منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 مقدمات في دراسة السيرة النبوية

الدكتور عبد اللطيف بن حو /  مقدمات في دراسة السيرة النبوية

0

 مقدمات في دراسة السيرة النبوية

بقلم: الدكتور عبد اللطيف بن رحو

 

لماذا دراسة السيرة النبوية؟

1 – ندرس سيرة الرسول ﷺ لأنه هو الإنسان الذي اختير ليكون الوسيط بين الخالق وبين أرقى أنواع المخلوقات وهو الإنسان، في تحمل أمانة الرسالة الخاتمة من قبل الله، وتبليغها إلى كافة البشر بمقتضى الحكمة والعدل والرحمة لإتمام النعمة وإثبات الحجة.

2 – وندرس سيرته ﷺ لأنه هو آخر حلقة في سلسلة الأنبياء من قبل الله من لدن آدم عليه السلام، وهو آخر قافلة في موكب الأنبياء، إذ ببعثه انقطع الاتصال المباشر عن طريق الوحي بين الخالق والمخلوق في صورة بعث الأنبياء على الهيئة المعهودة، والتي بين الإسلام حقيقتها، وصورها ومميزاتها، لإرساء دعائم اليقين في النفوس المجبولة على الإذعان الحق، والإقبال على خبر السماء دون تردد أو ارتياب.

المزيد من المشاركات
1 من 43

ومن هذا المنطلق يبدو رصد وتتبع أحوال صاحب الرسالة الخاتمة أمر ضروري ومنهم، إذ لاشك أن أحواله ليست كأحوال سائر البشر والمراحل التي مر بها في مسيرة حياته الطويلة سواء قبل بعثت أو بعد بعثته قد تكون متميزة، فهو وإن كان كسائر الناس باعتباره بشرا ينمو ويتطور ويحيي ويموت ويؤثر ويتأثر، ويقوي ويضعف، فإنه يبدو على النقيض من ذلك باعتباره يوحى إلية حيث يتعرض تحت تأثير هذه الصفة إلى أشد وأعنف وأسمی انقلاب في مكوناته ومكتسباته الشخصية ليؤدي باسم هذه النقلة ما ألقي في روعه بأمانة دون تبديل أو تغيير فتعتقل لديه حرية التصرف الحر الذي يرتد إلى شخصيته باعتباره بشرا عاديا لا يختلف عن سائر البشر.

3- ندرس السيرة النبوية لأن الإيمان بصاحبها قاعدة هامة من القواعد الإيمانية في العقيدة الإسلامية المنضبطة المتكاملة بحيث لو تخلفت قاعدة إيمانية واحدة من مجموع قواعد العقيدة الإيمانية لدى الإنسان جاز أن نسم صاحبها بالكفر أو الجيل ولا تنتفي عنه هاتان الصفتان إلا إذا صحح عقيدته واستكمل شروطها الضرورية.

4 – وندرسها أيضا لأن الإيمان بصاحبها كنبي ورسول يفسر حقيقة الوجود ويبين دور الإنسان الحقيقي في هذه الحياة ويرشد إلى الكيفية التي يجب أن يتعامل بها الإنسان مع خالقه والكون الرحب الذي أعده له وكذلك مع أجنبية الإنسان قردا وحساسة.

وكل هذه المعاني لا يستقيم التصور فيها إلا عن طريق الوحي مع اليقين ومصدر الرسالة التي خص الله بها البشر بين الفينة والأخرى، وصور هذا الروحي تكشف عنها الحقائق الساطعة التي جاءت في السيرة، فهو الذي يعرفنا بالخالق سبحان وتعالی حق المعرفة من خلال الإرشاد إلى الأسماء والصفات والأفعال، وهو الذي يفسر الكيفية التي جاء بها هذا العالم، وقيمة الإنسان في هذا الوجود، ووظيفته فيه، ومصيرة في هذا الوجود بعد هذه الحياة الدنيا التي تأتي إليها ويخرج منها بغير اختياره.

5- وندرس سيرته ﷺ لأنه تتحدث عن حياة صاحب رسالة هي من أعظم الرسالات السماوية التي يَدین بها عدد هائل من الأتباع والمنتمين، في جميع بقاع العالم، وهي حقيقة اجتماعية وتاريخية وحضارية متميزة تثير اهتمام البحثين والدارسين الذين يريدون الوقوف على العوامل التي ساعدت تشکیل هذه الظاهرة، وفحص المنطلقات والأسس العقائدية والتصورية والأخلاقية التي ساهمت في تشکیل منظومتها المتفردة، وإفرازاتها الحضارية المختلفة على مر العصور.

