منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نظرات وتأملات في الفكر الإصلاحي للأستاذ عبد الله الجراري من خلال كتابه «سوانح القلم»

د.عبد الله الجباري

0

 

عرف المغرب في القرن العشرين عددا مهما من رجالات الإصلاح، الذين بذلوا مجهودات ملحوظة، وقدموا عصارة أفكارهم، للإسهام في إنقاذ المجتمع والعمل على نهضته ورقيه، كل من زاويته، وقد تذرع كل واحد منهم بالوسيلة أو الوسائل التي يجد فيها ضالته، فمنهم من اتخذ العمل السياسي ذريعته إلى الإصلاح، ومنهم من استعمل مجال التربية وسيلة لذلك، ومنهم من توسل بالخطابة أو التأليف، ومنهم من تنكب عن الاستقالة، وتوسل بالمقالة، وجعلها أفضل ذريعة، لما لها من آثار سريعة، حيث تصل إلى أكبر عدد من القراء بجميع مستوياتهم، بخلاف الكتب والمؤلفات، وقد استعمل النوعَ الأخير جماعةٌ من الفضلاء والعلماء، منهم الأستاذ عبد الله الجراري (ت: 1983) رحمه الله، الذي كان ينشر مقالاته في منابر متعددة، قبل الاستقلال وبعده، وبقيت تلك المقالات منثرة هنا وهناك، إلى أن يسر الله إصدار المجلد الأول منها صدْر هذا العام (2021)، وهو في ثلاثمائة صفحة، صُدّر بمقدمتين، إحداهما للمعتني به صديقنا الدكتور المحقق إدريس الشراوطي، والأخرى للدكتور محمد احميدة العضو النشيط في النادي الجراري الذي تولى نشر هذا الجزء بمناسبة الذكرى التسعين لتأسيسه.

وقد بدا لنا بعد الاطلاع على هذا الجزء الفريد أن صاحبه كانت له بصمته الخاصة في الحركة الثقافية التي عرفها المجتمع المغربي في فترة حرجة من تاريخه؛ فترة جامعة بين أواخر الحقبة الاستعمارية وبدايات ما بعد الاستقلال؛ وهذا ما جعل الكاتب الجراري مخضرما بين الحقبتين. وقد تميزت مقالاته المجموعة في هذا السِّفر الذي وسمه بعنوانين: (روض المقالة، أو سوانح القلم)، بمميزات وإشارات إصلاحية، نجمل أهمها في الملاحظات الآتية:

أولا: عبد الله الجراري السلفي.

عُرف المغرب عبر العصور؛ علماء وعامة؛ بالتصوف السلوكي، واشتهر فيه الأولياء والعارفون، وضمت تربته رموزا منه وأقطابا، كأبي يعزى يلنور وعبد السلام بن مشيش والجزولي وغيرهم، ومع مرور الزمن، ظهرت مجموعة من السلبيات في ساحِ المتصوفة، مما جعل كثيرا من أهل الفكر والنظر يدعون إلى الإصلاح بمنهج خاص، وهو منهج العودة بالإسلام إلى صفائه قبل أن تعلق به – بناء على تصرفات أهله – تلك السلبيات، وهو ما اصطلح عليه حينها بالحركة السلفية، التي كانت امتدادا لنظيرتها في المشرق.

المزيد من المشاركات
1 من 30

يمكن اعتبار الأستاذ عبد الله الجراري من أعلام الحركة السلفية بالمغرب، وهي الحركة التي تدل من خلال اسمها (السلفية) على ضرورة الرجوع إلى السلف والتمسك بما كان عندهم من صفاء في الدين ونقاوة في الفهم، وهذا عينه ما تبناه الأستاذ في قوله عن الفقه: “أصبحنا اليوم في أمس الحاجة إلى تجديده والعود به تدريجيا إلى معينه الصافي، إلى عصوره الأولى، عصور المجتهدين والتابعين والصحابة والسنة والكتاب”[1].

هذه العودة إلى الوراء ليست نزعة ماضويةً من الرجل ونظرائه، بل كانت عودة إلى الوراء من أجل التقدم إلى الأمام، عودة إلى الذات من أجل النهضة، ولعل هذه السلفية كانت ردا من أهل ذلك الجيل على أطروحة تبناها بعض أقرانهم، مفادها أن النهضة/ التوجه نحو الأمام لا يمكن أن يتحقق إلا بالقطيعة مع التراث/الماضي، وبالانفصال عن الدين، تأثرا بما طالعوه من الأدبيات الغربية المغالية في اللائكية وموت الإله والدين الجديد وغيرها، وقد أفصح الأستاذ الجراري عن موقفه الرافض لهذه الأطروحة بقوله: “إننا نشعر بكوننا على حق حين نقدّر أن الشريعة الإسلامية تحتوي بوفرة على جميع المبادئ اللازمة للنهوض”[2].

هذا الموقف يبين أن رواد الحركة السلفية المغربية كانوا يواجهون جماعة من الانفصاليين (نسبة إلى الانفصال الفكري)، وفي الوقت نفسه، كانت لهم مواجهات مع كثير من الصوفية الذين ارتكنوا إلى التواكل أولا، وكانوا داعمين للاستعمار ثانيا، إلا أن بعض رموز السلفية غالوا في رد الفعل، فرفضوا التصوف جملةً، ودعوا إلى نبذه بالمرة، وهذا ما لم يقع فيه الأستاذ الجراري الذي تميز بالدقة، حيث لم يوجه سهام نقده لعموم التصوف والصوفية، بل خصه بما أسماه “الصوفية الكاذبة”، وهذا من تحريه رحمه الله، فقد بيّن أن مقالاته ودروسه كانت منذ شبابه اندفاعا من شاب منخرط في “نهضة قام بها الشباب المغربي كمقاومة للاستعمار وأذنابه المسخرين من أدعياء الصوفية الكاذبة”[3].

ومن ذكاء الأستاذ الجراري أنه ميّز بين الصوفية الصادقة والصوفية الكاذبة، وبيّن أن تسلل الأدران إلى التصوف سنة كونية، تقع في جميع الحركات والتوجهات، بل حتى العائلات الحاكمة تتسلل إليها الأدران، وقد اتخذ من معركة وادي المخازن تكأة لبيان الصالح من الطالح في تاريخ المغرب الذي لا يختلف عن حاضره.

ففي التصوف، بيّن دور الصوفي الكبير أبي المحاسن يوسف الفاسي في معركة وادي المخازن، باعتباره “رجل السيف والقلم، الذي كان وقتئذ بالقصر [الكبير]، جعل يهدّئ الأفكار، ويسَكّن النفوس، مشجعا السكان بالوقوف حجر عثرة في وجه العدو ليلزموا البلاد والمساكن، غير تاركين للعدو الماكر مجال التمكن من البلاد والتمركز بأطرافها”[4]، وهذا الصوفي في مقابل الصوفي الآخر، أبي عبد الله بن عسكر الشفشاوني، الذي لم يعضد الشرعية، ومال إلى المسلوخ وكان داعما له، وكأن الجراري يستحضر هذه الواقعة التاريخية ليعالج بها إشكال وقته وزمانه، حيث كان الشيخ أحمد الهيبة وغيره من رجال التصوف الصادقين، في مقابل عبد الحي الكتاني ونظرائه من رجال التصوف الكاذبين.

