منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جدلية الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام

الدكتور عبد اللطيف بن رحو/ جدلية الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام

2

 

جدلية الصراع الحضاري بين الغرب والإسلام

بقلم : الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

بِسْمِ اِ۬للَّهِ اِ۬لرَّحْمَٰنِ اِ۬لرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين تعاظم ملكوته فاقتدر، وتعالى جبروته فقهر، وأعز من شاء ونصر، ورفع أقواما وخفض أقواما، فسبحانه الذي لا يرى بالبصر ويستدل عليه بالآيات والعبر وخلق كل شيء بقدر. والصلاة والسلام الأتمان الأنوران الأكملان الأزهران الأعتران المشرقان المضيئان على ولد عدنان سيدنا محمد ﷺ وعلى صحابته أجمعين ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.

المزيد من المشاركات
1 من 121

وبعد…

فيعتقد الغرب أن قوة العرب تكمن في عقيدة الدين الإسلامي، تلك هي الإجابة “الشافية” التي توصل إليها الغرب، بعد أن انكبّ على دراسة أسرار تفوق العرب حضاريا ومادياً في غضون قرن من ظهور الإسلام، بعد أن كانوا شعوباً ضعيفة متفرقة، لا تجمعهم وحدة ولا قوة، وبعد أن شكّل انتشار الإسلام “صدمة” فجائية للغرب المسيحي؛ فالعرب أرسلوا “صدمة عفوية” للغرب، في إطار دعوتهم للدين الإسلامي، لكنهم تلقوا “صدمة مقصودة” من الغرب وفق نهج عسكري وسياسي وثقافي، في غضون مراحل الصراع التاريخي آنفة الذكر.[1]

وقد تمركز هذا الصراع بعد أحداث الحدي عشر من شتنبر، فقبل الدخول إلى الحديث عن المركزية الغربية، نرجع قليلا إلى التاريخ وبالتحديد فترة الحرب العالمية الثانية حينما انتصر الحلفاء على ألمانيا بزعامته هتلر، فالولايات المتحدة الأمريكية دخلت الحرب فقط بعساكرها وأسلحتها دون أرضها، فهي شاركت خارجه قواعدها مما جعلها تكسب من هذه الحرب أشياء عديدة، ومن جملتها الهيمنة على العالم وترويج اقتصادها نحو الدول المتضررة من الحرب التي عانت من التدمير وانكماش اقتصادها وبذلك ارتفاع قيمة عملتها (الدولار) وبسطت هيمنتها على العالم فسيرته وفق أفكارها وهواها.

وهذه المرحلة تزعمها الرئيس روزفلت الذي كان أول من دعا إلى تقسيم العالم إلى محورين لا ثالث لهما الغرب والشرق. وهذه الفكرة عادت بأدراجها بعد أحداث الحدي عشر من شتنبر، التي غيرت من موازين العالم وكشف الغرب عن قناعه الأسود بل وكشر عن أنيابه، المتمثل في حقده على الإسلام.

فمباشرة بعد أحداث الحادي عشر من شتنبر وجهت أصابع الاتهام إلى الأمة الإسلامية، لتشتيت هويتها ومرجعيتها، وتفكيك أوَاصِرها.

فالدارس لموضوع صراع الحضارات يتبين له أن موجة روزفلت عادت بفكرها وثقافتها المعادية للإسلام، وهي الثنائية المركزية وهو الغرب أو المركز، والطرف أو الهامش وهو الشرق، وإن كنت لا أقصد البعد الجغرافي، ولكني أقصد بُعْد الهوية الحضارية والفلسفية، وخير مثال أن الجامعة الدولية لكرة القدم تصنف منتخب إسرائيل لكرة القدم في فضاء الغرب، وإن كانت دولة إسرائيل موقعها الجغرافي في الشرق.

