منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الكرامات بين الاثبات والتلبيس

الكرامات بين الاثبات والتلبيس/الدكتور عبد اللطيف بن رحو

0

الكرامات بين الاثبات والتلبيس

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

مقدمة

الحمد لله خلق الإنسان و علمه البيان، وعلمه ما لم يكن يعلم، وهداه للتي هي أقوم، وأنعم عليه بنعمة الإسلام،   والصلاة و السلام على من بعثه الله رحمة للعالمين وجعله سراجا وشاهداً على جميع الأمم، وعلى آله وصحبه، ومن اقتفى بهديه وأثره، وانقاد لسنته.

أما بعد…

فالتصوف بدأ في أول أمره كحركة ثم صار علما، وبذلك أصبح التصوف نزعة أصيلة في النفس البشري، فلا بد أن يكون جزءا من أية دعوة راشدة خالدة، حتى أن الأمة ورثت إرثا ضخما من كتب التصوف ولا تزال الدائرة تتوسع في مجاله، ونريدها حقيقة صوفية محررة من الدخن. ومن سمات هي تلك الومضات التي تتصف بالتربية الصوفية السنية. واتصف أهل التصوف بصفة الكرامة الواقعة عليهم ولم يطلبها، وبذلك ميز المسلمون بين الآية والمعجزة والكرامة وقالوا فيها: إن الآيات الله تعالى، والمعجزات للأنبياء عليهم السلام، والكرامات للأولياء وللأخبار من المؤمنين.

المطلب الأول: الكرامة في اللغة والاصطلاح

  • الفرع الأول: الكرامة في اللغة

الكرامة العزازة واستكرم الشيء طلبه كريم أو وجده كريما ويقال کرمه وأكرمه تكريما وإكراما وكرامة، فتكون اسم مصدر.[1]

  • الفرع الثاني: الكرامة اصطلاحا

الكرامة هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة، ويرى ابن تيمية أن أولياء الله تعالى، الذين اقتدوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وساروا على منهجه، لا بد أن يؤيدهم الله بروح منه ويقذف في قلوبهم من أنواره، ويكرمهم ببعض الأمور الخارقة للعادة. هذه الكرامات يظهرها الله عز وجل على أيدي أوليائه إما لحاجة المسلمين وإما لحجة في الدين، فابن تيمية يتفق مع الصوفية الذين يرون في الكرامات إكراما من المولى سبحانه لبعض أوليائه الذين يحاربون المخالفين ويقوون إيمان المترددين.والناس برأي ابن تيمية فيما يتعلق بالكرامات وخوارق العادات على ثلاثة أقسام:

  • قسم أول يحصر هذه الخوارق بالأنبياء فقط،
  • قسم ثاني يعتبر أن كل خرق للعادة إنما يعني أن صاحب ذلك ولي من الأولياء،
  • وقسم ثالث وهم الذين يربطون بين الكرامات واتباع الكتاب والسنة وهؤلاء هم المصيبون.[2]

ونقل اليافعي عن نصير الدين الطوسي قال: “هي الفعل الخارق الذي يظهر على أحد من غير تحد يسمى كرامة.”[3]

وهذا التعريف قائم غیر مانع لأن من شأن الساحر أن يظهر على يديه خوارق للعادات، من غير أن يتحدى لعلمه أن هناك غيره من السحرة والمشعوذين والمستدرجين.[4]

وعرف الجرجاني الكرامة فقال: “هي ظهور أمر خارق للعادة من قبل شخص غير مقارن لدعوى النبوة، فما لا يكون مقرونا بالإيمان والعمل الصالح يكون استدراجا، وما يكون مقرونا بدعوى النبوة يكون معجزة.”[5]

المطلب الثاني: الفرق بين الكرامة والمعجزة

عرفنا معنى الكرامة لغة واصطلاحا، وحتى نعرف الفرق بينهما وبين المعجزة والأحوال الشيطانية، نرى أنه لا بد من إلقاء ضوء كاشف على معنى المعجزة وشرائطها.

ونقول المعجزة هي كل أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين له، على وجه يبين صدق دعواه. والمعجزة أمر خارق للعادة، يوضح أن المعجزة إنما تخالف العادة والمألوف ولا تخالف العقل والإمكان.