أما العائلات الحاكمة، فلم تكن بمنأى عن تلكم الأدران، لذلك تحدث في مقال [الانتصار في وقعة وادي المخازن] عن الأمير أبي عبد الله محمد السعدي، الذي انضم إلى العدو البرتغالي الصليبي، وقد أطلق عليه في المقال نعوتا قدحية، مثل المسلوخ والمخدوع، وفي المقابل، تحدث بإيجابية وإعجاب، عن ذكاء رمز الشرعية عبد الملك السعدي. وكأنه يعالج في المقال واقعه الراهن وليس واقعة تاريخية ولّت ومضت، خصوصا أنه عايش فترة محمد بن عرفة (من الأسرة الحاكمة) الذي انضم إلى العدو الصليبي، طاعنا في رمز الشرعية محمد الخامس رحمه الله.

وفكْر الجراري يقدّم لنا صورة مصغرة عن السلفية المغربية، وأنها ليست صورة طبق الأصل للسلفية الإصلاحية المشرقية، التي كان من روادها محمد عبده وعبد الوهاب النجار ومحمود شلتوت وغيرهم، لأن هؤلاء كانوا ضعافا في السنة وعلومها، وردّوا –على تفاوت بينهم- كثيرا من الأحاديث بمنهج غير علمي، بخلاف السلفية المغربية التي كان الجراري أحد أبرز رجالها، فإنه تحدث عن السنة النبوية وحجيتها، وأورد عقب ذلك إشارة لا تخلو من دلالة في هذا الباب، وهي قوله: “فكانت لهذا حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية لا يخالف فيها إلا مذبذب”[5].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

ثانيا: عبد الله الجراري والتاريخ.

التاريخ هو دراسة النواميس الكونية، وقوانين الصعود والنزول، والظهور والأفول، ولا يمكن للإصلاحي أن يعرض عن دراسة التاريخ، والجهل بأحداثه، لذلك كان الأستاذ عبد الله الجراري قارئا نهما للتاريخ، مستفيدا من أحداثه في تحليل الواقع ومقاربة إشكالاته، وقد استنكر على بعض منتقصي علم التاريخ، الذين يزعمون أنه “عبارة عن خرافات وقصص لا يشتغل بها إلا البطالون ومن خرفت عقولهم، وبعدوا عن فضيلة المعرفة”، فانبرى لإظهار مزايا هذا العلم وفضائله، وأنه “من أهم العلوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، به تسمو الأمم، وعلى ضوء نواميسه تبنى نُظُمها وقوانينها”[6].

وقد لمسنا حصافة الأستاذ الجراري وذكاءه في استدعاء واقعة وادي المخازن لمقاربة واقعه الحاضر، لذلك لم يسخط على الصوفية عموما، ولم يضجر من الأسرة العلوية الحاكمة عامة، بل أخذ وترك.

بخلاف من لم يستحضر التاريخ في مقارباته وتحليلاته، مثل غلاة السلفية الذين رفضوا التصوف جملة، لعميلٍ هنا أو خرافي هناك.

ومن مظاهر الحضور التاريخي في فكر الجراري، أنه افتتح بعض مقالاته بعبارات دالة على ذلك تصريحا لا تلميحا، مثل:

** “حدثنا التاريخ وقرأنا له أن حركة الفتح الإسلامي بالرقعة المغربية… “[7].

** “علمنا تاريخنا أن القائد موسى بن نصير الوارد على المغرب… “[8].

** “حقق التاريخ في سجله الأمين أن كلية القطر التونسي سبقت كلية المغرب الأقصى… “[9].

وإذا تجاوزنا هذا الفواتح التي يمكن أن نطلق عليها “براعة الاستهلال” بلغة البلاغيين، فإن مقالات الأستاذ الجراري تعدّ وثيقة تاريخية تؤرشف لأحداث ووقائع ومتغيرات عرفها المجتمع الإنساني عامة، والمغربي خاصة، على مستويات متعددة، مثل العمارة واللباس والطب وغيرها. ومن أمثلة ذلك:

** بعض المجتمعات التي تكثر الزلازل في بلدانهم، كانوا يتخذون “البيوت من الخشب، فرارا من الحجر والحديد”[10].

** وقوع زلزال مهول بفاس يوم السبت 22 رجب 1033 هـ، و”ما بقيت دار من دور فاس غالبا إلا ودخلتها الفؤوس”[11].

** كانت المرأة المغربية متعودة على لباس الحايك واللثام، ساترة وجهها وسائر بدنها، ولم ترتد الجلباب إلا في عهد متأخر، وقد رصد الأستاذ الجراري هذا التغير باعتباره شاهدا عليه، فقال متحدثا عن نفسه: “وكم يروق الكاتب ما أخذ يشاهده اليوم في نوع من النساء، أخذن يرتدين الجبة المتعارفة التي شاركت المرأة فيها الرجل، ثم يسترن رؤوسهن بخُمر مسترخية على الأكتاف كأنهن محجبات، لا يبدو منهن سوى الوجه والكفين”، وقد أبدى إعجابه بهذا اللباس، لأنه “إلى روح الإسلام وعنايته بالمرأة أمسّ منه بالسفور”[12].

** كان الشباب المغاربة مولعون بالطرب الأندلسي وطنيا، أو بالأهازيج التقليدية المرتبطة بمناطق انتمائهم (جبالة – أطلس… )، وبفضل وجود الإذاعات، صار الشباب يعيش بين ألوان الطرب الشرقي والغربي، “فلحظة مع الموسيقار الموهوب عبد الوهاب المصري، وآونة مع بلبل الشرق الصداح السيدة أم كلثوم، وهكذا نجده يعيش لحظات في أعماق الطرب الشرقي والإفريقي وغيرهما من أنواع الموسيقى العالمية، حيث ينسيه ذلك موسيقى بلده الشعبية والأندلسية”[13].

** علاج الأمراض العقلية والعصبية بالموسيقى، ووجود أوقاف بفاس خاصة بذلك، وهذه المعلومة أشار إليها الأستاذ الجراري في مقاله عن الأدب والموسيقى، وأن هذه الأخيرة “يتوصل بها أحيانا إلى علاج أمراض العقل والعصب، لحدّ قام بعض رجال المغرب وعلمائه، فوقفوا على علاج الحمقى ومن أصيبوا بالانحراف العقلي أوقافا بفاس، حيث تحضر الجوقة المركبة من هيأة المطربين بآلاتهم الوترية والنحاسية، فيغنون أصواتا ونوبات لا تلبث تجذب البعض من أولئك، تجذب المرضى الشاردي العقول، فينشطون للسماع، وتعود إليهم عقولهم كأحسن ما كانت”[14].