ولا يسعنا إلا أن نقف على المنظومة البراكماتية التي تقول إن الغاية تبرر الوسيلة لمكيافيلي، فقد شكلت تفجيرات الحدي عش من شتنبر زلزالا عميقا وصدمة قوية هزت المجتمع الأمريكي برمته وعلى إثر هذا اشتد غضب الإدارة الأمريكية التي صممت على الانتقام موجهة أصابع الاتهام إلى المسلمين، تحت اسم الحملة الدولية لمكافحة الإرهاب، فبعد سقوط الاتحاد السوفياتي والنظام الاشتراكي، وتدني مستوى المسلمين جعل الولايات المتحدة الأمريكية تنصب نفسها دَركّيا وقائدا للعالم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

ولقد تحدث الرئيس الأمريكي جورج والكر بوش على وجود خيارين لا ثالث لهما، إما معنا أو ضدنا، فالإدارة الأمريكية ليست متهمة الآن بإيجاد تسوية سريعة في الشرق الأوسط ولا في أي منطقة أخرى في العالم، بقدر ما هي مصممة على خوض حرب دائمة وشاملة ضد العالم، أو ضد من يقف ضد مصاحها.

ويسهل الاقتناع بأن نظرية نهاية التاريخ لفوكو ياما ونظرية صدام الحضارات لصمويل هنتكتون تنبع من مشكاة واحدة، كما أكد ذلك شومسكي عالم اللسانيات فقال: “نظرية فوكو ياما تنبع من فضاء الوزارة الخارجية والتخطيط، أما نظرية هنتكتون فتنبع من وزارة الداخلية.”

فنظرية فوكو ياما تتحدث عن سقوط الاتحاد السوفياتي وتطور القوى الأمريكية ومحافظتها على الريادة في التكنولوجيا، أي أن التاريخ لا يستقر إلا في أحضان أمريكا.

أما نظرية صمويل هنتكتون فتتحدث على أن الغرب ضد تحديين، فأما التحدي الأول فهو التحدي الأصفر الكونفوشوسية (الصين)، وأما التحدي الثاني هو الأخضر أو الشرق أو الإسلام.

لذلك كان الصراع مفتوحا بين الحضارات الثلاث، وإن كان الصراع الحقيقي بين الإسلام والغرب.

إن النظام الذي ترغب فيه الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن يتجلى في مبدأ معنا أو ضدنا، وهو تصريح نابع من هياكل الدولة الأمريكية ومن موقع تصنيع القرار السياسي، فهذا كولن باول قال يوم 20 أكتوبر 2002م بعد مرور سنة، أنه يجب تقسيم العالم إلى محورين لا ثالث لهما، المحور الأول هو الخير ولا يمثله إلا الغرب، أما المحور الثاني وهو الشر ولا يمثله إلا دول الشرق التالية: إيران والعراق وكوريا وسوريا.

فالولايات المتحدة قسمت العالم إلى محورين الخير والشر، بل الأكثر من ذلك أن الإسلام لا يمثل إلا العدوانية والإرهاب. مع أن الإسلام نموذج القدوة الحسنة، فالله تعالى وصف نبيه ﷺ بالسلوك الفاضل الحسن إذ قال عز وجل ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَيٰ خُلُقٍ عَظِيمۖ﴾ [سورة القلم الآية:4].

نقلت جريدة le monde الفرنسية تصريح لرئيس الحكومة الإيطالية سيلفيو بيرلوسكوني يقول: “الحضارة الغربية أسمى من الحضارة الإسلامية وإن علينا، أو من واجبنا تغريب العالم.”

ويقول كريستوفر هيتشنز: أحداث الحادي عشر من شتنبر تمثل الوجه الفاشي للقيم الإسلامية.”

فالغرب يعترف بوحشيته ضد الإنسانية وأنه مارس الفاشية الطاغية، حينما يذكرها ويعترف بها وهي المصطنعة من الغرب نفسه.

وفي مواقع الأنترنيت تدور قولة القس البروتستانتي جيري فاينز يوم 25 يونيو 2002م يقول: “الإسلام ليس كالمسيحية، وعقيدته تدعو إلى الحقد فموسى ويسوع وحدهما يبشران بالمحبة.”

وقد صدر قرار من البيت الأبيض وهو مشروع (usa Patriot act) الذي يقول إن الصمت على الإرهاب لم يعد محتملا.