وقولنا: يظهر على يدي مدعي النبوة، إخراج للخوارق التي قد تكون لبعض المقربين والصالحين مما يسمى بالكرامة.[6]

وقولنا عند تحدي المنكرين احتراز عما قد يقع من ذلك مصادفة، لا على وجه التحدي وإظهار صدق النبوة فهي عندئذ من نوع الإكرام الإلهي. لذلك يجب على المسلم أن يعتقد بأن الله عز وجل قد جهز أنبياءه ورسله الذين أرسلهم إلى الناس بمعجزات تبين صدق دعوتهم وتوضح للناس ارتباطهم بالله جل جلاله وأنهم مؤيدون به. وما من نبي إلا وقد أكرمه الله عز وجل بمعجزة نبهت الناس إلى ضرورة الإيمان به والتمسك بهديه. وإذا علمت أن المعجزة إنما هي من خوارق العادة، أدركت أن العقل لا يحيل إمكان وقوعها، ذلك أن استمرار الظواهر الطبيعية على نسقها المألوف الذي نراه ليس شيئا ضروريا يفرضه العقل فرضا، وإنما هو مما نسجته العادة وتكون بفعل الأسباب الجعلية وما يلحق هذه الخوارق من التعجب منها أو الاستنكار لها إنما هو بسبب غرابتها عن المشاهدة والمألوف.[7]

ومادة عجز تدور حول الضعف وعدم الحزم، وسميت معجزة لأن البشر يعجزون عن الإتيان بها، فصار كأنه أعجزهم. ويبين القرطبي ذلك فقال: “والفرق بين المعجزة والكرامة، أن الكرامة من شرطها الاستتار، والمعجزة من شرطها الإظهار، وقيل الكرامة ما تظهر من غير دعوة والمعجزة تظهر عند دعوی الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك.”[8]

وأما الفرق بين الكرامة والأحوال الشيطانية كالسحر والشعوذة ونحوهما، فمتى وجدنا شخص مخالف للشرع متلبسا بالبدع علمنا أن ما يجري على يديه من هذه الأمور ليست بكرامة، بل هي إما استدراجا من أعمال الشياطين، التي يكون سببها ارتكاب ما نهى الله عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله، فكلما كان الإنسان أبعد عن الكتاب والسنة، كان أكثر تلبيسا بالشرك والبدع والفواحش، وكانت الخوارق الشيطانية له أقوى وأكثر، حيث إن الشياطين الذين يقترنون بهم يقدمون لهم بكل ما يشتهون بسبب ما يربطهم بهم من الكفر والفسوق والعصيان.[9]

وعند الكلاباذي تمييز من نوع أخر بين المعجزات وكرامات الأولياء، فقال: “فالذي للأنبياء معجزات وللأولياء کرامات وللأعداء مخادعات. وقال بعضهم: إن كرامات الأولياء تجري عليهم من حيث لا يعلمون، والأنبياء تكون لهم المعجزات وهم بها عالمون وبإثباتها ناطقون، لأن الأولياء يخشى عليهم الفتنة مع عدم العصمة، والأنبياء لا يخشى عليهم الفتنة بها لأنهم معصومون.”[10]

والأنبياء كلما زيدت معجزاتهم وكثرت يكون أتم لمعانيهم وأثبت لقلوبهم كما كان نبينا ﷺ قد أعطي جميع ما أعطي للأنبياء من المعجزات ثم زيادة أشياء لم يعط أحد غيره مثل المعراج … وأن الأنبياء كلما زيدت لهم المعجزات يكون أتم لمعانيهم وفضلهم، وهؤلاء الذين لهم الكرامات من الأولياء كلما زيدت في كراماتهم يكون وجلهم أكثر وخوفهم أكثر حذرا أن يكون ذلك من المكر الخفي لهم والاستدراج، وأن يكون ذلك نصيبهم من الله عز وجل وسببا لسقوط منزلتهم عند الله عز وجل.[11]

يذكر القشيري عن أبي بكر بن فورك رحمه الله الذي قال: “المعجزات دلالات الصدق ثم إن أدعى صاحبها النبوة فالمعجزات تدل على صدقه في مقاله وإن أشار صاحبها إلى الولاية دلت المعجزة على صدقه في فتسمى كرامة ولا تسمى معجزة وإن كانت من جنس المعجزات القرق، وكان يقول: الفرق بين المعجزة والكرامة أن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بإظهارها، والولي يجب عليه سترها وإخفاؤها والنبي يدعي ذلك ويقطع القول به، والولي لا يدعيها ولا يقطع بكرامته لجواز أن يكون ذلك مكرا.”[12]