** مجلة المنار: انخرطت نخبة المغرب في حركة مقاومة لا تقل عن المقاومة المسلحة، وهي مقاومة الأمية ومحاربتها، وكانت هذه المقاومة متعددة الواجهات، منها التدريس في المدارس، وإعادة بث الدروس على أمواج الإذاعة، إضافة إلى تأسيس “مجلة المنار” التي نشرت على صفحاتها دروس هذا المشروع مرفقة بقصص وصور داعمة. ووجود هذه المجلة معلومة تاريخية لا يعرفها أبناء جيلنا، وللتسمية دلالة على تأثر الحركة التجديدية بالمغرب بنظيرتها المشرقية، التي كانت “مجلة المنار” للسيد رشيد رضا لسانا لها.

** التعليم المقاوم: كان التعليم في المغرب فرنسيا، ولما استفحل الأمر، عمل الوطنيون على تأسيس الكتاتيب القرآنية والمدارس الحرة، لكن الأستاذ الجراري يمدنا بمعلومات تاريخية ذات صلة بهذين المشروعين، أولهما: الكتاتيب القرآنية كانت ممنوعة في الأربعينيات من إعطاء معاهدها اسم [مدرسة]، و”كان من الضغط عليها والتضييق على برامجها المحدودة، صدور أمر صارم يمنعها من دراسة الحساب والتاريخ والجغرافيا”[15]، ثانيهما: كانت السلطات الفرنسية لا تسمح للتلاميذ المغاربة بـ”التعليم الثانوي”، لذا أطلق الوطنيون على المرحلة الثانوية لقب “التعليم التكميلي”[16].

** مرسى الرباط: لم يكن بوسع السلطات أن تقيم مرسى بشاطئ الرباط، لوعورة ذلك وصعوبته، نظرا لكثرة الأحجار والكهوف، لذا كانت السفن ترسو داخل البحر، وقد أشار إليها الجراري أثناء حديثه عن أحد السباحين الذي يقطع “مسافة في المحيط بعيدة، يبلغ فيها إلى مراسي السفن والبواخر الضخمة، حيث كانت لا تستطيع الدخول إلى الميناء لضيق حلق المدخل الذي يشترك فيه البحر ووادي أبي رقراق”[17].

هذه معلومات وغيرها، تدل على أن هذه المقالات من الإنتاجات الفكرية لعلمائنا ومفكرينا قد تكون مادة غميسة يمكن الاعتماد عليها لكتابة التاريخ الحضاري للأمة.

ثالثا: عبد الله الجراري واللغة العربية.

لم يقتصر نظر عبد الله الجراري على الاستعمار الفرنسي باعتباره استعمارا عسكريا، أو على أنه دولة احتلت دولةً ما مؤقتا لنهب خيراتها وتسويق سلعها، بل نظر إلى الاستعمار الفرنسي نظرة شاملة، باعتباره استعمارا عسكريا واقتصاديا وسياسيا، واستعمارا ثقافيا أيضا، لذلك تنبه إلى إشكالية المدارس الفرنسية، وإشكالية اللغة، وغيرهما من الإشكالات التي لم نحسم في أمرها إلى يومنا هذا.

تنبه الجراري إلى أن الفرنسيين أسسوا المدارس في المغرب تأسيسا قاصدا، وكانت تلك المدارس تروم تحقيق هدفين اثنين، هما نشر التعليم الابتدائي الفرنسي، ومقاومة مبادئ الإسلام الصحيحة.

وقد انتبه إلى أخطر أسلوب يعتمده التعليم الفرنسي في المدرسة، وهو أن “الطفل المغربي يستغرق في دراسة الفرنسية نحو الخمس ساعات في اليوم، وساعة في لغته، ما بين القرآن ولسانٍ ودين”[18].

هذا الهجوم اللغوي الثقافي لم يكترث به كثير من العلماء والشيوخ المرتبطين بالاستعمار، ولم يثبت عنهم مقاومته أو مناهضته، رغم أنهم من خريجي القرويين أو من شيوخ الطرق الصوفية، وقد تنبه إليه الغيورون من المغاربة، من أمثال الصوفي المربي سيدي محمد بن الصديق الغماري الذي ناهض إقامة مدرسة فرنسية بطنجة، وأفشل مشروعها، وكان الأستاذ عبد الله الجراري من المغاربة اليقظين لهذا الخطر اللغوي، فسجل ملاحظته حول زيارته لمنتجع إيموزار، وقال متحسرا: “كنت كل مدة الإقامة أشاهد الفتيات والفتية يمرّون جماعات جماعات، وقد صُقلت ألسنتهم باللغة الفرنسية، لا تجدهن أو تجدهم يتحدثون إلا بها، كلاًّ أو بعضا، كأنهم قوم خُلقوا وما خلقت لهم لغة، وكأنهم ما علموا أن عهد الاستعمار قد مات ولم يبق مبرر لترويج لسانه، والتحدث برطانته، في حين أن لهم لغة قومية، لغة وافية، لغة علمية فنية، لغة القرآن التي وسعت كل ما ينشأ من مبتكرات، ويدرج من مخترعات”[19].

هذا المشكل اللغوي سنجده حاضرا أكثر من مرة في هذا المتن الجراري، حيث يشير[20] إلى بعض المشاكل التي يتخبط فيها جيل ما بعد الاستقلال، “خصوصا مشكلة التعريب والانعتاق من ربقة التعجيم التي خلفتها تركة الاستعمار البغيض في إدارة المغرب العربي”، وهو هنا يضع الأصبع على الداء، ويربط بين التعجيم والاستعمار، ويربط بينهما ربط الشخص بظله، ويشير إلى أن التخلص من التعجيم لا يمكن أن يتحقق بسهولة ويسر، بل لا بد لتحقيق البغية من “السعي لها عن عقيدة وإخلاص”.

كلمتان جامعتان هامتان، لا بد من الالتفات إليهما والتأمل فيهما، هما “العقيدة والإخلاص”، ولعل هذه العقيدة والإخلاص قد غابا عن كثير ممن باشر تدبير أمور الأمة المغربية في مراحل متعددة من تاريخها المعاصر، لذا وقعت انتكاسات لغوية متعددة ومتراكمة، ليس آخرها اعتماد اللغة الفرنسية -قبل موسمين دراسيين من الآن- في تدريس مجموعة من المواد التعليمية.

هذا الواقع المزري يجعلنا نفهم كلمتي “العقيدة والإخلاص” في مقال الأستاذ الجراري، وأنه لم يكن يتعمد المجاز أو المبالغة، بقدر ما كان يروم الحقيقة، وكأنه تفرس في المستقبل، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: “احذروا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله”، لقد كان الجراري في المسألة اللغوية بمثابة “النذير العريان”، الذي وجب الاهتمام بمقوله، والإنصات إلى أقواله، فكان الحكيم الذي لم يستفد منه قومه.

