منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في البحث عن نَصٍّ لذيذ.. من يُديرُ بوصلةَ القارئ؟

د. عبد القادر الدحمني/ في البحث عن نَصٍّ لذيذ.. من يُديرُ بوصلةَ القارئ؟

0

في البحث عن نَصٍّ لذيذ.. من يُديرُ بوصلةَ القارئ؟

د. عبد القادر الدحمني

 

تختلف أذواق القراء وميولاتهم في اختيار الرواية التي سيقرأونها، وتتباين المعايير التي يضعها كل واحد لاختيار النص الذي يرشحه بوصفه أفضل نص بالنسبة إليه، لا أتحدث هنا عن محاولات الاكتشاف التي يخوضها القراء فيطالعون كل ما يصادفهم من روايات، ولا عن ضعيفي التعاطي للقراءة، ولا عن التصنيفات الإيديولوجية أو الأخلاقية التي قد يجعلها بعضهم فيصلا حاسما في اختيار النصوص ومعيارا أساسيا في تفضيل بعضها على بعض، بل عن المعايير الذاتية، من حيث الميولات، ومن حيث مستوى الجودة المطلوبة، ومنه كذلك، خصوصية اللغة، ودرجة الانزياح المقبول في الشكل الروائي، ومدى القدرة على التركيز وتحمل الترميز، وعدد الشخوص، وطبيعة الموضوعات المثارة إبداعيا.

ومن ثمة، يتم فرز القراء بشكل طبيعي، بين عشاق المطولات الروائية، وبين محبي التوسط أو القِصَر، ثم بين محبِّي النَّفَس الواقعي وبين السابحين في التخييل أو مفضِّلِي التخييل الأسطوري أو العلمي، ومن حيث طبيعة الموضوعات المتناولة، بين أهل الرواية الاجتماعية وبين أصحاب الرواية السياسية أو أدب السجون، وبين رواية العشق الرومانسي المثالي أو رواية التراجيديا والمأساة..

وهو الأمر الذي جعل العديد من الروائيين يختارون بعناية الموضوعات التي تطلبها موجات سوق القراءة، أكثر من حرصهم على اختيار ما يلائم فكرهم وتوجهاتهم، بينما يصرّ آخرون على الاستمرار في اختياراتهم المنسجمة مع مشاريعهم الفكرية وتوجهاتهم الشخصية، على أمل أن يصنعوا لأنفسهم حقلا قرائيا ملائما، رغم أن الأمر قد يتطلب وقتا طويلا، وعنادا قويا، وعطاءً مستمرا، إن واتته تيارات مساعدة، وإلا فَرُبَّ كاتب طَوَتْهُ عواصف النسيان للأبد، في حين عرّت أعاصير أخرى ما شيَّده من صروح، وأعادت تقديمها للقارئ من جديد، بعد سنين طويلة بعد موته.

المزيد من المشاركات
1 من 55

والحقيقة أن هناك خصاصا فادحا في الدراسات السوسيوثقافية المتعلقة بفعالية القراءة، ودواعيها، والأسس التي يبني عليها مقتني الكتاب أو قارئه اختياره، ولا نتحدث هنا إطلاقا عن الدوافع التعليمية المدرسية، ولا الأكاديمية البحثية، بل عن طرق اختيار الكتاب والدواعي العامة للقراءة في المجتمع.

ويمكن الوقوف على مجموعة من الدوافع التي تتحكم في توجيه القارئ نحو رواية بدل غيرها، أو كتاب بعينه دون آخر:

1 – الإطراء على الكِتاب أو الكاتب من لدن بعض الأصدقاء والمعارف، خاصة ممن يحوزون ثقة لدى القارئ، ويطمئن إلى أذواقهم وأحكامهم واختياراتهم. وأغلب القراء تكون بداية اهتمامهم بهذه الصيغة، إلى أن ينضج اختيارهم ويتأسس بشكل كبير على تجاربهم الخاصة، ورغم ذلك يستمرون في الإفادة من التجارب القرائية لغيرهم والارتكان إليها في اختياراتهم.

2 – القراءة السابقة للكاتب، خاصة إن تمكن في نصه الأول من إثارة انتباه القارئ وجذب فضوله، وأثَّر فيه بأسلوبه أو عمقه أو القضايا التي أثارها. ويبقى هذا السبب على رأس الدوافع التي تحرك اتجاه القارئ نحو كتاب بعينه، ويمكن القول إن العلاقة القرائية السابقة مع القارئ تبني مشتركا حميميا مع الكاتب لا يمكن القفز عليه بسهولة، خاصة إن كان التأثر في القراءة السابقة كبيرا، وكان التماهي قويا يلامس احتياجات القارئ وقضاياه الخاصة والإشكالات التي تشغله.