 المطلب الثالث: جواز الكرامات للأولياء

ومن وهب هذه الموهوبات الجليلة وتفضل عليه بهذه الصفات الجميلة فغير بعيد، ولا مستنكر أن تظهر على يده من الكرامات التي لا تنافي الشريعة والتصرفات في مخلوقات الله عز وجل الوسيعة، لأنه إذا دعاه أجابه وإذا سأله أعطاه، ولم يصب من جعل ما يظهر من كثير من الأولياء من قطع المسافات البعيدة، والمكاشفات المصيبة والأفعال التي تعجز عنها غالب القوى البشرية، من الأفعال الشيطانية والتصرفات الابليسية. فإن هذا غلط واضح، لأن من كان مجاب الدعوة لا يمتنع عليه أن يسأل الله سبحانه أن يوصله إلى أبعد الأمكنة التي لا تقطع طريقها إلا في شهور في لحظة يسيرة، وهو القادر القوي الذي ما شاءه كان، وما لم يكن، وأي بعد في أن يجيب الله عنهم من الكرامات التي يصعب حصرها، في كتب الحديث والسير من ذلك الكثير الطيب، وكذلك من الأمم السابقة التي ظهر فيها أولياء صالحين حسب ما نقل إلينا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لنا أن ننكر إلا ما أنكرته الشريعة المطهرة السمحاء، فمن جاء بما يخالفها رفضناه ومنعناه.[13]

فظهور الكرامات على الأولياء جائز و الدليل على جوازه أنه أمر موهوم حدوثه في العقل لا يؤدي حصوله إلى رفع أصل من الأصول فواجب وصفه سبحانه بالقدرة على إيجاده و إذا وجب كونه مقدورا الله فلا شيء يمنع جوازه وحصوله، وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله فمن لم يكن صادقا فظهور مثلها عليه لا يجوز لا والذي يدل عليه أن تعريف القديم سبحانه إيانا حتى نفرق بين من كان صادقا في أحواله وبين من هو مبطل من طريق الاستدلال أمر موهوم ولا يكون ذلك إلا باختصاص الولي بما لا يوجد مع المفتري في دعواه وذلك الأمر هو الكرامة، ولا بد أن تكون هذه الكرامة فعلا ناقضا للعادة في أيام التكليف ظاهرا على موصوف بالولاية في معنى تصديقه في حاله وتكلم الناس في ذلك طويلا.[14]

يقول ابن تيمية: “وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور إن استعان بها على ما يحبه الله ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته ويأمره الله به ورسوله، ازداد بذلك رفعة وقربا إلى الله ورسوله، وعلت درجته. وإن استعان به على ما نهى الله عنه ورسوله كالشرك والظلم والفواحش، استحق بذلك الذم والعقاب. ولهذا كثيرا ما يعاقب أصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه ويسلب العالم علمه، وثارة بسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة، وتارة ينزل إلى درجة الفساق، وتارة يرتد عن الإسلام.”[15]

واعلم أن كرامات الأولياء جائزة عقلا ومعلومة قطعا. وممن قال بها الإمام القاضي أبو بكر بن الطيب فقال: “إن المعجزات تختص بالأنبياء والكرامات تكون لأنبياء. وقال إمام الحرمين: المرضي عندنا تجویز خوارق العادات في معارض الكرامات. وذكر أبو حامد، رحمه الله كرامات الأولياء فقال: ذلك مما لا يستحيل في نفسه لأنه ممكن لا يؤدي إلى محال. وقال الإمام أبو عبد الله الشهرستاني: أما الكرامات عند الأولياء فجائزة عقلا وواردة سمعا ومن أعظم كرامات الله تيسير أسباب الخير وإجراؤه على أيديهم وتعسير أسباب الشر عليهم، وحيثما كان التيسير أكثر كانت الكرامات أوفر. وما ينقل عن صالحي هذه الأمة أكثر من أن يحصي وهي بأحادها إن لم تفدنا علما بوقوعها فهي بمجموعها أفادتنا علما قطيعا ويقينا صادقا بأن خوارق العادات تظهر على أيدي أصحاب الكرامات. واعلم أن كل كرامة تظهر على يد ولي فهي يعينها معجزة للنبي إذا كان الولي في معاملاته تابعا لذلك النبي صلى الله عليه وسلم فكل ما يظهر في حقه فهو دليل على صدق صاحب شريعته. فلا تكون الكرامات قادحة في المعجزات، بل هي مؤيدة لها، دالة عليها، راجعة عنها، عائدة إليها ثم قال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ اُ۬للَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْۖ وَاللَّهُ ذُو اُ۬لْفَضْلِ اِ۬لْعَظِيمِۖ}[ سورة الأنفال الآية:29]، وليت شعري أي كرامة تزيد على نيل الفرقان بين الحق والباطل وسبيل النجاة والهلاك.[16]