يرون العجيب كلام الغريـ//ـــب، وقول القريب فلا يعجب.

وعذرهم عند توبيخهم//مغنية الحيّ لا تطرب.

رابعا: عبد الله الجراري والأدب.

كان الأدب -شعرا ونثرا- قوام الحياة الثقافية في المجتمعات الراقية، به نحكي واقع الأمة ونؤرشف أحداثها، وبه نروم تغيير الواقع فنحفز الهمم ونحض على الخير، وبه نمدح من يستحق المدح فنعلي من شأنه، ونهجو من يستحق الهجاء فنسجل عبر التاريخ الإقذاع في حقه.

كان الأدب رمز الحضارة، وكان الأدب معيار الرقي. لذلك كان الجراري ذواقا للأدب قديمه وحديثه، منغمسا فيه بلذة ومتعة، لكنه ابتلي بأقوام يستصغرون قيمة الأدب، ويستقلون أمره، وأثر عنهم دعواهم “أن الأدب علم من العلوم التكميلية التي لا تدخل في عريق المعرفة وجذورها، حسْبه أنه فنّ يتلهى به كل شخص عضّه الدهر بنابه، وركعت به عواصف الزمن، وتناولته الفلكة فيمن تناولته، حتى قالوا: [فلان أدركته حرفة الأدب]، إلى هذا الحد يصل الأدب عند المائعين ممن جفّت قرائحهم، وتحجرت أذهانهم، وبعدوا عن رقة العاطفة وجودة الرأي، فانثالوا عليه انثيالا، يكيلون له أنواع الحط والتنقيص، والرمي بكل ما يمكن أن يصبح ذريعة تفتّ في عضد الناشئين”[21]، وقد كرر هذا المعنى في موطن آخر[22]، وحكاه بحسرة أكثر، حيث عطفه على بعض العلوم والمعارف التي حاول البعض تهميشها، فقال رحمه الله: “أما الأدب الذي هو نقطة الارتكاز، ومحور العلوم جميعها، فكان حظه هو الآخر أسوأ لدى الطائفة المتحدث عنها، إذ كانوا ينظرون إليه كشيء يتفكه به، ليست له أهمية مرموقة في عالم المعرفة، بل بلغ بجرأة البعض أن كان يفتخر أنه لا يستطيع تحرير رسائله، بل يحيلها على أحد التجار”[23]، ليعلق على هذا الادعاء بعبارات دالة على ألمه وحسرته على هذا الواقع المتردي: “يا لها من مهزلة، ألا يعلم هذا الغر ما للعلوم الأدبية الاثنى عشر من مقام في عالم الفكر والثقافة، وما لها في ميدان الآلية العلمية من مكانة لا تقوم علمية العالم دون أن تكون له قدم راسخة في مقامها”.

والجراري بهذا الكلام ليس سوى النذير العريان، الذي يتفرس في المستقبل وكأنه يقرأ التاريخ الذي لم يقع في عهده، حيث عرف الأدب ومتعلقاته تراجعا حادا في النظرة العامة للمجتمع، وصرنا نسمع أصواتا نشازا تدعو إلى تهميش الأدب صراحة، مثل ذ. عبد الإله بنكيران رئيس الحكومة المغربية (2011-2017) الذي صرح في مارس 2016 بأن “مسالك الأدب والفلسفة لا تنتج الثروة، والمغرب ليس بحاجة للشعراء لإنتاج القصائد”. فهل دار بخلد الأستاذ الجراري هذا التصريح فأطلق تحذيره السابق؟

خامسا: عبد الله الجراري والمسألة الأخلاقية.

لم يكن الجراري من أعلام المجتمع الذين ينغلقون على الماضي ويكتفون به، بل كان منفتحا على المدنية الحديثة، دون أي استلاب قد يهدد كيانه الأخلاقي، وهو ما صاغه في عبارة عابرة: “المدنية والفضيلة”.

هذه “المدنية” جعلته ينفتح على الجديد، لكنه كان متمسكا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمحاربة كل ما يمس “الفضيلة”.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شعبتان من شعب الإيمان، ركز عليهما الإسلام في كثير من النصوص الشرعية الثابتة، وهما الشعبتان اللتان لم يقتحم عقبتيهما كثير من أهل العلم، لظروف وسياقات خاصة، قد تكون ذاتية أو موضوعية. لكن الأستاذ عبد الله الجراري لم يكن معرضا عنهما، بل احتل النهيُ عن المنكر حيزا مهما في مشروعه الإصلاحي.

في بدايات الاستقلال، زار منتجع إيموزار، فسمع الشبان المغاربة يتكلمون باللسان الفرنسي، فنشر ذلك وحذر منه، وهو منكر وأي منكر نهى عنه.

وفي الرحلة ذاتها، انتبه إلى منكر لا يمت إلى حضارتنا وأعرافنا بصلة، وهو الاختلاط الماجن بين الجنسين، في حالة يأباها الشرع وتمجها المروءة التي رضع لبانها منذ صغره، فكتب عن “المسبح العام الذي يضم الجنسين في تزاحم على أرصفته” وما صاحب ذلك من “مناظر تبغضها المبادئ السامية، وتشمئز منها تعاليم الإسلام الطاهرة”، وكأنه يحذر من تراجع منسوب الحشمة والوقار دون خجل أو وجل، رغم أن بعض المتمدنين يعتبرانهما مجرد “رجعة وتزمت”، وبعد هذا الوصف الدقيق لهذا المنكر الأخلاقي العظيم، سيوجه نداءه إلى هؤلاء المتمدنين وعموم المسؤولين، ولن يحتكم في ندائه إلا إلى المرجعية الإسلامية التي يعتبرها المعيار الحاكم على تصرفات الجميع، إضافة إلى ربط هذا الانحلال بالداء العضال الذي أصيبت به الأمة، وهو الاستعمار، “فبربّك متى أباح دين الإسلام الطاهر اعتناق الجنسين الأجنبيين، وتخصر أحدهما الآخر في أحاديث مزرية بالإنسانية والمروءة، تتبادل في تلك الأثناء السافلة؟ إلى هذا الحد أيها الشاب المغرور بلغ بك التمدن؟ وإلى هذه الإباحية المكشوفة أيتها الفتاة المسكينة بلغ بك الانحلال؟ فجعلتِ تمُدّين صلة الهدم التي كان الاستعمار ينشرها في الأوساط المغربية، وينثرها هنا وهناك بمناسبة وبدونها، هدماً لفضيلة الإسلام وهتك حرماته النقية، والاستهتار بأخلاقه الطاهرة”[24].

