منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

أتَذكُر يا حَبيب؟

أتَذكُر يا حَبيب؟/ عبد العلي نقري

0

أتَذكُر يا حَبيب؟

عبد العلي نقري

كبرنا على التصابي واللعب اللامتناهي، والعيشة على هامش الزمن بالكُلّية، فلا همّ ولا غمّ ولا حُزن، أطفالا صغارا كُنا، براءة ما عُدنا، ضحكاتنا كانت تعلو مشارب وثنايا الزقاق العاشر بالخير المحمدي، حي الرجولة والوفاء، حي المقاومة والتضحية والمساجد الكثيرة العامرة.

 

أتذكر يا حبيب؟ تلك الليالي الملاح والأيام المنورة، أتدري أننا ونحن نتذكر، نعيش نفس اللحظة بحلوها ومرّها متجددة، وكأنها صورة فوتوغرافية تجمد فيها الزمان والمكان معا وفيها تجمدنا أيضا إحساسا وذاكرة وشعورا، نعم يا حبيب لازالت روح الناس والمكان وعبق الطفولة يداعب خوالج وجداني، فينقلني إلى الست والسبع والعشر سنين ونيف من زمن ما قبل الأربعين بأربع.

 

أتذكر يوم كنا ذاهبيْن للبحر بلا أكل ولا شرب ولا مصاريف، كنا نخاف طلب المال من آبائنا المساكين الفقراء، فالويل كل الويل إن طلبت درهما أو فِلسا واحداً، ليس لبخلهم ولكن لغياب عدل غيبه الظالم من الأرض فغاب بأرزاقهم ورزقنا معهم كما غيب قبل ذلك رزق الأجداد ، فكيف لأب مسكين يشتغل  بأدنى شروط الكرامة الآدمية وبأجر زهيد أن يقدر على مصاريفك وإخوتك السبعة في مدينة كالبيضاء..غول المغرب..؟

 

أتعلم يا حبيب أني دااائما أتذكر هاتيك الأيام، فيتسابق دمعي وآهات تنهيداتي مسرعة من صدري كأنها نار فارس سلطانية، لولم أخرجها من صدري لكانت قاتلتي ومحرقتي وهي بعد الحرق وقبل القتل معذبتي، فتسبق الدمعة الهتون زفرات روحي، وكأن العلة الغائية من سبقها وسباقها أن تطفئ لهيب نار الحسرة والشوق خوفا علي، لكن رغم الزمكان المتجمد في ثنايا الفكر تمثلا لِما كان وما لَم يكن، أرجع القهقرة من لأواء حرّ الحسرة وشدة ألمها أن قدر رحل عديد أحباب كانوا هم روح المشهد ( والديْن وأصدقاء وجيران وأحباب) هم ضحكات وتبريكات وزيارات رحم ونصح وعتاب… زمن الصفاء، و بلا مقابل، وكأن الأسرة أُسَر، والأب عدة آباء، والأم مدينة فاضلة ما بين بابل وأثينا وطيبة….

 

كلما تذكرت الطفولة إلا وفي صمت تذَكري هناك ضجيج من الكلمات…في كل زاوية من الذاكرة أسمع أصواتهم (صراخهم. نداءهم. زجرهم.ضحكهم .قهقهتهم.نحيبهم. دعاءهم وتبتلهم…). رحلوا عنا يا حبيب إلى غير رجعة، رحلوا ولن يعودوا بل نحن من سنتبعهم في الزمان والمكان الذي حُدّد سَلفًا في ديار النور بيد القدرة أزلاً، اللهم إن كانت زيارة خاطفة لِطيفهم أو طيف من نور طيفِهم مناماً بالكَرى، أو دون المنام شهوداً في الفِكَر، وانغماسا في ماضي أيامهم وأيامنا، انغماس على شكل نسمات الحنين وحبات الرمال التي تستجمع نَسَقها ونَسقيّتها بانسجام وانتظام بعد ريح عاصف ويوم حر في صحراء قاحلة، الماء الزلال فيها أغلى من الذهب، ولكن رغم العطش وانسيابية الواحة وخرير مائها العذب الرقراق بالمدد، ترى أهواء القوم تتهافت على الذهب المفقود وتترك ماء الحياة الموجود الممدود…طمع قد لبس ثوب الغباء حتى كسى الطين قبحا وتشوها، والروح عذاب وعداء.