فاختيار الإسلام خصما للولايات المتحدة الأمريكية هو إرث تاريخي من الصراع بينه وبين دعاة الحروب الصليبية، فالرئيس الأمريكي أعلن صراحة أمام الملأ والصحافة فقال سنحمل على الإسلام حملة صليبية شعواء، لأنهم ما يزالوا يتذكرون انتصارات صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين، وما هذا الصراع الجوهري سوى رد للاعتبار.

صدر سنة 1980م كتاب في ألمانيا بعنوان التحدي الإسلامي بقلم جيرهارد كونسلمان وقد ظهر هذا الكتاب على شكل كتيب جيبي وقدم على هذا الأساس حتى يكون أكثر انتشاراً، يقول صاحب الكتاب: “سيكون علينا في العقود القادمة أن نتعامل مع الإسلام على صعيد أكثر الأوجه اختلافا وأكثر الظاهرات تعدداً.”

وبعد ذلك ينتقل الكتاب إلى رصد مواقف المسلمين اتجاه الأمريكيين والكره الذي يصدر من المسلمين اتجاه الغرب.

مع أن الإسلام يخالف كل هذه الظنون وهو دين التسامح والاعتدال ولا يكره أحدا إلى الإسلام لقوله تعالى ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِے اِ۬لدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ اَ۬لرُّشْدُ مِنَ اَ۬لْغَيِّۖ فَمَنْ يَّكْفُرْ بِالطَّٰغُوتِ وَيُومِنۢ بِاللَّهِ فَقَدِ اِ۪سْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اِ۬لْوُثْق۪يٰ لَا اَ۪نفِصَامَ لَهَاۖ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۖ﴾ [سورة البقرة الآية:255] 

ويقول جاك بيرك: “شرط قبول الإسلام هو أن يقبل نفسه في إطار الديانات الأخرى.”

فحسب هذه الأقوال فالحضارة الغربية تعيش بالحسن والأدب والاحترام والتعايش والاعتدال، والإسلام هو من يعكر عليها صفوت عيشها، ويحرمها حق العيش على كوكب الأرض.

يقول الباحث الأمريكي بول بيرمان: “إن قيم الشرق تحركها فقط كراهية قيم الغرب التي تجسدها أمريكا، فجريمة أمريكا أنها أمريكا.”

فهذا ما قيل عن الإسلام ونولي وجوهنا قبل ما كتب عن شخص النبي ﷺ الذي تحدث عنه الغرب بأفظع الأقوال ووصفه بمواصفات لا يليق بذكرها، لكن كان علينا أن نشير إلى كراهية الغرب للأمة الإسلامية وإلى نبيها محمد ﷺ وما يزال الحال مستمراً.

جاء في الكوميديا الإلهية لدانتي أن محمداً مذبوح من النقن إلى العانة وأمعاؤه متدلية بين ساقيه.

ويقول فلوبيز: “القرآن كتاب محمد الذي يعالج فيه قضايا النساء.”

ويقول الفيلسوف الفرنسي ديدور في رسائله: “محمد أكبر صديق للنساء وأكبر عدو للعقل.”

وصرح القس جيري فالويل رئيس الطائفة المعمدانية التي تضم 26 مليون إنجيلي أمريكي في استجواب قدمته قناة cnn يوم 12 أكتوبر 2002م ما يلي: “أعتقد أن محمداً كان إرهابيا، وقد قرأت من الكتب ما يكفي للقول بأنه كان رجلا عنيفا يدعو إلى الحرب.

ويقول بَاتْ روبرتسون يوم 09 أكتوبر 2002م: ” محمد متعصب بشكل مطلق”

هذا الافتراء على شخص النبي ﷺ نلتمس منه ذلك الحقد الدفين عند الغرب والعداء المتزايد بل المتوارث بين أجيالهم، ولا نتفاجأ البتة أن هذا الحقد ما يزال يدرس في مدارسهم.

يقول تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اَ۬للَّهِ لِنتَ لَهُمْۖ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ اَ۬لْقَلْبِ لَانفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَۖ﴾ [سورة آل عمران الآية:159]

فالغرب درس بل الأكثر من ذلك تعمق في دراسة ماضينا وحضارتنا ليضع يده على مكامن القوة والضعف.