ولم يكتف الأستاذ الجراري بسرد تفاصيل الواقع، بل وجه نداءه إلى الشباب والشابات أولا، كما تجلى في الاقتباس السابق، ووجه نداءه إلى العلماء كي “يقوموا بأداء رسالتهم العلمية، فيوضحوا حقائق الإسلام الناصعة، وينشروا تعاليمها الأخلاقية، ويلقنوا الأمة مبادئ دينها الحنيف، بعرض سيرة الرسول الأعظم، وخلفائه الراشدين، وعظماء الإسلام، كي يستيقظ الشباب من سباته العميق، وينجو من انغماسه في ويلات الاستعمار ومختلف رذائله المتصادمة وروح الإسلام الحق، وشيم العروبة وغيرتها”[25].

وفي الوقت نفسه، وجه رسالة إلى المسؤولين عن تدبير الشأن العام، بضرورة إحداث جهاز أمني يمكن تسميته بـ”الشرطة الأخلاقية”، التي تسهر على حماية الأبرياء من الوقوع في “بحبوحة الميعة والانحلال”[26]. وكأنه يعترف بأن دور العلماء وحدهم لا يكفي، كما أن الاقتصار على الشرطة والأمن لا يجدي، لذا دعا إلى وازعي القرآن والسلطان مجتمعين.

هذه المقاربة الأخلاقية للأستاذ الجراري، تتميز بكونها رؤية واقعية غير مثالية، وهي الرؤية الجامعة بين ثنائية “المدنية والفضيلة”، وهي التي ستتجلى أكثر في مقاربته لقضية التعامل مع الأبناك والمصارف الربوية التي ظهرت في المجتمع في الحقبة الاستعمارية وما بعدها.

اعتبر الجراري -كما اعتبر غيره- أن قضية المصارف والأبناك من “المشاكل الشائكة في عصرنا”، وهي مشكلة تجمع بين مؤسسات بنكية حديثة، تمثل “المدنية”، والمعاملة الربوية التي ليست سوى استغلال للضعفاء، وهي ممارسة تتعارض مع “الفضيلة”.

انبهر كثير من الناس بهذه المؤسسات، واستسلموا أمامها، واعتبروها مما يمكن التطبيع معه دون أن يُستنكر أو يُرفَض، لكن الجراري وقف مستنكرا على هؤلاء، مبينا لهم أن المدنية لا يمكن القبول بها إن كانت فاقدة للفضيلة، فقال رحمه الله: “ولكن من الناس من نظر اليوم أن إباحة الربا  ركن من أركان المدنية، لا يقوم بدونه، فالأمة التي لا تتعامل بالربا لا ترتقي مدنيتها، ولا يُحفَظُ كيانها، وهذا باطل في نفسه، إذ لو -فرضا- تركت جميع الأمم أكل الربا، فصار الواجدون فيها يقرضون المعدمين قرضا حسنا، ويتصدقون على البائسين المعوزين، ويكتفون بالكسب من مواردها الطبيعية كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات؛ ومنها المضاربة؛ لما زادت مدنيتهم إلا ارتقاء ببنائها على أساس الفضيلة والرحمة والتعاون الذي يحبب الغني إلى الفقير، ولمَا وُجد فيها الاشتراكيون الغالون، والفوضويون المغتالون”.

وهذه دعوة إلى ربط المدنية بالقيم الأخلاقية، وضرب في ذلك المثال بالحضارة الإسلامية التي “لم يكن الربا من أركانها، فكانت خير مدنية في زمانها، فما شرعه الإسلام من منع الربا هو عبارة عن الجمع بين المدنية والفضيلة، وهو أفضل للبشر في حياتهم الدنيا”[27].

سادسا: عبد الله الجراري وعالَم الفقهاء.

عرف الفقه الإسلامي نهضة لا مثيل لها في القرون الأولى من عصر الصحابة ومن بعدهم، ثم دخل في أطوار الانكماش والتدهور ردحا غير قليل من الزمن، تقررت فيه عدة مقولات لا زمام لها ولا خطام، وقد أصيب القطر المغربي بنصيبه من هذا الانحدار، وبقي مترسخا فيه إلى أن وصل إلى عصر الأستاذ الجراري، وقد حكى لنا بعض مظاهر التخلف، منها أن العلماء والشيوخ صاروا يتمسكون بنوع من القدسية بالمختصرات الفقهية وكتب المتأخرين، ويعرضون عن مصادر التشريع الأولى؛ القرآن والسنة؛ لدرجة أن علماء المغرب كانوا يزعمون “أن دراسة القرآن وتفسيره وتفهمه يفضي إلى موت السلطان”[28]، فكان هذا التشاؤم -غير المشروع أصلا- حائلا دون التعمق في درس القرآن وتدبره.

وإذا كان للفقهاء دور في الإعراض عن القرآن، فإن إعراضهم عن العلوم العقلية آكد وأولى، وأورد لذلك مثالا من العهد المرابطي، حيث كان “فقهاء الدولة” يعرقلون “الحركات الفلسفية والعقلية وما يمت إليها بسبب، كالآداب الحية النيرة”، لذلك نعت أصحاب هذا الفكر بـ”غلاة الفقه الإسلامي ورجال تحكيم جزئياته الضيقة في الأوساط الشعبية المغربية، الذين كانوا يقفون حجر عثرة ضد كل تفكير حر، يسمو بأبناء البلاد للترفع عن أجواء التقليد وعدم الرضا برسوم سطحية يقضي فيها على معنوية الناشئين من أبناء المغرب العربي”، واستحضر واقعة إحراق كتاب الإحياء للغزالي، واعتبرها “جناية كبرى”، واتخذها مستندا للكشف عن الخصائص العامة للعقل الفقهي منذ ذلك الحين إلى عهده، فكانت هذه الحادثة كافية في نظره “للاستدلال على انكماش الفقهاء لذلكم العهد البعيد على معلوماتهم الجافة، وعدم اتساع عقليتهم لإشعاعها الفلسفي بكل ما يحمله من آيات وأسرار لا يخلو منها كتاب الإحياء المشبع بنور التشريع الحي وفلسفته المشرقة”[29].

والجراري مخالط لفقهاء عصره، ومطلع على آثار أسلافه وسيرهم، وحين يتحدث عنهم أو عن تراثهم تراه يتكلم بلسان الخبير المطلع، وقد نعى عليهم أمورا، منها:

** تعقيد عبارات كثير من مصنفاتهم، لذلك دعا إلى “تبسيط الأحكام وتذليل ما يتخبط في خضمه المائج المجموعُ الإسلامي من أجل فتاوى الفقهاء والمتأخرين منهم على الأخص”[30].

** عدم إيلاء نصوص الكتاب والسنة الأهمية اللائقة بهما، واستعانتهم بالسلطان وما له من نفوذ وقوة لإسكات الأصوات الحرة المنعتقة عن الباراديغمات الموروثة، لذا تحدث بصراحة عن “أولاء الفقهاء الذين استحوذوا على البلاطات، وجرّوا ذيل النسيان على نصوص الكتاب والسنة، وحذروا من فحواها، ساعين في مقاومة الآراء الحرة بما تمهد لهم من سيطرة باسم الفقه والدين”[31]، كما أشار إلى ابتعاد الفقهاء المتأخرين عن الأدلة، ما جعلهم يغرقون في التخريج الفقهي، فأفسدوا بذلك الفقه[32]، و”إفساد المتأخرين للفقه” هي نفس العبارة التي نقلها الشاطبي عن القباب، ولعل الجراري وقف عليها في [المعيار]، أو هي من توافقاته مع القباب.