كل هذه المبررات يدفع بالضرورة إلى معرفة تاريخ وأحوال الرجل التي أخرج هذه الأمة من العدم إلى الوجود لتصنع تاريخاً جديداً، وتشق مجرى حضارياً متميزا أهم خصائصه الاستمرار والتجدد.

6 – من دواعي دراسة السيرة أيضا أنها سیرة تتطلب الاقتداء، فقد أمر الله تعالی المؤمنين برسالة الإسلام إتباع رسوله ﷺ والسير على نهجه. قال تعالى ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾. [سورة الأحزاب الآية:21]

وقال أيضا عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. [سورة آل عمران الآية:31].

ومعلوم أن الاقتداء والتأسي هو اقتفاء الأثر، ولا يتأتی اقتفاء الأثر إلا بعلم هذا الأثر وإن معين السيرة النبوية المطهرة لمليء بهذا الأثر الذي يغطي جميع أحوال الرسول ﷺ في حركته وسكونه وفي أنسه اور وحدته، وفي سفره وحضره، مما يصلح نبراسا يضيء ظلمات دروب الحياة الوعرة ومسالكها الصعبة التي تقتضي الحكمة والقوة.

خاصة إذا علمنا أن محمدا بن عبد الله ﷺ كان أفضل الأنبياء والمرسلين بما خصه الله من عناية فائقة وحدب متواصل حيث حاز مكارم الأخلاق ومحامد الصفات حتى أن الله مدحه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾ [سورة القلم الآية:4]

7- وندرس السيرة أيضا لأنها تكون في مجموعها دليلا قويا على صدق نبوة محمد ﷺ إضافة إلى الدليل القرآني الساطع.

فلو فرضنا أن السيرة في أوسع حدودها ومضامينها لم تصل إلينا ووصلنا القرآن وحده وجد العقل المجادل منفذا يتخذ ليطعن في الوحي والنبوة، ولكن اقتضت العناية الإلهية أن تصلنا السيرة إلى جانب القرآن الكريم مصدقا لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ومعلوم أن الذكر لا يقتصر على القرآن فقط، وإنما يشمل الوحي بنوعيه قرأنا وسنة، وحفظ هذا وذاك تحوطه أحداث السيرة على أوسع نطاق.

ولكي نقف على مدى أهمية السيرة في إثبات صدق نبوة الرسول ﷺ ونضرب لذلك لقد رصدت السيرة مراحل حياة الرسول ﷺ قبل البعثة فأكدت على أنه ينتسب إلى شبه جزيرة العربية التي كانت من أشد أجزاء الأرض تخلفا في ذلك الحين من الناحية الحضارية والفكرية والاجتماعية والسياسة والاقتصادية.[1]

كما أكدت أيضا على أنه لم يكن قبل البعثة يقرأ ولا يكتب، ولم يتلق أي تعليم منظم ولقد عاش أربعين سنة قبل البعثة في قومه دون أن يحس الناس من حوله بأي شيء يميزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف، ودون أن تبرز في حياته أي بذور عملية، أو اتجاهات جادة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأة عقب نزول الوحي عليه.[2]

كما أكدت السيرة أيضا أنه ﷺ قد ولد في مكة وظل فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلا في سفرتين قصيرتين: إحداهما مع عمه أبي طالب وهو صبي في أوائل العقد الثاني، والأخرى بأموال خديجة رضي الله عنها وهو في أواسط العقد الثالث، ولم يتيسر له بحكم عدم تعلم القراءة والكتابة أن يقرأ شيئا من النصوص الدينية اليهودية أو النصرانية، كما لم ينسب إليه أي شيء ملحوظ من تلك النصوص عن طريق البيئة لأن مكة كانت وثنية في أفكارها وعاداتها [3].

كل هذه المعلومات التي استوعبتها السيرة تضافر لتؤكد على أمية الرسول ﷺ، الأمر الذي يؤكد من جهة أخرى بما لا يدع مجالا لشك على المصدر الرباني للقرآن الكريم دليل نبوته ومستودع معجزته وذلك بعد الاطلاع على طبيعته المتميزة من حيث الصياغة المحكمة والبلاغة النادرة والبيان المعجز، إضافة إلى المضامين الجديدة المبتكرة التي جاء بها والتي تمس جميع مناحي الحياة، وهذا وذاك يؤكدان في نهاية المطاف على صدق نبوته ﷺ.