المطلب الرابع: الكرامة عند أهل السنة والجماعة

إن السلف الصالح من الصحابة والتابعين والذين انفقوا في كل زمان ومكان، هداهم الله إلى معرفة الحق واتباعه في جميع المسائل الدينية، فكان نهجهم هو المنهج القويم، وطريقتهم هي الوسيلة بين إفراط المفرطين وتفريط المفرطين، وذلك لأنهم أكثر الناس حرصا على معرفة الحق، و أكثرهم اجتهادا في طلبه والبحث عنه، وأشدهم تمسكا به عند تحصيله، فقربهم الله تعالى لأنهم يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب وخلق المسببات قادر على خرق هذه السنن المألوفة لعبد من عباده، لهذا كان من أصولهم التصديق بكرامات وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم وهي كثيرة، كما وقعت لعدد من الصحابة رضي الله عنهم في روايات صحيحة لا سبيل إلى إنكارها، وقد أشار ابن تيمية إلى أن معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم تبلغ نحو آلاف معجزة وأعظمها معجزة القرآن بلا نزاع. غير أن أهل السنة والجماعة عملوا بالاستقراء وإرجاع كل فرع إلى أصله أنه ليس كل خارق للعادة كرامة، وليس كل ما جاء بأمر خارق ولي الله تعالى، فإثبات الكرامات يجب تقييده بقيود مميزة، وضبطه بضوابط معينة توضح حقيقة هذا الأمر وتمنع من التباسه، وهذه الضوابط إذا تأملناها نجد أنها عامة وخاصة أجملها جميعا فيما يلي:

– الضابط الأول: أنه ليس من منهج الإسلام ولا من تعاليمه الاعتماد الكلي على الخوارق والكرامات.

– الضابط الثاني: أن الخوارق ليست من صنع الرسول صلى الله عليه وسلم ولا من صنع غيره من أولياء الله، ولا هي من شأنهم، إنما هي أمر من الله تعالى وفق تدبيره وتقديره وحكمته.

– الضابط الثالث : الاستقامة على طريق الهدی، طريق أهل السنة والجماعة.

– الضابط الرابع : أن صاحب الكرامة لا بد أن يكون بعيدا عن الكذب، والتكلف، وحب الشهوة، لأن كل ذلك يقدح في النية والمقصد.

– الضابط الخامس: أن الكرامة تكون في النصرة للدين وإعلاء كلمة الله، فلو حصلت على يد إنسان خوارق تشبه الكرامات ولم تكن الغاية من حصولها أمرا يحبه الله ويرضها لم تكن كرامة، بل تتقلب عقوبة ونقمة عليه.

– الضابط السادس: أن الكرامة نفسها لا تكون معصية الله تعالى ولا مخالفة للشرع.[17]

ومن هذه الكرامات ما جاء في القرآن الكريم عن قصة الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب مع سليمان عليه السلام، في قوله تعالى: { قَالَ اَ۬لذِے عِندَهُۥ عِلْم مِّنَ اَ۬لْكِتَٰبِ أَنَآ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَنْ يَّرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَۖ فَلَمَّا ر۪ء۪اهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّے لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّے غَنِيّ كَرِيمۖ} [سورة النمل الآية:41]، و الرجل الذي كان له هذا العمل الخارق ليس نبيا بل مؤمنا عنده علم الكتاب، وبالتالي فإن ما كان على يده هو كرامة من الله وليس معجزة.