وفي مقابل هذه الانتقادات الجرارية، فإن الأستاذ يطرح أفكارا متقدمة قد لا يستسيغها كثير من فقهاء عصره، منها:

1-  ضرورة الانفتاح الفقهي:

كان فقهاء المغرب مقتصرين على المذهب المالكي، لا يتجاوزون الرسالة والمختصر والتحفة والمرشد المعين، وما عليهما من شروح وحواش، ولا يكادون يعرفون بعض الفروع من خارج المذهب إلا إن طالعوها في هذه المصنفات، ولم تكن مصنفات المذاهب الأخرى تدرس في القرويين أو غيرها من المراكز العلمية.

هذا الانكماش المذهبي لم يرق الأستاذ الجراري ولم يستسغه، خصوصا أنه من دعاة التجديد والإصلاح، فعمد إلى تأصيل الانفتاح على المذاهب من خلال أصول المذهب المالكي ذاته، وكأنه يبين للفقهاء أنه وإنْ دعا إلى تبني فروع من خارج المذهب، فإنه ملتزم بأصوله، ولعل قصده هنا هو أصل مراعاة الخلاف، وهو الأصل الذي جعل المذهب المالكي “لا يكاد يحجر في شيء الأخذ ببعض مبادئ غيره من المذاهب الأخرى، ما استبانت المصلحة وتقوى جانبها نحو نازلة من النوازل الطارئة؛ مدنيا وجنائيا؛ تطمئن النفوس إليها”[33].

ولم يكتف الأستاذ الجراري بالدعوة إلى الانفتاح على المذاهب الأخرى في الإفتاء والبحث الفقهي فحسب، بل دعا إلى إشراك غير المالكية في صياغة دستور المغرب، فدعا الملك محمدا الخامس إلى استدعاء رجال اختصاصيين “من الأقطار الشقيقة التي تتمذهب بمآخذ الشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل” للمشاركة في هيأة علمية تهيء الدستور[34].

وإذا كانت هذه دعوته في الدستور، وهو أسمى قانون في الوطن، فإنها في القوانين الأدنى أولى وآكد، لذلك دعا “إلى إعادة النظر في الأحكام الجاري بها العمل، والسعي علميا في وضع إطار قانوني صالح منقح لقبول المشاكل المتجددة والمتلونة في غير اقتصار على المذهب المالكي، بل يشمله وسواه مما تدعو النوازل إليه وتصبو إليه الحاجة الملحة”[35].

2-  جواز التلفيق:

اضطر كثير من الفقهاء إلى الانفتاح في جزئية ما على مذهب آخر، وهو ما حدا بالأصوليين إلى مناقشة مسألة التلفيق بين المذاهب، وقد منعها البعض، وأجازها آخرون، وقد رجح الجراري الجواز، وفاقا لنظرته الإصلاحية الانفتاحية، وقد أشار إليها في سياق الحديث عن تجويز ابن حنبل وغيره الإجارة بالجزء قياسا على القراض والمساقاة، فقال: “وقد اختلف علماء الأصول في جواز الانتقال من مذهب إلى آخر في بعض المسائل، والصحيح من جهة النظر جوازه”[36].

3-  عدم الجمود على الأقوال الفقهية:

يلاحظ الباحث أن كثيرا من الفقهاء يتمسكون بأقوال المتقدمين كتمسكهم بالنصوص المقدسة، وقد هالني الأمر لما طالعت بعض مداخلات الفقهاء في سياق النقاش المحتدم حول الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، أو في بعض المناقشات ذات الصلة بموضوع الإرث، حيث كانوا يستحضرون من المدونات القديمة نصوصا ذات صلة بالقوامة والطلاق والمفاضلة في الأنصبة وغيرهما، ويطرحونها في النقاش العام مع أناس يختلفون معهم جذريا في المرجعية الفكرية والثقافية.

هذه المسألة استحضرها الأستاذ عبد الله الجراري في مناقشاته الفكرية، ليبين أن بعض الآراء قد تكون صالحة في سياقها الزماني والمكاني، لكننا لسنا ملزمين بالتمسك بها واستنساخها لعصرنا، قال رحمه الله واضعا خارطة طريق للتعامل مع نصوص التراث الفقهي: “قد تبدو بعض الأحكام في جوهرها غير صالحة لمسايرة العصر الحاضر، وهذا لا يمنع أنها كانت متلائمة وماضيا عتيقا، وظروفا مواتية متفقة وحياتها الغابرة، الشيء الذي لا يدعنا نجمد معها اليوم، بل نعمل في تطور على انتقاء ما تدعو إليه حاجيات العصر ومجريات عهده الجديد، فنخطو خطوات في التجديد، باحثين في الأصلين وباقي الأدلة عما يلون الأقضية ومشاكلها بلون الطراوة والجِدّة، مستفرغين الفكر لتوسيع النظر في دائرة الأدلة المفصلة”[37].

4- التمييز بين مجالي العبادات والمعاملات:

بالتأمل في صنيع وزارة الأوقاف وغيرها من المؤسسات الرسمية، نجدهم ينفتحون على غير المذهب المالكي في القانون (المعاملات)، ويتشبثون به في العبادات حتى وإن كانت أقوالا مرجوحة، كإرسال اليدين في الصلاة، والتسليمة الواحدة، وغيرهما.

هذا التصرف جعلني أتأمل المسألة، وأقول بان المؤسسات تتعامل بالمنطق المعكوس، لأن التشبث بالمذهب قد نستسيغه في المعاملات، لأن الأمة الواحدة لا بد أن تكون موحدة في القانون المؤطر لتلك المعاملات، بخلاف التعبد، فهو علاقة بين المرء وخالقه، فمن لم يقتنع بالإرسال وضع اليمنى على اليسرى، ويقاس على هذا غيره، وهذا الاختلاف في الشعائر لا يؤدي إلى التنافر والصراع المجتمعيين، بخلاف البيوع والإيجارات وغيرهما.

هذا التمييز بين المجالين، تنبه إليه بحسه الذكي الأستاذ الجراري رحمه الله، فقال بعد الحديث عن القياس: “وكل هذا يكون في قوانين التعامل، أما العبادات فكل مجتهد عليه العمل برأيه، وكل مسلم له أن يقلد من يختار من المجتهدين الموثوق بعلمهم، وليس معنى هذا أنه يحجر عليه في التفكير مجردا، فإن اختيار الشخص لنحلة من النحل، وطريقةِ مجتهدٍ من رجال الإسلام، هو نفسه يعد تفكيرا يرفعه عن صيغة التقليد”[38].

