منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المساجد المهجورة

أحمد بن محمد الشبي

0

بِسْم الله العلي العظيم، الرحمن الرحيم
وبعد:
في الأيام الماضية كنتُ أزور مسقط رأسي (قصبة تلاغت) القرية الصغيرة الهادئة المنزوية في آخر بساط شتوكة شرقاً، والبوابة التي تخرج منها صعوداً إلى جبال آيت حمد “انزي”.
كانت القرية بفضل الله ونعمته مخضرةً، نبتتْ فيها الأزهار، واكتست ألواناً من الزينة، والتحفتْ بأكسية الاخضرار، فهي مناظرُ مُبهجة، وجمالٌ أخّاذٌ، وطبيعةٌ زاهيةٌ.
لكن رغم ذلك فإن فرحتي لم تكتملْ، بل كنتُ متحسراً ومتألماً، فالمسجد مغلق لا تُقام فيه جمعة ولا جماعة، مع أن الناس يتلاقون أمامه، ويجلسون يتحدثون، لكن حين يؤذن المؤذن ينفضّون وينصرفون، لأن المسجد أُغلقتْ أبوابه، وعُطّل محرابه.
آلمني ذلك كثيراً وتذكرتُ في نفسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مامن ثلاثةٍ في قرية لا تقام فيه الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان)
إثر صلاتي الصبح في أحد الأيام جلستُ أمام منزلنا الذي يقابل المسجد مباشرةً، فما أسفر الضوء حتى رأيتُ الأطفال تسوقهم أمهاتهم إلى المدرسة، وشباباً يَفَعَةً يلتحقون بالإعدادية والثانوية البعيدتين.. لكن وُفّرتْ لهم مراكب ُ بأثمنة رمزية مخفضة ليتسنى لهم الالتحاق بها بسهولة.
ونظرتُ إلى المسجد المغلق الصامت أمامي، لا يرتاده أحد بل صار بنايةً خاوية، وهيكلاً قائماً لا دور له بل ولعله لا لزومَ له!
تألمتُ في أعماقي، وكظمتُ غضباً وحزناً خفياً ثم سرحتْ بي الذاكرة إلى أيام الصغر، وتذكرتُ كيف كان ذلك المسجد المهجور الآن يُهمْهِمُ بأصواتنا ونحن نحفظ ألواحنا، ونقرأُ أحزابنا، ونراجع محفوظنا، ونظرتُ إلى الحائط القديم الذي بجانبه، والذي كنّا نُسند إليه ألواحنا المغسولة، انتظاراً بزوغ الشمس التي ستُجففها:
وفِي أثناء ذلك كنّا نعود إلى بيوتنا لنحصل على وجبة الفطور، ثم العودة سريعاً إلى ما كنا فيه من النشاط والجد والقراءة.
قال المعري:
كم أردْنا ذاكَ الزمان بِمدحٍ
فشُغلنا بذمِّ هذا الزمان
إن المدارس العصرية التي خلفها الاستعمار ممتلئةٌ عن آخرها بالتلاميذ والتلميذات! لكنّ المسجد يجب أن يظل صامتاً، فلا يجوز لأحد الذهاب إليه، لأن المرض ترك الدنيا كلها واستوطن جنبات المساجد، وجدران الكتاتيب القرآنية.
قيل لي: إن أحد الطلبة كان في قرية غير بعيدة عن سوق السبت ” ايت ميلك “، وعلى مرأىً من تلك المدارس العصرية، غامر وجازف فاستقبل صبيانا صغاراً يلقنهم الحروف، ويكتب لهم الألواح فإذا بالجهات المسؤولة تستدعيه وتوبخه، وتتوعده بالطرد إن عاود جرمه المشهود.
ماذا يحصل في المغرب! وإلى أين يتجه؟
أنا أعلم أن كل الرجال الذي قاوموا الاستعمار الغربي المجرم، وناضلوه وفاصلوه، وأذاقوه الويل على امتداد العالم الاسلامي هم رجال تخرجوا من الكتاتيب القرآنية، وتكونوا على حُصُر المساجد، فكانوا حملة كتاب الله، وبعضهم كانوا علماء، وكلهم كانوا أصحاب أذكار وصلوات وعبادات. لكنهم كانوا أيضا فرساناً وأبطالاً قادوا الأمة على درب التحرير، وخاضوا بها معارك الاستقلال.
لذاك يحق أن نتساءل: هل إن الاستعمار القديم كلّف وكلاءه بتصفية مراكز الرجولة، ومنازل الأبرار، ومصانع الأحرار.
لا أدري لكنّ ما يجري يثير ألف سؤال وسؤال!
أبُنيّ إن من الرجال بهيمةً
في صورة الرجل السميع المبصر
فَطِنٌ لكل مصيبةٍ في ماله
فإذا أصيبَ بدينه لم يَشْعُر
بقلم الفقيه الجليل أحمد بن محمد الشبي حفظه الله
المصدر: صفحة قصبة تلاغت على الفايسبوك

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.