسق المعرفي للغرب وهو ليس منقطعا عنه أو عرضيا فيه، بل الاستشراق أو الاستعراب يستمد جذوره من ذلك النسق من كل مكوناته المعرفية والحضارية بل هو يشكل جزءا أساسيا من مشروع الدول الغربية، وهذا يفرض علينا فرضا لا مناص منه، لذلك وجب أن نضع الدرس الاستشراقي أو الاستعرابي ضمن هذا النسق العام.

ويمكننا القول في الأخير أن الدرس الاستشراقي أو الاستعرابي لا يأخذ باعتباره ملتمسا معرفيا إلا إذا توخينا إبراز المرجعية التي يستند إليها العقل الغربي في بناء صورة الشرق أو الطرف، وهي قطعا صورة مشوهة لتأكيد ذاته وليجعل من نفسه محوراً ومرجعا تاريخيا عالميا أحادي القطبية من خلال إنشاء منظومة فكرية تدعو إلى رسالته الحضارية التبشيرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.