سابعا: عبد الله الجراري والمسألة التعليمية.

الأستاذ عبد الله الجراري متعدد الاهتمامات والمهام، إلا أن المسألة التعليمية استحوذت عليه، وطغت على فكره، ولم يبخل عليها بعطائه وإبداعه، وقد قاربها من زوايا متعددة، منها:

1* التعليم الذي فرضه المستعمر على المغاربة:

سجل مواقفه الرافضة له، وقد أبرزنا بعضها في سياق حديثه عن التعجيم اللغوي.

2* التعليم الحر:

كان أغلب المغاربة ممنوعين من المدارس الفرنسية، وكانوا يتلقون تعليما بسيطا، وبعدها يجتهد الوطنيون في توجيه نخبة من التلاميذ إلى الدول الشرقية (مصر – العراق – سوريا)، ومن الصعب الاستمرار على هذه الحال، لذا اهتدى الوطنيون إلى إنشاء مدارس التعليم الحر، هذا التعليم كان بمثابة مقاومة، بل هو أهم من المقاومة المسلحة، وقد عرف الأستاذ الجراري أهميته، لذا لم أفاجَأ حين قرأت وصفه له بـ”التعليم الحر المقدس”[39]، وقد تولى التعليم الحر تخريج الأطر التربوية، وكذا الحفاظ على هوية المغاربة التي أريدَ طمسها وتشويهها، وهذا ما سجله الأستاذ الجراري ضمن خدمات هذا التعليم “أن جل معلمي المدارس الرسمية من متخرجيه، بل لولا التعليم الحر ومعاهده الخالدة، لكان القضاء على اللغة العربية ومبادئ الإسلام الصحيحة”[40].

هذا التعليم الحر، أو التعليم المقدس، وقعت له بعض الانحرافات، فرضت على لغة الأستاذ الجراري الابتعاد عن المجاملات، والحديث بصراحة المصلحين، فنبه إلى بعض المخاطر التي نعيشها في حاضرنا، وكأن الأستاذ الجراري معنا، يقارب مشاكلنا لا مشاكل جيله.

ومن أهم الانحرافات التي تسربت إلى التعليم الخاص، انحراف خاص بالموارد البشرية، وانحراف خاص بمقرات المؤسسات.

بالنسبة للموارد البشرية، نبه الجراري إلى أن مهنة التعليم قام بها “رجال أكفاء، خُلقوا لأداء رسالته بإخلاص وصدق وعزيمة”، أما إذا انخرط فيه “من لا صلة له به، ولم يكن درج في ميدانه قبل”، فهنا بداية الانحراف، وهو انحراف سيتعمق أكثر حين انتبه إلى اندماج رجال في صفوفه “هم إلى الأمية أمسّ منهم بالطلب البسيط”، وهؤلاء موجودون في التسيير والتدبير، وفي التدريس والتلقين[41].

أما بالنسبة للمقرات المدرسية، فلاحظ الأستاذ الجراري الفوضى التي وقعت، وكان دقيقا في توصيفها، حيث اعتبرها دكاكين، وأن كل من تجرأ على أن يلبس حلة ناظر أو مدرس، يتجرأ “على فتح دكان أو منزل لا يتجاوز أمتارا معدودة باسم مدرسة حرة، يحشر فيها طائفة من أطفالنا الأبرياء، مستغلا إياهم في مصلحته الخاصة”[42].

3* انتقاد مناهج التدريس العتيقة:

كان الأستاذ الجراري ذا حس تربوي مرهف، جعله ينتبه إلى عقم مناهج التدريس في التعليم العتيق، وقد لاحظ عليها ملاحظات سلبية، منها[43]:

  • الشيخ يحفظ الدرس ويمليه على تلاميذه إملاء، وهم صامتون كأن على رؤوسهم الطير.
  • لا يحق لأحد من الطلبة أن يقاطع الشيخ بسؤال، وتصرف كهذا يعدّ خارجا عن حدود اللياقة والأدب.
  • الأمثلة التي يوردها الشيخ صارت مثل “الكليشيه”، وليست له القدرة على ابتكار غيرها، وبعضها أكل عليه الدهر وشرب.
  • كثرة الاستطرادات التي يحشى بها الدرس، وغالبها بعيد عن الموضوع، كأن يكون الدرس في الفقه، وهو مليء بالاستطرادات من النحو أو البلاغة.

لم يستسغ الأستاذ الجراري هذه المنهجية، وأشار إلى نقيض ذلك مما يجب أن يُعتمَد في التدريس، واعتبر الملاحظات السابقة أشياء “تتصادم وبنود التربية والتعليم، وما تفرضه طرقه المنتجة من تشريك التلاميذ، وتعويدهم على الفهم، وتمرينهم على الأخذ والرد، وتربية ملكة الشجاعة الأدبية في نفوسهم، حيث يتهيؤون بذلك لمواجهة الحياة وخوض غمارها عن تجربة”، وهذا توجيه تربوي دقيق، ينم عن رؤية تربوية حصيفة، صادرة عن رجل الميدان، الذي رأى وسمع كثيرا من الطرائق المنحبسة وغير المنتجة في التربية والتعليم.

ومن نظراته التربوية الدقيقة، أنه اجتهد في تعريف أهل العلم ببعض المصادر لأهميتها، مثل “عيون المسائل من أعيان الرسائل” لعبد القادر بن محمد الحسيني الطبري من علماء القرن العاشر الهجري[44]، وكذا “إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول” للإمام الشوكاني اليمني.

كان مدرسو المغرب في ثانويات التعليم الديني يدرسون الأدب وأصول الفقه اعتمادا على مصنفات غير ميسرة، فأرشدهم الأستاذ الجراري –وهو المفتش التربوي الحذق- إلى هذين المصدرين لما يتميزان به من فوائد تربوية وبيداغوجية.

مثال: لماذا أرشدهم إلى “الإرشاد” للشوكاني؟

كان أغلب المدرسين يعتمدون على جمع الجوامع للسبكي، وهو كتاب مختصر، وعبارته مكثفة جدا، لذا كان في حاجة ماسة إلى الشرح، وكان الشرح المعتمد غالبا هو شرح العلامة المحلي، وهو عالم كبير، لكنه كان يتفنن في تعقيد العبارة، فكان الطلبة يعانون من المتن، ويعانون من الشرح.

وأحيانا يقع الاعتماد على مفتاح الوصول للشريف التلمساني، وهو كتاب لا يصلح للطلبة المبتدئين، لانغلاق عباراته باعتراف المدرسين في تلك المرحلة.