ومن الكرامات التي وردت في القران الكريم كرامة مريم المقدسة، التي لم تكن نَبِيَّة ولها معجزة، وإنما هي واحدة من السيدات أو من سيدات نساء العالمين اصطفاها ربها فأعطاها من الكرامات ومنها قوله تعالى: { فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَن وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناۖ وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّآءُۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّآءُ اُ۬لْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنّ۪يٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اِ۬للَّهِۖ إِنَّ اَ۬للَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَّشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۖ }[ سورة آل عمران الآية:37]، وهنا حضور الطعام والرزق إلى مريم ما هو إلا كرامة من الله تعالى. ويمكننا أن ندرك الفتية المؤمنين الذين زادهم الله تعالى هدى، وأمرهم أن يأووا إلى الكهف، وهم ليسوا أنبياء، وكل فارق حصل لهم يدخل في باب الكرامات وسأذكر واحدة من كراماتهم أخبرنا عنها الله تعالى بقوله: {۞وَتَرَي اَ۬لشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَّٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اَ۬لْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ اَ۬لشِّمَالِ وَهُمْ فِے فَجْوَة مِّنْهُۖ ذَٰلِكَ مِنَ اٰيَٰتِ اِ۬للَّهِۖ مَنْ يَّهْدِ اِ۬للَّهُ فَهُوَ اَ۬لْمُهْتَدِۦۖ وَمَنْ يُّضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّا مُّرْشِداۖ}[سورة الكهف الآية:37]، إن من كراماتهم وهم في الكهف وفيه فجوة يمكن لنور الشمس أن يدخلها فيكون منه الأذى، فإذا بالشمس تميل عن فجوة الكهف عند الشروق وتتجاوزهم وتميل عنهم من جهة شمال الداخل من الكهف عند الغروب، وكل ذلك تكريم من الله لمن اصطفاهم.[18]

هذا من كرامات الأمم السابقة، ومن المسلم به أن للأخيار المقربين من أتباع محمد ﷺ کرامات بقدر ما جاء لمن سبقهم من صالحي الأمم إذا لم يكن أكثر.

وهذه الكرامات قد تكون إجابة دعوة وقد تكون إظهار طعام في أوان فاقة من غير سبب ظاهر، أو حصول ماء في زمن عطش، أو تسهيل قطع مسافة في مدة قريبة أو تخليص من عدو، أو سماع خطاب من هاتف أو غير ذلك من فنون الأفعال الناقضة للعادة.[19]

والثابت في سير السلف الصالح أنه قد أمدهم الله بكرامات تواتر نقلها. من هذه الكرامات قصة أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما ذهب بثلاثة أضياف إلى فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله ﷺ، وجاء إليه أقوام كثيرة فأكلوا منها وشبعوا. ومن الكرامات أيضا قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع جيش سارية بن زنيم عندما كان على أبواب نهاوند فناداه من على المنبر في المدينة: يا سارية الجبل. فأخذ سارية وعسكره الجبل بظهورهم وكان لهم النصر بسبب ذلك. ومما يؤثر من الكرامات أن أسيد بن حضير وعتاب بن بشير خرجا من عند رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما رأس عصا أحدهما كالسراج.[20]

ومنها أسيد بن حضير الأنصاري (رضي الله عنه) كان يقرأ سورة الكهف فنزلت عليه السكينة من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة، وأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال:” لو استمر على تلاوته لاستمرت تلك السكينة واقفة عليه باقية عنده”. وكانت الملائكة تسلم على عمران الحصين، وكان سلمان الفارسي وأبو الدرداء يأكلان في صفحة فسبحت أو سبح ما فيها.[21]

وقال أبو يعلى الفتوح بن أبي بكر المتيوي: “قعدت يوما على حجر في وسط البحر أتفكر في المشي على الماء فنازعتني نفسي إلى ذلك فغرقت وخرجت وقعدت مغتما، فرأيت شبه سحابة قد أقبلت من ميناء سبتة، فما كان إلا قليلا حتى وصل إلى رجل، فمشي على الماء حين قاربني حتى وصل إلي فقال: يا أبا يعلى، هكذا يكون المشي على الماء فقضيت العجب من ذلك.”

وذكر أبو عبد الله الدقاق وهو سجلماسي قال: “دخلت في بلد لا يجاز إليه إلا على قنطرة ضيقة لا يمر عليها إلا شخص واحد، فإن التقى عليها شخصان رجع أحدهما لئلا يسقط الآخر فكنت عليه ذات يوم، فرأيت امرأة ضعيفة قد استقبلتني، فكرهت أن أتعبها بالرجوع فوثبت لأسقط عن القنطرة في الوادي فأمسكت في الهواء، فلما اجتازت المرأة عدت إلى القنطرة.”[22]

قالت مينة بنت ميمون الدكالي: “زرت ولدي حسونا بحارة بني يعبيدن بمراكش في فصل المطر والطين، فخرجت من عنده إلى مسكني ببحيرة أبي مروان بمراكش وأنا أسمع أذان المغرب، فخرجت وأنا لم أشعر إلا وأنا عند باب مسكني، وآذان المغرب لم ينقطع.”[23]

فهذه المرأة الصالح انطوت لها الأرض، وتقوم هذه الكرامة على تغيير المسافات من جهة السرعة والزمن، حيث يتمكن بعض الصلحاء من قطع مسافات طويلة في زمن محدود مع الاحتفاظ بالسرعة المعتادة للراجل أو الفارس.

