منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحديث المرسل ومذاهب العلماء في الاحتجاج به

د. عبد الالاه بالقاري/ الحديث المرسل ومذاهب العلماء في الاحتجاج به

0

الحديث المرسل ومذاهب العلماء في الاحتجاج به

د. عبد الالاه بالقاري

 

ـ أولا: تعريف الحديث المرسل:

المشهور أن الحديث المرسل هو “ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، سواء كان التابعي صغيرا أو كبيرا”[1].

مثاله: ما رواه الشافعي: “أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، قال: أخبرني حميد، عن الأعرج، عن مجاهد: أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر من التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك[2].

المزيد من المشاركات
1 من 21

فمجاهد رحمه الله تابعي لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر الواسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث مرسل. وعلى هذا اقتصر المتأخرون، فلا يطلقون المرسل إلا بهذا المعنى.

وقيد بعض العلماء كالحاكم وابن الصلاح والنووي وغيرهم رحمهم الله المرسل بـما رفعه كبار التابعين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أما مراسيل صغار التابعين فاعتبروها من قبيل المنقطع؛ لأن أكثر روايتهم عن التابعين، قال الإمام النووي: “اتفق علماء الطوائف على أن قول التابعي الكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعله، يسمى مرسلا، فإن انقطع واحد أو أكثر، قال الحاكم وغيره من المحدثين: لا يسمى مرسلا بل يختص المرسل بالتابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم”[3].

ـ ثانيا: حكم الاحتجاج بالحديث المرسل.

ذهب جمهور المحدثين إلى اعتبار الحديث المرسل من أنواع الضعيف، وقد اختلفت مذاهبهم في الاحتجاج به، ومرجعها إلى ثلاثة مذاهب:

ـ المذهب الأول: وهو مذهب جمهور المحدثين وكثير من الفقهاء والأصوليين، وهو أن المرسل ضعيف لا يحتج به.

ودليلهم على ذلك أن المحذوف مجهول الحال، لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك، فإن الرواة حدثوا عن الثقات وغير الثقات، فإذا روى أحدهم حديثا وأرسله لعله أخذه عن غير ثقة، وإن اتفق أن يكون المرسِل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف[4].

ـ المذهب الثاني: وهو مذهب طائفة من أهل الحديث على رأسهم الإمام الشافعي رحمه الله، وحاصله قبول المرسل من كبار التابعين بشرط الاعتبار في الحديث المرسَل والراوي المرسِل.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 4

أما الاعتبار في الحديث فهو أن يعتضد بواحد من أربعة أمور:

ـ أن يروى مسندا من وجه آخر.

ـ أو يروى مرسلا بمعناه عن راو آخر لم يأخذ عن شيوخ الأول، فيدل ذلك على تعدد مخرج الحديث.

ـ أو يوافقه قول بعض الصحابة.

ـ أو يكون قد قال به أكثر أهل العلم.

وأما الاعتبار في راوي المرسَل، فأن يكون الراوي إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا ولا مرغوبا عنه في الرواية، فإذا وجدت هذه الأمور كانت دلائل على صحة مخرج حديثه، كما قال الشافعي، فيحتج به[5].

ـ المذهب الثالث: وهو قول كثير من أهل العلم من الفقهاء خاصة أن المرسل حجة مطلقا، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في رواية رحمهم الله جميعا، و”قيّد ابن عبد البر، وغيره ذلك بما إذا لم يكن مرسله ممن لا يحترز ويرسل عن غير الثقات، فإن كان فلا خلاف في رده. وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية، ما إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة الفاضلة، فإن كان من غيرها فلا، لحديث: “ثم يفشوا الكذب””[6].


[1]  ـ نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثانية، 1979م، ص: 370

[2]  ـ مسند الإمام الشافعي، كتاب الحج، باب التلبية ولفظها، رقم: 821

[3]  ـ السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق طارق بن عوض، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، السنة 2003م، 1/294 ـ 295

[4]  ـ ينظر نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، ص:371.

[5]  ـ نفس المرجع، ص: 371 ـ 372

[6]  ـ السيوطي، تدريب الراوي، 1/300

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.