منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحديث الشاذ

الحديث الشاذ/ د. عبد الالاه بالقاري

0

الحديث الشاذ

د. عبد الالاه بالقاري

تعريف الحديث الشاذ:

الشاذ في اللغة من معانيه المنفرد، وفي اصطلاح المحدثين له تعريفات متعددة، أشهرها:

ـ تعريف الإمام الشافعي: قال رحمه الله: “ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثا يخالف ما روى الناس”[1].

المزيد من المشاركات
1 من 23

ـ تعريف الحافظ أبو يعلى الخليلي القزويني، قال رحمه الله: “الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك كان ثقة أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به”[2].

ـ تعريف الإمام الحاكم أبو عبد الله، قال رحمه الله: “الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة من الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة”، ونصّ رحمه الله أن الشاذ يغاير المعلل من حيث إن المعلل وُقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك[3].

وافق ابن الصلاح ما سار عليه الشافعي في تعريف الحديث الشاذ بينما استشكل التعريفين الأخيرين، حيث قال رحمه الله: “أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول، وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الحافظ الضابط”[4].

واستشهد في سبيل بيان عدم قبول ما ذهب إليه الحافظ أبو يعلى والحاكم في تعريف الحديث الشاذ على حديثين اثنين:

أولهما: ((إنما الأعمال بالنيات))[5]، فإنه حديث فرد، تفرد به عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تفرد به عن عمر: علقمة بن وقاص، ثم عن علقمة: محمد بن إبراهيم، ثم عنه: يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث[6].

ثانيهما: حديث عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وعن هبته))[7]، تفرد به عبد الله بن دينار… وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة. وقد قال مسلم بن الحجاج: للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشاركه فيها أحد، بأسانيد جياد، والله أعلم.

فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم[8].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

أنواع الحديث الشاذ:

إن الذي يظهر من كلام ابن الصلاح أن الحديث عن الشاذ يلزم فيه التفصيل لا الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم رحمهما الله، وهذا ما سلكه ابن الصلاح إذ رأى أن الراوي إذا انفرد بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه؛ قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به؛ كان انفراده خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح.

ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه: فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:

أحدهما: الحديث الفرد المخالف.

والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف[9].

وعليه، يكون الشاذ أربعة أنواع: شاذ صحيح، وحسن، ومنكر، ومردود.

فالشاذ الصحيح: هو الذي لم يخالف الراوي المنفرد العدل الضابط فيه ثقة أعلى منه، بل روى ما لم يروه غيره.

والشاذ الحسن: هو الذي لم يخالف المنفرد العدل الخفيف الضبط فيه عدلا ضابطا أعلى منه، بل روى ما لم يروه غيره.

والشاذ المنكر: هو الذي لم يكن المنفرد العدل فيخ مخالفا لمن هو أوثق منه، لكنه بعيد من درجة الضابط.

والشاذ المردود: هو ما خالف فيه الراوي الشاذ من هو أوثق منه.

من أمثلة الحديث الشاذ:

يكون الشذوذ في السند: كرواية الترمذي والنسائي وابن ماجه من طريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس، «أن رجلا مات على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا عبدا هو أعتقه فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ميراثه»[10].

وتابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، ولكن حماد بن زيد رواه عن عمرو مرسلا بدون ابن عباس[11].

ويكون الشاذ في المتن: كرواية الترمذي من حديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا “إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه”[12]، قال البيهقي: خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا من أمره، وانفرد عبد الواحد من بين الثقات عن الأعمش بهذا اللفظ[13].


[1]  ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995م، ص: 61

[2] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 62

[3] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 62

[4] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 62

[5]  ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 1

[6] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 62

[7]  ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب العتق، باب بيع الولاء وهبته، رقم: 2535

[8] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 62 ـ 63

[9] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 63

[10]  ـ الترمذي، السنن، كتاب أبواب الفرائض، باب ميراث المولى الأسفل، رقم: 2106

[11] ـ ينظر كمال الدين الطائي، رسالة في علوم الحديث وأصوله، مطبعة سلمان الأعظمي، بغداد، طبعة 1971م، ص: 89

[12]  ـ الترمذي، السنن، كتاب أبواب الصلاة، باب ما جاء في الاضطجاء بعد ركعتي الفجر، رقم: 420

[13]  ـ الزركشي، النكت على مقدمة ابن الصلاح، تحقيق زين العابدين بلافريج، الناشر أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى، 1998م، 2/163

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.