منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العبادة المهجورة في رمضان وخارج رمضان (خطبة)

الشيخ بنسالم باهشام

0

 

عباد الله، خطبتنا تبدأ بهذه القصة التي من خلالها نتعرف على هذه العبادة المهجورة طيلة السنة؛ وفي رمضان خصوصا، ركبت سيارة أجرة من مدينة مكناس بالمغرب، إلى العاصمة الإدارية الرباط، وكان السائق رجلا ملتحيا، وفي الطريق أوقف الدركيون السيارة، وسمعت مسئولهم يقول للدركي الذي أوقفنا، شدد معه الإجراءات، حتى تجد له مخالفة يستحق عليها الذعيرة، ولما تقدمت إلى المسئول وأخبرته بأنه ليس لي وقت للانتظار، صرح لي بالسبب في تشديد الإجراءات مع هذا السائق، فاستغربت للسبب، ووجدت أن السائق يستحق العقوبة فعلا، فتوجه المسئول للسائق وقال له: أتدري لماذا شددنا معك الإجراءات دون غيرك؟ فقال السائق: لا أعرف بالطبع، وأنا أعلم أن سيارتي سليمة، وأوراقي مضبوطة، فقال له الدركي، لأنك عبوس الوجه مقطب الجبين، فأراد السائق أن يبرر حيث لا ينفع التبرير، إن الشمس كانت هي السبب، الذي أظهر على وجهي كأنني عبوس، فقال له المسئول: نحن دائما هنا للمراقبة، وأنت تمر أمامنا مرارا، فهل الشمس لا تغيب عنك ذهابا وإيابا؟ هنا ظهر السبب، وعرفت اسمه من خلال مناداة أحد السائقين له بالمحطة، فقلت له: معه الحق يا عبد الله، هل السنة في إطالة اللحية فقط؟ فأين متطلباتها الأخرى، وعلى رأسها الابتسامة، والبشر على الوجه؟

عباد الله، الموقف الثاني والمتعلق بهذه العبادة المهجورة طيلة السنة، وفي رمضان على الخصوص، أني اقترحت على طلبتي الذين يدرسون عندي بعد أن تحدثت لهم عن هذه العبادة المهجورة وكيف أصبحت غريبة في أوساطنا، حتى أصبح العبوس هو الأصل، أن يستقبلوا والديهم بالابتسامة، ويخبرونني برد الفعل في الحصة المقبلة، فكانت المفاجأة لهم جميعا، فقالت لي إحداهن: لما ابتسمت في وجهي أمي قالت لي: ائتني من الأخير، وقولي لي ماذا تريدين؟ وقال الآخر: لما ابتسمت في وجه أبي قال لي: ما هي الفضيحة التي ارتكبت وأردت سترها بهذه الابتسامة، وثالثة قالت: إنها لما ابتسمت في وجه أمها، قالت لها: كم تريدين من النقود؟… وهكذا كل واحد من الطلبة إلا قابله أحد والديه بالاستغراب عندما ابتسم في وجهه، والسبب أننا لم نألف هذه العبادة المهجورة في أوساطنا، فهي غائبة بين الزوجين، وغائبة بين الوالدين والأبناء، وغائبة في المؤسسات التعليمية، وفي المستشفيات، وفي الإدارات العمومية، وعند الموظفين أصحاب البذلة على اختلاف أطيافهم، وفي شوارعنا، وبين الجيران، أما رمضان الشهر الذي يجب أن نكون فيه أكثر تبسما وبشرا وفرحا، فإنك لا ترى في الأوساط إلا الخصومات ورفع الأصوات والسباب والشتم والقذف، أو السكوت والتجهم والعبوس، مع العلم أن الإسلام ارتقى بالابتسامة فجعلها عبادة، واعتبرها قصد التشجيع والحرص على المحافظة عليها صدقة، وإحياء لهذه العبادة المهجورة، سيكون حديثنا في هذه الخطبة حول الابتسامة.

1 – الابتسامة أجرٌ وثوابٌ

عبادة الله، اعلموا أن باذل الابتسامة مع مكاسبه النفسية والبدنية، لن يعدم أجرها متى احتسب في ذلك؛ روى البخاري في الأدب المفرد، والترمذي في سننه وحسنه. وابن حبان وصححه، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ).

[رواه البخاري في الأدب (891)، والترمذي (1956) وحسنه. وصححه ابن حبان (474)].

2 – احتقار الابتسامة والتقليل من شأنها

عباد الله، إن من أسباب بخلنا ببذل الابتسامة، وعدم محافظتنا عليها، وعزوفنا عنها، كوننا نتقالّ أجرها وأثرها؛ روى الإمام مسلم في صحيحه، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ)

[رواه مسلم (2626)، وروي (طلق) على ثلاثة أوجه: بإسكان اللام وكسرها وطليق، ومعناه: سهل منبسط.]. وفي رواية ابن حبان «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ المعْرُوفِ شَيْئاً، فَإنْ لَمْ تَجِدْ، فَلَايِنِ النَّاسَ وَوَجْهُكَ إِلَيْهِمْ مُنْبَسِطٌ»[ رواه ابن حبان (468).].

3 – سعة الناس بالابتسامة

عباد الله، إن الابتسامة التي لا تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، فإنها تشمل خَلقاً كثيراً، ومحبةُ الناس للابتسامة لا تقل عن محبة غيرها من الملذات، روى أبو يعلى والبزار، وصححه الحاكم، وقال الحافظ ابن حجر: «وللبزار بسند حسن»، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ» [ رواه أبو يعلى (6550)، والبزار (9319)، وصححه الحاكم (428)، قال الحافظ: «وللبزار بسند حسن» الفتح 10/459.].