فالكرامات عند أهل السنة والجماعة أفضل وأجل، وهي تلك الكرامة المعنوية، فالمعرفة بالله والخشية له، ودوام المراقبة له، والمسارعة للامتثال أمره ونهيه، والرسوخ إلى اليقين والقوة والتمكين، ودوام المتابعة والاستمتاع من الله، والفهم عنه، ودوام الثقة به، وصدق التوكل عليه إلى غير ذلك.[24]

لكن الكرامة عند الصوفية الباطلة تجدها بعيدة كل البعد عما شرعه الدين الحنيف، فأول انحراف صوفي باطل يلقاه الباحث عندما يقرأ أي كتاب من كتب التراث الصوفي الطرقي، هو اعتمادهم الكلي على الخوارق، واهتمامهم في مناهجهم على المبالغة في نشر خوارق الشيوخ، وتركيزهم على اختراق قصص خيالية، وأساطير بالية ليرفعوا بها ما للشيوخ والأولياء من مكانة ومنزلة في نفوس الأتباع ويحملوهم على الإذعان لهم وتقديسهم لدرجة العبادة. ومبادرتهم إلى تفسير كل ظاهرة غريبة بأنها كرامة. أما أنصار الفكر الصوفي الباطل الذين لا يتصورون ولاية بدون خوارق فقد ركبوا كل صعب وذلول، وطرقوا كل باب مسدود، وذهبوا كل مذهب في سبيل نسج القصص، واختلاف الروايات الخالية وجمع الأساطير المخجلة.[25]

وبهذا يصبح من واجب المؤمن الصالح وإن بلغ في الولاية إلى أعلى مقام وأرفع مكان، أن يكون مقتديا بالكتاب والسنة، وازنا لأفعاله وأقواله بميزان هذه الشريعة المطهرة، واقفا على الحد الذي رسم فيها، غير زائغ عنها في شيء من أموره. ويجب على من أعطي كرامة من الله تعالى أن يتصرف بها وفق ضوابط وأحكام الإسلام، حتى تكون له دليل رفعة مقام، وإلا إن اغتر أو شطح كانت فتنة له، وخسر مرضاة الله.[26]

خاتمة

إن الكرامات مختصة بأهل الصلاح والفلاح بل هم خاصة الله وأحباءه تظهر عليهم لشدة عملهم وقربهم من الله عز وجل، فخصهم وحباهم بكرامات تظهر عليهم دون طلبها.

وقد ظهرت الكثير منها في الأزمنة الغابرة، وفي عهد الصحابة ومن جاء بعدهم، كما ظهرت في عصرنا عند أهل التقوى وكما يحكى عنهم بلا شك ومنهم الشيخ الشعراوي الذي حباه الله بكرامات.

ومما لا شك ولا ريب أن الكرامات جائزة شرعا ولا أحد نفاها من أهل العلم بل هناك من أكدها وأجازها لمن استحقها.


قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم برواية الإمام ورش

[ب]

-ابن تيمية والصوفية لدرنيقة والمصري، ط مكتبة الإيمان المكتب الإسلامي 1992 مصر.

[ت]

– التشوق إلى رجال التصوف لأبي يعقوب التالي المعروف بابن الزيات، تحقيق أحمد التوفيق ط2، منشورات كلية الآداب بالرباط 1997 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء.

-التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي تصيح آرثر جون أوبري، مكتبة الخانجي 1933 مصر.

-تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، دار ابن عفان للنشر والتوزيع ودار ابن القيم للنشر والتوزيع الطبعة:1 سنة:2002.

-التصوف منشؤه ومصطلحاته لأسعد السحمراني ط: 1 دار النفائس سنة: 1987 بيروت.

-التصوف والمجتمع لعبد اللطيف الشاذلي، ط:1 مطابع سلا 1989 سلا.

[ر]

-الرسالة القشيرية للقشيري مؤسسة الكتب الثقافية الط:1 سنة: 2000م بيروت.