إن المقابلة بين ما نقلته السيرة من كشف للحياة الواقعية التي كان يحْيَاهَا الرسول ﷺ قبل بعثته وبين ما جاء به بعد بعثته هي التي ولدت لدينا حقيقة اليقين في صدق نبوته ﷺ.

8- وندرس السيرة أيضا لمجرد الشهرة إذ أن مجرد اشتهار رجل من الرجال في أي مَیْدَان من ميادين المعرفة الإنسانية، واشتهاره في أي ميدان من ميادين المعرفة الإنسانية، في أي انجاز من الإنجازات البشرية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أ ثقافية ينه يدعو ذا الفضول المعرفي والثقافي إلى محاولة الوقوف على حياة هذا الرجل وتتبع ظروفه، وذلك استجابة لغريزة حب الاطلاع الفطرية المركوز في أعماق النفس الإنسانية من جهة، وأيضا محاولة منه  الإحاطة بمقدمات معرفية تعين على فهم فكرته التي كانت سرا  کامناً وراء شهرته من جهة ثانية.

فإذا كان هذا حاصل، وله مبرراته الذاتية ما يجعله في بعض الأحيان واجبا، وهو متعلق بسائر البشر، ويشترك فيه جميع الناس أحيانا في حدود قدراتهم الطبيعية العادية، فإنه سيكون الاهتمام بحياة الأنبياء والمرسلين وحياة محمد ﷺ خاصة من باب أولى لأن دعوتهم متميزة، ومصادر معرفتهم متفردة، وآثار تجربتهم غزيرة وواسعة.

9- ولعلنا لا نخطئ الصواب، ولا ننحرف عن الحق إذا قلنا: إن من مقتضيات دراسة سيرة الرسول الأعظم ﷺ أيضا أنها علم من العلوم وفن من الفنون الجديرة بالاهتمام، بل هي معين ثَرٌ لعلوم كثيرة، وفنون غزيرة، وفوائد جمة، تغني العقول، وتثري التجارب الإنسانية المختلفة، في جميع أبعادها، وعلى تباين مستوياتها، وتنوع ألوانها وأشكالها.

ولما كان الموقع الذي ينبغي أن يقعه الرسول ﷺ وسيرته في الحياة منسجما مع هدف وجوده وغاية خصوصيته كنبي، يقتضي عدم تجريد حياته من جانبها الإلزامي، نرى أن هذا القضاء ليس خاصا بالمسلمين الذين يجب عليهم ألا يتعاملوا بهذا البرود، وهذا الانفصام مع سيرة نبيهم، وألا يجردوا السيرة من روحها ودلولها السامي الذي يتطلب الاقتداء والتأسي، ولا يقدح في السيرة إذا نظر المسلمون إليها من هذا المنظار المعرفي والفني والعلمي إذا نظروا إلى جانب هذا إلى السيرة نظرة اقتداء واتباع.

وإنما نجعل هذا اقتضاء بالنسبة لغير المسلمين لعلهم يجدوا وهم يلجون هذا الباب ما حول نظرتهم، ويغير موقفهم، لأن في مضامين السيرة من القوة الذاتية ما يجعلها تفرض نفسها بنفسها، وتؤثر في النفس والعقل والسلوك، بشكل قوي ومثير، وخاصة بالنسبة الباحثين عن الحقيقة، والمتطلعين إلى المنجزات العظيمة في الأخلاق والسياسية والاجتماع والجمال، خاصة إذا تنولت بتجرد وموضوعية.

10 – من دواعي دراسة السيرة أيضا – وهو داع نتصوره بنفس المنظور الذي قدمنا به الباعث المذكور آنفا – أنها تحقق متعة ولذة عظيمة أثناء القراءة والمطالعة سواء تعلق الأمر الشكل والصباغة أم تعلق الأمر بالمعاني والمضامين الثرة المتنوعة.

وهي لذة ومتعة شبيهة بتلك التي تبعث عليها الإنجازات الأدبية والفنّية العالمية الرائعة، من شعر رفيع، أو نثر بليغ، أو رسم بديع، يملك النفوس، ويخلب الألباب، ويثير التأمل، ويعمق التساؤل، ويعين على فهم حقيقة الوجود وتذوق حکمته وفلسفته.