4 – بشاشة وَجه المرْء خير من القِرى

عباد الله، في رمضان مضى، جمعت من المحسنين قدرا ماليا، واشتريت به عددا من الأمتعة، رتبتها مع زوجتي، وسهرت على إنجاح العملية حتى أصبت على إثرها بمرض، وتم توزيع هذه الأمتعة على المحتاجين بالغرفة التجارية، وأرسلت الفديو المسجل لمرشدي رحمة الله عليه، ولما التقيت به، قال لي: كان الأولى بك أن تسلم الأمتعة للمحتاجين وعلى وجهك ابتسامة، فاعتذرت له بالمرض، فقال لي زد مرضا شهرا آخر وابتسم في وجه من تسلمه تلك الأمتعة، فبشاشة وَجه المرْء خير من القِرى.

5 – تكرار التبسم عند كل لقاء

عباد الله، الابتسامة ليست مخصوصة باللقاء الأول؛ بل تثنَّى كلما تعددت اللقاءات مع الشخص نفسه، روى البخاري، ومسلم أن الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي)[ البخاري (3035)، ومسلم (2475).]

6 – مشاركة المتحدثين الابتسامة

عباد الله، إن من هدي الرسول صلى الله عليه وسلم مشاركة أصحابه الابتسامة متى رآهم يتحدثون ويضحكون؛ فلكل مقام مقال، ولكل حادث حديث؛ روى مسلم في صحيحه عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة رضي الله عنه: (أكنت تجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم كثيراً، كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح، أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم) [رواه مسلم (670).].

 7 – كثرة تبسمه صلى الله عليه وسلم

عباد الله، هذا قدوتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يأت مثله صلى الله عليه وسلم في كثرة تبسمه ولن يأتيَ. وهو مما تواترت به الأحاديث، روى أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، أن عبد الله بن الحارث رضي الله عنه قال: (ما رأيت أحداً كان أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) [ رواه أحمد (17704)، والترمذي (3641)، وصححه الألباني في مختصر الشمائل (194).].

8 – التبسم حال الغضب

عباد الله، ملازمة الرسول صلى الله عليه وسلم للابتسامة لم تكن في حالة الفرح فقط، بل حتى في حالة الغضب، ومن عجيب حاله صلى الله عليه وسلم في علاقته مع أصحابه ممن لهم سابقة في الإسلام، ما رواه البخاري، ومسلم عن كعب بن مالك رضي الله عنه في حـادثة تخلفه قال: (فجئته، فلما سلمت عليه تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: «تَعَال» فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: مَا خَلَّفَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ) [رواه البخاري (4418)، ومسلم (2769).].

9 – التبسم حتى مع المسيء

عباد الله، لم يخص نبينا صلى الله عليه وسلم ابتسامته بالمقربين مـن أصحابه فقط؛ بل عم ببذلها القريبَ والبعيدَ والمحسنَ والمسيءَ؛ روى البخاري، ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُرْدٌ نجـراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة، حتى نظرت إلى صَفْحَةِ عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جَذْبَتِهِ، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء) [رواه البخاري (3149)، ومسلم (1057).].

10 – الابتسامة سلاح بارد

قال تعالى في سورة فصلت وهو يرشدنا كيف نتعامل مع أعدائنا: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت: 34، 35]. واستجابة لتعاليم هذه الآية الكريمة، لا تستقبل عدوك بجبين مقطب، ووجه عبوس، بل استقبله بالابتسامة لتحرك فيه جانب الخير، قال ابن عيينة رحمه الله تعالى: «البشاشة مصيدة المودة»[ بريقة محمودية 3/254.]

وَإِنِّي لأَلْقَى المَرْءَ أَعْلَمُ أَنَّهُ *** عَدُوٌّ وفي أَحْشَائِهِ الضِّغْنُ كَامِنُ

فَأَمْنَحُهُ بِشْرِي فَيَرْجع ودُّهُ *** سَلِيْماً وَقَدْ مَاتَتْ لَدَيْهِ الضَّغَائِنُ

[التذكرة الحمدونية 2/188، الدر الفريد 10/189، المستطرف/127.]،

11 – التبسم لم يفارق نبينا صلى الله عليه وسلم حتى في مرض الموت

عباد الله، لقد عاش الرسول صلى الله عليه وسلم حياته كلها مبتسما في وجه الناس، وختم حياته في آخر لقاء له بأصحابه متبسماً، روى البخاري، ومسلم أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر فتوفي من يومه) [رواه البخاري (680)، ومسلم (419).].

عباد الله، هذا هو ديننا الإسلامي الحنيف، الذي جعل الابتسامة صدقة، وارتقى بها لتكون عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، وهذا هو نبينا وقدوتنا الذي أعطى المثل الأعلى في الابتسامة، مع من أحسن إليه وحتى مع المسيء، فما حظنا من هذه العبادة المهجورة التي بها ننال ثوابا كبيرا، وأجرا عظيما، ولا تتطلب منا أي مجهود عضلي، سوى سلامة الصدر، فلنجعل الابتسامة شعارا في حياتنا، مع والدينا وزوجاتنا وأبنائنا وجيراننا، وأثناء ممارسة وظيفتنا، بل حتى مع من أساء إلينا، وبملازمة الابتسامة ستكون خاتمتنا إن شاء الله مبتسمين، فمن شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات، ومن مات على شيء بعث عليه، فاللهم اجعلنا من البسامين بالنهار، البكائين في جوف الليل، واحشرنا مع سيد البسامين إمامنا وقدوتنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

المزيد من المشاركات
1 من 12
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.