3- المعرفة الشخصية بالكاتب أو القرابة منه – مع استثناء أقرانه في الكتابة إذ لهم اعتبار خاص- فهي تشجع على الاطلاع على “ما يقوله” ويفكر فيه” فلان الذي نعرفه، من باب يشبه التلصص على فكره واهتمامه ودواخله، ومن جهة ثانية من أجل حيازة حكم يحتفظ به القارئ ليدلي به عند الضرورة، فلا يعقل أن يعرف الكاتب دون أن يمتلك ما يثبت حديثه عنه إذا احتاج إلى ذلك، وهذا لا يعني طبعا أولئك “الضّاعنون عن الحي وهم ساكِنوه”.

4 – التأثر بمستلزمات إشهار الكتاب، وخاصة بالعنوان المستفز، ولوحة الغلاف الجاذبة، ثم بأسلوب الكاتب إن لاءم هوى القارئ وذوقه، أو لامست فقرة أو إهداء بعض أوتاره العميقة، في حالة حصول بعض التصفّح، ويبقى التأثر بمتعلقات إشهار الكتاب، دون مستوى الإثارة التي يتلقاها القارئ وهو بصدد التعاطي مع نص جديد لكاتب سبق أن أُعجِبَ به.

5 – مغامرة البحث عن الجديد الإبداعي، أسلوبا وعمقا وموضوعات: وهو باعث يقوى حضوره عند من تمكنت منه عادة القراءة بشكل كبير، أو عند المشتغلين الجادين بالنقد، أو لدى بعض القراء الذين يغلب عليهم الميل إلى الاكتشاف والتجديد المستمر.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 8

6 – التأثر بالإعلام ودعايته: وهو التيار الغالب على ما أعتقد، فلا زالت وسائل الإعلام، بمختلف أنواعها، وخاصة السمعية البصرية منها، والدولية بشكل أخص، تلعب أدوارا حاسمة في الترويج للكتاب وامتداح جودته، والدعاية الكبرى له، بكثرة الاستضافات التي ينالها الكاتب وعدد الحوارات وحجم المتابعة النقدية وضروب التفاعل المختلفة.
ولذلك، تحوز مسألة دمقرطة الحقل الإعلامي الثقافي إجماعا من طرف الكتاب، لما لها من أهمية حاسمة في رفع حجم المقروئية وانتشار الكتاب فئويا ومجاليا وأكاديمية.

7 – قيمة الكتاب إخراجا وثمنا: يمكن تفهم جودة الإخراج الفني للكتاب وملامسة تلك الصنعة لشغف القارئ الباحث عن تحفة فنية ترافق لذة النص. فما دخل الثمن وهو شأن مادّيّ خالص؟! نعم، قد تحدِّدُ القيمة المادية للكتاب أهميتَه أحيانا، وهو بُعْدٌ نفسي تماما، لا علاقة له بجودة الكتاب ولا جِدّته وإبداعيته، فالقارئ يهتم أكثر بقراءة الكتاب الذي دفع مقابله ثمنا مرتفعا، وقد تحوز لديه بعض الكتب رخيصة الثمن قدرا ضئيلا من الاهتمام إن كان من عامة القراء، فالكثير منهم لا يقرأون ما يأخذونه مجّانا، ولا يلتفتون لما قد يعثرون عليه من نفائس، قد يتخطّونها قاصدين موجة الشهرة، أو قارنين الثمن المادي بجودة الكتاب وقيمته الإبداعية.

ويمكن أن نضيف إلى ما سبق أسبابا ودواعيَ أخرى تتحكم في اختيار القارئ وتوجهاته، كخلفيته الفكرية وميوله الإيديولوجية، واهتمامه المعرفي، ومستواه التعليمي، وطبيعة الوسط الذي يعيش فيه، وكذا مستواه الاقتصادي وبنيته النفسية..

غير أن كل هذا، وغيره، تغيب فيه الدراسات الباحثة في الظاهرة، استمارةً واستقصاءً وتحليلا، وتتخلّف عن الإجابة عنه أقلام الكَتَبَة وبرامج الإعلاميين، تماما مثل تغافُلِ سياسات الكِتَاب والقراءة في المؤسسات الرسمية. ويبقى السؤال حبيس حسرات الناشرين والكتاب، وبعض الملتاعين على أمر القراءة وواقع الكتاب.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.