يقول الجنرال مارشال لْيُوطي: “يجب جمع المخطوطات العربية لاكتشاف ماضي المغرب من أجل صياغة سياسة التمركز.”

يقول الباحث الأمريكي المعاصر بول فندليفي كتابه لا سكوت بعد اليوم: “أخطر أسطورة معرفية يوظفها الغرب، هي أن الإسلام بكلياته وجزئياته خطر يهدد واحة الغرب، بقيمه الإنسانية والفكرية والمادية.”[2]

ولم يَسْلَم علماء الإسلام من انتقاد الغرب بل أسالوا مداد وصفهم بأبشع الصفات وسأورد أقوال بعض أهل الغرب لما وصفوه لعلمائنا.

فقد قيل عن الإمام ابن حزم رحمه الله أنه الشاعر الأكثر عفة، والأكثر مسيحية.

والذي يتضح أنهم اعتبروا مذهبه الظاهري مذهبا مسيحيا تم استسقاؤه من الحضارة الغربية، وأن الإمام ابن حزم تعلم على يد الرهبان المسيحيين الذين كانوا يعيشون في الأندلس.

وقيل عن الحلاج أنه يمثل دين الصليب.

وكتبت جريدة لبيراسيون أن الداعية المصري عمرو خالد أنه داعية إسلامي بأسلوب أمريكي، وأرجعت الصحيفة نجاح الداعية في مصر وخارجها وازدياد قاعدة جماهريته إلى استخدام أساليب العرض الأمريكي الجذاب، مثل استخدام حواسه أثناء إلقاء الدروس، من أجل مزيد من التأثير وتحريك مشاعر المستمعين، فهو يبكي أحيانا، ويضحك أحيانا أخرى، وهذا أسلوب يتفاعل معه الجمهور.

وتزيد الصحيفة أن الداعية المصري عمرو خالد استطاع أن يجذب قاعدة عريضة من الطبقة البورجوازية، واستطاع أو نجح في اقناع سيدات هذه الطبقة بارتداء الحجاب، والسبب في ذلك كما تذكر الصحيفة أنه تعلم في بيئة علمانية وغربية الأمر الذي جعله ملما بطبيعة هذه الطبقة.

وأقول لعل أحداث الحادي عشر من شتنبر غيرت موازين العالم، وما زالت حيثياتها تتناثر على الإسلام وستزيد مع مرور الأيام، ولا شك أن الحروب الصليبية التي انهزم فيها الغرب أمام جيوش الإسلام حلقة شائكة في حلق الغرب.

وأختم بما فعل أمير المسلمين المعتصم حينما حبس ملك الروم امرأة، فكتب إليه المعتصم أطلق سراح المرأة، فإن لم تفعل أرسلت لك جيشا أوله عندك وآخره عندي، فارتجف ملك الروم وأطلق سراح المرأة وأهدى المعتصم.


 

[1] العرب والغرب: إشكاليات المعرفة وملابسات المنهج، لعبد الرحمن الوائلي، مجلة الكلمة، قبرص، العدد (23)، ربيع 1999م، نقلاً عن الرابط التالي: www.kalema.net/v1/?rpt=388&art

[2] نقلا من كتاب فضاءات المجال السياسي للمعرفة لمحمد الناصري.

2 تعليقات
  1. ياسمين بوزيدي يقول

    بسم الله الرحمن الرحيم
    لقد أجاد الكاتب في وضع أسس الصراع بين الإسلام والغرب والذي ما يزال قائما لعل السنة البارزة في الموضوع كونه جمع بين الشمولية طرح أفكار الغرب عن الاسلام.
    بارك الله للجميع.لهذا الفكر…

  2. عثمان عثمان يقول

    لا يزال الاسلام يحارب في دواليب الغرب خصوصا الأمريكان، والباحث بين المواقف العدوانية للإسلام ولرسوله.
    وما وقع مؤخرا في قضية الصور خير دليل.
    كذلك ما قاله ماكرون الرئيس الفرنسي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.