 

تُرى هل تعود تلك الدار لنا ونعود لها ويعود من كان حضورهم معطراً بالعود وأعطرا؟ هل يوم الرحيل والفراق، والفراق رحيلاً ستذكُرني وتتذكرني يا حبيب؟ من منا سيسبق الآخر لحاقا بهم إلى هناك؟ هناك حيث الحق والحقيقة، هناك حيث الروح طليقة، والشمس حليقة تداعب سكان الدار كأسد أليف رحلت عنه الغريزة؟

 

أتعلم يا حبيب؟ أنه في كل يوم يصبح يستيقظ في ذاتي طفلُ الماضي الذي كُنتُهُ قبل أن أستيقظ، فأسمعه يغني وينشد ويلعب وكأنني في صراع ما بين البيْن ( طفل الماضي ورجل الحاضر) كالرجلان المتشاكسان رجلا سلما لرجل، أو كذاك الأب الذي يجادل ابنه وينسى اختلاف الأزمان والأجيال بينهما، أو كضِحكة الشيخ الذي لا يرضى أن يتنازل عن براءة طفولته بضحكة هي مسافرة معه منذ سنين، ضحكة تدل على جدره وأصله قبل شيب الشيب وتجاعيد الجلد بفعل تصاريف القدر، يوم كان طفلا ينادي أمه: (أمي أربدك أن تحمليني بين دراعيك أو على ظهرك، وللأب كان يطلب بخجل : أبي أريد أن أذهب معك إلى السوق، وفي السوق كان يطلب منه أن يشتري له الحلوى). أليس الأب كان عند كُلٍّ منا زمن البراءة: ( إن أبي على كل شيء قدير)

 

نعم أشتاق إلى تلك الربوع من ذاكرتي وأشتاق إلى سكانها وعمارها….. وأجلس دوما أتجول فيها لمّا يؤلمني الحاضر، والحاضر ليس بمؤلمي أبداً، ولكنها الروح مُلتاعة مشتاقة متعبة في طريق الحب، ذاك الطريق الخارج منه مفقود والداخل إليه في كل نفس محروق مقتول مولود.( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا). أترى يا حبيب كم دَرباً من دروب أعمارنا اجتزنا واجتازنا، إنسلت الأيام منا بلا أدنى شعور بانسلالها، على حين غرة أصبحنا حلماً من أحلامِ ما كُنا، وتطلعاً من تطلعات أيامنا الأولى…

 

فلنعد إليه يا حبيب عودة الإبن الشقي إلى أمه، والغريب إلى دياره، كما عودة العبد الآبق الزمن إلى ربه. هو الله يا حبيب، الله الذي لا إله إلا هو، كان معنا لما كنا ماضياً، وفي الماضي كان قد قدر حاضرنا، كان قبلنا وسيبقى بعدنا، هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، كان ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان.

 

أعمارنا؛ أرواحنا؛ أرزاقنا؛ صدقاتنا؛ صداقاتنا؛ صلتنا؛ نياتنا؛ أنفاسنا؛ شهقاتنا؛ زفراتنا؛ سرائرنا؛ علانيتنا…الكل يعلمه سبحانه قبل أن نَعلمه…ألا يستحق الجميل السفر إليه قبل الرحيل، ألا نفر إليه قبل أن يفر منا المال والجمال والوليدان والصحة والخليل؟

هو ذا الطريق يا حبيب، فخذ بيدي ولآخذ بيديك، لا تبخل علي يا رجل…

أتذكر يوم أول لقاء بالنور الموصل إلى النور؟

..عبد العلي نقري..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.