منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحديث المقلوب

الحديث المقلوب/ د. عبد الإلاه بالقاري

0

الحديث المقلوب

د. عبد الإلاه بالقاري

تعريف الحديث المقلوب:

الحديث المقلوب: هو إبدال لفظ بآخر في سند الحديث أو متنه، فقد يُبدل الراوي شَيْئا بآخر في السند أو في الْمَتْن عمداً أو سهواً.

أنواع الحديث المقلوب:

يقع القلب تارة في الْمَتْن وتارة في السند وتارة فيهما معا، فهو بذلك ثلاثة أنواع:

الأول: القلب في الْمَتْن.

الثاني: القلب في الإسناد.

الثالث: القلب في الْمَتْن والإسناد.

النوع الأول: القلب في المتن، وله صورتان:

ـ الصورة الأولى: كالتي وقعت في حديث أُنيسة بنت خُبيب مرفوعا، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا، وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا»[1].

والمشهور من حديث ابن عمر وعائشة: “أن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم”[2].

ـ الصورة الثانية: كالتي وقعت عند مسلم في صحيحه في حديث السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله، فقد روى مسلم رحمه الله بسنده المتصل إلى أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ” سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه”[3].

قال الدكتور فاروق حمادة: “فهذا مما انقلب على أحد الرواة، وإنما هو: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه كما ثبت في الصحيحين وغيرهما”[4].

النوع الثاني: القلب في السند:

وهو أن يبدل الرَّاوِي عامداً سند متن بأن يجعله لمتن آخر، ويجعل للمتن الأول سنداً آخر، ودافع هَذَا الفعل أحد أمرين:

ـ إما بقصد الإغراب وفاعل ذَلِكَ داخل في صنف أهل الوضع.

ـ أو أن يَكُوْن بقصد الامتحان لمعرفة حفظ الشيخ وضبطه، ومثاله القصة المشهورة التي وقعت للإمام البخاري  رحمه الله  لما قدم بغداد، فأراد أهل الْحَدِيْث اختبار حفظه، فعمدوا إلى مئة حَدِيْث فقلبوا أسانيدها، وجعلوا أسانيد هَذِهِ لمتون تِلْكَ، ثُمَّ دفعوها إلى عشرة رجال لكل رجل عشرة أحاديث، فلما جاء البخاري وجلس للإملاء، وَكَانَ المجلس غاصاً بأصحاب الْحَدِيْث والفقهاء، قام لَهُ رجل من العشرة فسأله عن حَدِيْث من تِلْكَ الأحاديث، فَقَالَ البخاري: لا أعرفه، فسأله عن الآخر فَقَالَ: لا أعرفه، إلى تمام العشرة، ثُمَّ قام الثاني فالثالث حَتَّى نهاية العشرة، والبخاري لا يزيد عَلَى قوله: لا أعرفه، فكان من حضر المجلس من الفهماء يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: الرجل فهم. ومن كَانَ مِنْهُمْ غَيْر ذَلِكَ يقضي عَلَى البخاري بالعجز والتقصير وقلة الفهم. فلما علم أنهم فرغوا التفت إلى الأول مِنْهُمْ فَقَالَ: أما حديثك الأول فهو كَذَا، وحديثك الثاني كَذَا حَتَّى أتم العشرة، ثُمَّ أقبل عَلَى الثاني فالثالث، ورد المتون كلها إلى أسانيدها، وأسانيدها إلى متونها، فأقرّ لَهُ الناس بالحفظ وأذعنوا لَهُ بالفضل.

وَكَانَ أهل الحديث لا يتعجبون من رد البخاري الخطأ إلى الصواب لسعة معرفته واطلاعه، وإنما كَانَ يعجبون من حفظ الأحاديث المقلوبة عَلَى الموالاة من مرة واحدة..

وَقَدْ وقع نحو هَذَا الامتحان لعدد من الْمُحَدِّثِيْنَ مِنْهُمْ: أبان بن عياش اختبره شعبة، وأبو نعيم الفضل بن دكين امتحنه يحيى بن معين، وغيرهم.

النوع الثالث: أن يقع في الإسناد والمتن معاً:

ومثاله: ما رواه الْحَاكِم في “مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث”[5] من طريق المنذر بن عَبْد الله الحزامي، عن عَبْد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن عَبْد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رَسُوْل الله – صلى الله عليه وسلم – كَانَ إذا افتتح الصلاة قَالَ: “سبحانك اللهم تبارك اسمك وتعالى جدك”.

قال الدكتور ماهر الفحل معقبا على الحديث: “فهذا الْحَدِيْث مقلوب سنداً ومتناً، أما سنداً فإن عَبْد العزيز بن أبي سلمة يرويه عن عَبْد الله بن الفضل، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب. وأما القلب في الْمَتْن فإن لفظ حَدِيْث عَبْد العزيز: أن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا استفتح الصلاة يكبر ثُمَّ يقول: “وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين”. هكذا رَوَاهُ حجين، وأبو غسان مالك بن إِسْمَاعِيْل عن عَبْد العزيز بن أَبِي سلمة”[6].


[1]  ـ ابن خزيمة، الصحيح، كتاب الصلاة، باب ذكر خبر روي عن النبي صلى الله عليه وسلم رأى بعض أهل الجهل أنه يضاد هذا الخبر الذي ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بلالا يؤذن بليل»، رقم: 404

[2]  ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب الأذان، باب الأذان قبل الفجر، رقم: 622

[3]  ـ مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الزكاة، باب إخفاق الصدقة، رقم: 1031

[4]  ـ فاروق حمادة، المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل، دار نشر المعرفة، الرباط، الطبعة الثانية، السنة 1989م، ص: 260

[5]  ـ الحاكم، معرفة علوم الحديث، تحقيق السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الثانية، السنة 1977م، ص: 118

[6]  ـ ماهر ياسين الفحل، بحوث في المصطلح، ص: 120 ـ 121

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.