11 – من الأمور الداعية أيضا إلى دراسة السيرة النبوية دراسة خاصة ومتأنية أن ذلك يعين على معرفة كثير من حقائق الإسلام سواء تعلق الأمر بتاريخه باعتباره دين جديد يحمل كثيرا من المعاني والقيم المميزة، أم تعلق الأمر بأحكامه باعتباره شريعة جاءت لتستقر بين البشر وتضبط سلوكهم، وتبث فيهم النظام وتحقق العدل في إطار مجتمع متماسك متآلف، أو تعلق الأمر بعلومه المختلفة باعتبارها الأشعة المنتشرة في الفضاء الرحب تدل العقل الذي تستهدي بها وتعينه على تسلق شجرة المعرفة الوافرة الظلال الكثيفة الأغصان ألا وهي شجرة العلوم الإسلامية على اختلاف أنواعها التي لا تستغني بحال من الأحوال عن السيرة النبوية في مدلولها الواسع الشامل.

12- وندرس السيرة أيضا لأنها كانت منبعا مباشرا لعلمين هامين وسط العلوم الإسلامية الكثيرة المتنوعة، ولقد كانت السيرة والوحي بنوعيه في حقيقة الأمر، منبعا لكل العلوم التي عرفتها الأمة الإسلامية على مرّ العصور.

ونعني بهذين العلمين، علم أسباب النزول وهو متعلق بالقرآن الكريم، وأسباب الورود وهو متعلق بالحديث الشريف، يعين على فهمها وربط نصوصها بالوقائع والحوادث المختلفة التي تجسد التفاعل الحي بين الواقع والوحي، وهو ليس من الوحي، وإنما هو شيء ضروري لفهم الوحي زائد عليه، ولكنها زيادة لا يستغني عنها، وتجسد اهتمام الصحابة بكل شاردة وواردة ترتبط بحركة الوحي وهو يصوغ الواقع، ويعد الفرد، ويواجه معطياته وتحدياته، ويؤسس مشروعه الفذ الشامل المتكامل.

ويتضح هذا الأمر، وتنكشف هذه الحقيقة، وتتأكد قيمة السيرة بالنسبة لهذين العلمين عندما نحاول أن ننطلق من النص القرآني والنص الحدیثي مجردان لفهمهما، حيث يلجؤنا العجز والحاجة إلى الرجوع إلى معين السيرة الغني لنضع النصوص المجردة في إطارها التاريخي للاستشهاد والاستدلال، والتماس السبل لفك رموزه وحل ألغازه.

ولكي نقف على قيمة السيرة النبوية وفائدتها باعتبارها مجموعة من الأحداث والأخبار التي تساعد على فهم كثير من الحقائق كما سبق أن ذكرت نأتي بمثالين يجسدان مدى الخدمية التي قدمتها السيرة بالصورة التي أشرنا إليها قبل قليل، أقل ما يقال عن هذه الخدمة التي ساعدت وسلطت الضوء على بعض مضامين هذين العلمين المستقلين اللذان يعدان من اسم العلوم الإسلامية شرفا واشتهارا لأنهما وثيقا الصلة بالوحي قرآنا وسنة.

المثال الأول: ويتعلق بحيثيات قصة حديث الإفك وتفاصيل وقائعها كما روتها كتب السيرة مقارنة بالصورة والصيغة التي أوردها القرآن الكريم.

والمثال الثاني: ويتعلق أيضا بحيثيات قصة الثلاثة الذين خُلّفوا لتخلُّفهم عن رسول الله ﷺ، يوم غزوة تبوك كما روتها كتب السيرة، ومقارنتها بما ذكر عنها في القرآن الكريم.

وسيتبين للملاحظ الغناء والثراء من حيث التفاصيل في الوقائع والأخبار المتعلقة بهتين التسنين العجيبتين النموذجيتين في مظان السيرة والحديث بخلاف الإيجاز والاختصار الذي طبع صورة تأتيها في القرآن الكريم، الأمر الذي يؤكد على أهمية دراسة السيرة نظرا لعلاقتها الجدلية بالقرآن الكريم، الأمر الذي يؤكد أيضا أهمية هذا المبرر لدراية السيرة.

13 – من الأسباب التي تدعونا إلى دراسة السيرة أيضا أنها كانت منبعا لأحد أهم أنواع العلوم والفنون التي تتصل بالتاريخ وهو فن التراجم الذي يقوم على أساس النقد وتمحيص، إذ يتفرع عنه ما يعرف بالجرح والتعدیل، أو نقد السند والمتن في محلية رواية الخبر ونقله ابتغاء الرقي به إلى مستوى الصحة والوثوقية.

