منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ثنائيات قاتلة

ثنائيات قاتلة/ عبد القادر الدحمني

0

ثنائيات قاتلة

عبد القادر الدحمني

لا أدري لماذا تغلُبُ على تحليلاتنا النّبرة الحَدّيّة، ونميل كل الميل لأحد التوجّهات ضربة لازب، دون أن نكلّف أنفسنا عناء التأنّي والبحث وتقليب وجهات النظر، لا أدري لماذا نفكّر دوما بمتلازمة ضدّية لا تفارق نظرتنا للأمور، ونلزم أنفسَنا بالتخندق في جهة معيّنة مدافعين متحصّنين، دون تطلّع لما يمكن أن يكون في الضفّة الأخرى، ونعلي الجدار الأصم الحاجب عن الفكرة المضادة، ولا نفتح أفقا لخيار ثالث، ولا رابع ولا خامس؟؟؟
هكذا، نحن، إما مع أو ضدّ، إما محافظين متشبّثين مستمسكين بكل ما هنالك جملة وتفصيلا، أو رافضين متملّصين متفلّتين ثائرين ساخطين على كل شيء، ولا نرى إلا الأسود الخالص.
سحبت وزراة الثقافة جائزة المغرب للكتاب، تمترس كثيرون ضد القرار مباشرة، جملة وتفصيلا، حاملين لافتات الإدانة والغضب على الوزير والوزارة والجائزة، مُدْلِينَ بكلّ ما يثبت وجهة نظرهم من النواحي القانونية والأخلاقية والثقافية،فتخندق ضدهم فريق آخر مهلّلا للقرار ممتدحا، ساخرا شامتا، متشفّيا في المثقفين والأدباء ومتّهما إياهم في كرامتهم ونيّاتهم، وقاذفا إياهم بكل أوصاف الطمع والاسترزاق و”التكسّب” المشبوه، ومخوّنا لمن وقف على النقيض من طرحه، وقلما وجدنا من يحلّل الأمور من زوايا مختلفة، ويذهب إلى ما وراء القرار، ويبرز ما في الضفتين من أفكار تملك بعض الرجاحة والصلابة.
رقص الطلبة وغنوا في مدرجات العلم المقدّسة حسب الفيديوهات المسرّبة، فانبرى البعض ساخرا متأسفا مزمجرا غاضبا من الانحطاط والسفالة والبؤس، بينما رأى آخرون ذلك علامة تحضّر وانفتاح، واحتفاء بالحياة وزرع لبذور الفرح في ظل الكآبة السائدة، منذرين من ينتقد طرحهم بأنه يمهّد لطرد “الفنّ” من رحاب الجامعة، وتكريس الصمت والتجهّم الذي لا يناسب إلا رغبة “أعدائهم” الإيديولوجيين.
فريقان نحن، يشحن الإعلام ضفّتينا ليل نهار، يوقد النعرة بيد، واليد الأخرى تحرّك ردّ الفعل، وتعجبنا اللعبة، فنغرق أكثر، يحمل كل واحد منّا ثارات جبهته، ويرفع شعاراته، ويدّعي، وينتفخ، في لعبة لا تنتهي إلا باستنزاف الجميع، وفقدان الثقة في الفريقين والجبهتين، بينما يتّكئ صناع اللعبة مرتاحين متفرّجين، واثقين أن الشرخ الذي يرعوه حتى في طرائق تفكيرنا، لا يمكنه أن يلتئم ليشكّل تهديدا لسطوتهم، وبعيدٌ عن تجديل صيغة ممكنة لتجميع القوى، وتوحيد تصوّر تجميعي في حده الأدنى، كفيل بفعل شيء ما في هذا الموات..
آن الأوان، أن يمدّ العقلاء الجسر، ويفكّروا بعيدا عن هذه الحدّية القاتلة، والضدّية القبليّة، والثنائية المتجاوزة.
إنها الثنائيات التي تقتلنا، وتغرقنا في البؤس أكثر.
لقد تجاوز التفكير البشري مقابلاتنا التبسيطية للمفاهيم، وتجاوز التفكير بالأبيض والأسود.
هناك ألوان لا حصر لها أيها الناس.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.