[ج]

-الجامع لأحكام القرآن للقرطبي تحقيق سالم مصطفى البدري دار الكتب العلمية بيروت سنة:2013.

[ف]

-الفرق بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان لابن تيمية، تحقيق محمود عبد الوهاب فايد، دار العلم للجميع القاهرة.

[ق]

-القاموس المحيط للفيروز أبادي، ط: 2 مؤسسة الرسالة 1987 بيروت.

[ك]

-كبرى اليقينيات الكونية للبوطي ط: 8 دار الفكر 1998 بيروت.

[ل]

– لطائف المنن لابن عطاء الله الإسكندري، تحقيق خالد عبد الرحمان العك، ط دار البشائر سنة:1992 دمشق.

-اللمع في التصوف للطوسي نسخ وتصحیح رنولد ألن نيكلسون مطبعة بريل 1914 ليدن هولندا.

[ن]

-نشر المحاسن الغالبة في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات الغالية لأبي محمد عبد الله اليافعي مطابع القاهرة (بدون رقم طبعة) سنة :1960.


[1]   القاموس المحيط للقيروز أبادي، ط: 2 مؤسسة الرسالة 1987 بيروت ص:1410.

[2]  ابن تيمية والصوفية لدرنيقة والمصري، ط مكتبة الإيمان المكتب الإسلامي 1992 مصر ص: 141 -142.

[3]  نشر المحاسن الغالبة في فضل المشايخ الصوفية أصحاب المقامات الغالية لأبي محمد عبد الله اليافعي مطابع القاهرة (بدون رقم طبعة) سنة :1960 ص:13.

[4]  تقديس الأشخاص في الفكر الصوفي لمحمد أحمد لوج، دار ابن عفان للنشر والتوزيع ودار ابن القيم للنشر والتوزيع الطبعة:1 سنة:2002 ج/2 ص:278.

[5]  المرجع نفسه ج /2 ص:278.

[6]  كبرى اليقينيات الكونية للبوطي ط: 8 دار الفكر 1998 بیروت.ص: 214-215.

[7]  المرجع نفسه ص: 214-215.

[8]  الجامع لأحكام القرآن للقرطبي تحقيق سالم مصطفى البدري دار الكتب العلمية بيروت سنة:2013 ج/6 ص:21.

[9] الفكر الصوفي لمحمد لوح، ج/ 2 ص: 280-281-282.

[10]  التعرف لمذهب أهل التصوف، للكلاباذي تصيح آرثر جون أوبري، مكتبة الخانجي 1933 مصر ص: 46.

[11]  اللمع في التصوف للطوسي نسخ وتصحیح رنولد ألن نيكلسون مطبعة بريل 1914 ليدن هولندا ص: 318-319.

[12]  الرسالة القشيرية للقشيري مؤسسة الكتب الثقافية الط:1 سنة: 2000م بيروت. ص:343.

[13]  لطائف المنن لابن عطاء الله الإسكندري، تحقيق خالد عبد الرحمان العك، ط دار البشائر سنة:1992 دمشق. ص 27.

[14]  الرسالة القشيرية ص: 342.

[15]  الفرق بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان لابن تيمية، تحقيق محمود عبد الوهاب فايد، دار العلم للجميع القاهرة، ص: 151-152.

[16]  التشوق إلى رجال التصوف لأبي يعقوب التالي المعروف بابن الزيات، تحقيق أحمد التوفيق ط2، منشورات كلية الآداب بالرباط 1997 مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، ص 54-55.

[17]  الفكر الصوفي لمحمد لوج، ج/2، ص: 287-288.

[18]  التصوف منشؤه ومصطلحاته لأسعد السحمراني ط: 1 دار النفائس سنة: 1987 بيروت.، ص: 152-153.

[19]  الرسالة القشيرية ص:345.

[20]  التصوف منشؤه ومصطلحاته، ص: 154-155.

[21]  لطائف المنن لابن عطاء الله الإسكندري، ص: 28.

[22]  التصوف والمجتمع لعبد اللطيف الشاذلي، ط:1 مطابع سلا 1989 سلا.، ص: 117-118.

[23]  المرجع نفسه ص:121.

[24]  لطائف المنن، ص: 100-101.

[25]  الفكر الصوفي، ج/2، ص: 293 – 298.

[26]  التصوف منشؤه ومصطلحاته، ص: 156.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.