يقول «فرانز روزنتال» مؤكدا هذه الحقيقة المرتبطة بالسيرة في معرض حديثه عن فن التراجم معللا مبررات ظهوره فسيرة الرسول ﷺ كانت منبعا أمدها (الضمير يعود على التراجم) بمادة لبناء صرح شامخ للإسلام، وقد اعتمدت رواية تفاصيل حياة الرسول ﷺ على أفراد كان قبول على أفراد كان قبول روايتهم يتوقف على ما يعرف من تاريخ حياتهم …» [4]

ولا خفاء في أهمية التراجم لما تقدمه من فائدة للثقافة والواقع، وتقريب صور الحياة العامة إلى الأذهان وخاصة الحياة الثقافية والتربوية والسياسية، يقول فرانز روزنتال أيضا مشيرا إلى فائدة التاريخ من خلال التراجم التراث الإسلامي: “إن التاريخ بارتباطه بالتراجم أصبح الوسيلة الوحيدة المؤثرة في الإسلام للنظر إلى الحياة الواقعية باعتبار أن هذه النظرة إلى الحياة الواقعية وتحليل الإنسان وآماله هما المصدر الوحيد للتطور الثقافي.”[5]

14 – وندرس السيرة لأنها تفسر في جميع تفاصيلها وحيثيات وقائعها، ومجريات أمورها، تجربة التغيير الإسلامية الأولى بقيادة الرسول الأعظم ﷺ على منهاج النبوة، وتكشف عن الطريقة التي عالج بها الرسول ﷺ به واقعه في تحدياته واستجاباته في جميع الواجهات، وعلى كافة المستويات، بالوقوف على كافة الثوابت والمتغيرات، في منهجية التغيير الشاملة التي مورست على ذلك العهد، وكانت تجربة ناجحة ورائدة، تستحق الدراسة والبحث، بقصد استنباط القواعد والأصول، والوقوف على الثوابت والمتغيرات، حتى إذا ما حاول المسلمون إعادة التجربة كانوا على هدي منهاج النبوة وعلى نور مشكاة الرسالة، فالدروس ثرية، والعبر غزيرة.

15- وندرس السيرة النبوية أيضا، لأنها هي التي ترسم الفضاء المكاني، وتحدد البعد الزماني، اللذان كانا وعاء للإسلام أقوال وأعمالا، مبادئ وأخلاقا، حركة وتاريخا، لا يتحدد بحدود حياة محمد ﷺ ذاتا وبشرا، نبیا ورسولا، وإنما يتعداه إلى جميع أبعاد المكان وما يستوعبه من تفاعلات اجتماعية وإنسانية هامة تكشف عن حقيقة قوة التفاعل وتناغمه، والتي حققت فعلا أعظم سنفونية امتزجت فيها سيرة أعظم الخلق فردا بسير أعاظم الخلق مجتمعا، في أعظم زمن من أزمنة تاريخ النبوات وأساطير الرسالات.

هذه هي بعض الأسباب التي قد تدعو إلى دراسة السيرة باعتبارها إضافة جديدة في تاريخ الإنسان على هذه الأرض، وتهم هذه الإضافة الجانب العقلي والجانب الروحي والجانب العملي من كيان الإنسان سعيا به نحو التقدم والرقي من أجل بناء حضارة إنسانية جديرة بالاحتفاء والتقدير.


قائمة المراجع

القرآن الكريم برواية الإمام ورش.

1- علم التاريخ عند المسلمين لفرانز روزنتال ترجمة صالح أحمد العلي مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة:2 سنة:1983.

2-المرسل الرسول الرسالة لمحمد باقر الصدر دار التعارف للمطبوعات بيروت لبنان (بدون رقم طبعة) سنة:1992.


[1] المرسل الرسول الرسالة لمحمد باقر الصدر دار التعارف للمطبوعات بيروت لبنان (بدون رقم طبعة) سنة:1992 ص:64.

[2]  نفسه ص:67.

[3]  نفسه ص:66.

[4]  علم التاريخ عند المسلمين لفرانز روزنتال ترجمة صالح أحمد العلي مؤسسة الرسالة بيروت الطبعة:2 سنة:1983 ص:142.

[5]  المرجع نفسه ص:269.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.