في هذا السياق، كتب الأستاذ الجراري مقالة؛ هي عبارة عن توجيهات تربوية؛ بعنوان [حول الكتب المغفلة]، قدم من خلالها تعريفا مختصرا بالكتاب بابا بابا، وأهم فكرة أراد تبليغها للمدرسين، هي أن هذا الكتاب أيسر لكم ولطلبتكم، لذا صدرت منه عبارات متعددة أثناء وصف الكتاب، مثل:

  • “بعرض شيق وأسلوب سلس سهل يجذب النفوس ويبعث روح الشوق في الطالب المستطلع… “[45].
  • “منيرا السبيل للطالب في تعابير مبسطة تنشط وينفتح لها الصدر في ذات الوقت…”[46].
  • “مدللا بأمثلة حية يستسيغها الطالب عن كثب دون أن يجد مشقة في اقتباسها”[47].
  • “بأسلوب مبسط حي”[48].
  • “وهنا نرى الكاتب يلبس من جديد حلة قشيبة دمقسية ينشرح لها الصدر أكثر… دون ما عسر يجده الطالب في صلب بحوث الكتاب”[49].
  • “بنفس الأسلوب ونفس الروح المرنة على السهولة في العرض والتعبير…”[50].

ليعبر في النهاية عن إعجابه بهذا الكتاب بعبارات واضحة: “بيّنها الكتاب بيانا واضحا قد لا يوجد في مثله من كتب الفن” [51].

وهذا المقال يدل على إيمان الرجل برسالته التربوية، وجهوده الإصلاحية في حقل التربية والتعليم.

ثامنا: عبد الله الجراري والفكر السياسي.

اجتمعت في الأستاذ عبد الله الجراري خصلتان، أولاهما: المشاركة السياسية والعمل السياسي الميداني، خصوصا في الحقبة الاستعمارية. ثانيتهما: التنظير السياسي.

هذا الجمع بين الحسنيين صقل فكر الأستاذ الجراري، وزاده نضارة كونه “من دعاة التجديد والإصلاح”[52]، الذين يعودون إلى الأصول الأولى للتشريع، ولا يكتفون بالوسائط، وهذا ما تجلى بوضوح في مقالات الأستاذ، حيث لم يرجع إلى الماوردي أو غيره من منظري الأحكام السلطانية، رغم أنهم عمدة معاصري الجراري ومن قبله ومن بعده، بل رجع إلى أصول الشرع، ليقرر مبادئ كلية، هي غاية في النفاسة والدقة، وتدل بجلاء أن صاحبها يتنفس الإصلاح والتجديد حقيقة لا ادعاء.

ومن أهم ما سطره في فكره السياسي، مما يعتبر مبادئ أساسية، تناقَشُ الفروع على مقتضاها وبناء عليها:

 لا للدولة الدينية:

لم يعرف المغرب الدولة الحديثة إلا مع الاستعمار، وبعد الانعتاق من نيره، كانت كل الأبواب مشرعة أمام المغرب، وكل يدلي بدلوه، وكان للفقهاء وجود ومكانة، وهم إما أصدقاء الاستعمار، أو أصدقاء السلطان (خصوصا أن محمدا الخامس خريج القرويين)، أو أصدقاؤهما معا، دون أن نغفل نفوذهم في الأوساط الشعبية.

إضافة إلى هذا النفوذ، فإن كثيرا منهم لم يستوعب بعد تقنيات العمل في الدولة الحديثة، وثقافتهم تحن إلى “دولة الفقهاء”، لذا كان من السائغ أن نجد حنينا إلى تأسيس “دولة دينية” في المغرب، خصوصا أن هذا التوجه يرضي بعض السلاطين، حيث يخولهم الحكم بناء على الحق الإلهي، ويرضي الفقهاء، لأنهم حاشية السلطان وأولو الحل والعقد معه.

هنا سيرفع الأستاذ الجراري صوته ليرفض الدولة الدينية، وليبين أن الحاكم لا يستمد مشروعيته أو سلطته من الله، وفي الوقت نفسه، يجب على الحكومة أن تحتكم إلى شرع الله، لأنها “حكومة إلهية”.

عبارة “الحكومة الإلهية” قد تهدم كل ما بناه الأستاذ، لما يصاحبها من لبس وغبش، وهو ما اضطر الأستاذ الجراري إلى التوضيح والتفصيل والتدقيق، فيقول رفعا لكل شبهة: “الحكومة الإسلامية هي حكومة إلهية، تسير حسب ما شرعه الله، فلا يُفهَم من هذا أنها حكومة [تيوقراطية]، وهي التي تترجم عادة بالدولة الدينية، ويقصد بها الدولة التي يستمد بها الحاكم سلطته من عند الله، سواء أكان فردا أم جماعة، هذه الفكرة التي تقوم عليها الحكومة الدينية فكرة بعيدة كل البعد عن مبادئ الإسلام وتشريعه، فهي تستمد جذورها من الأفكار الدينية القديمة التي كان رجال الدين والملوك يدّعون لأنفسهم بأن سيادتهم مستمدة من الله، فيشرعون للناس قانونا من أنفسهم حسب ما شاءت أهواؤهم…  أما الدولة الإلهية الإسلامية فتشتمل على التشريع الذي جاء به القرآن، والذي لا يستبد بالحكم به طبقة من رجال الدين”[53]..

الشعب مصدر السلطات:

الدولة الإلهية، أو الحكومة الإلهية في نظر الأستاذ الجراري، هي الحكومة أو الدولة التي لا تتعارض أحكامها وتشريعاتها وقوانينها مع شرع الله تعالى، دون أن يستمد الحاكم سلطته من الله، بل يستمدها من الشعب، ويؤصل لهذه المصدرية من القرآن، “الشعب مصدر السلطات، ولهذا كان الله تعالى يخاطب المؤمنين كافة عندما يأمرهم بتنفيذ أحكامه بقوله: “يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى”، ويقول سبحانه: “والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما”[54].

النفَس الإصلاحي للأستاذ الجراري هو الذي خول له الحديث عن “الشعب مصدر السلطات”، وهي عبارة غير متداولة عند أمثاله من خريجي القرويين، بل هي عبارة غير سائغة عند جماعة من متشرعة عصرنا. أما الأستاذ الجراري فيقرر هذه العبارة، ويؤصلها بالآيات السابقة، ويؤصلها بمنطق قرآني آخر، وهو أن الشعب لم يُمنح حق المصدرية تلك بمنطق شعبوي أو غوغائي، بل “لأنه في نظر القرآن هو خليفة الله ونائبه في عمارة الأرض، [وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة]”.

هكذا بكل وضوح، الشعب يرتقي عند المثقف الجراري إلى رتبة خلافة الله في الأرض، وهذا ما لا تستطيع أن تتبناه كثير من أدبيات النخبة المثقفة في المغرب، حتى أن د. عبد الكبير العلوي المدغري ألقى درسا رمضانيا أمام الملك الحسن الثاني، خلاصته وزبدته أن الملك/السلطان ظل الله في أرضه. وشتان بين الرجلين الجراري والمدغري، وشتان بين الفكرتين.

فالفكرة الأولى تقدمية بامتياز، والثانية موغلة في القروسطية.

والأولى مستندة إلى القرآن، والثانية مستندة إلى حديث قال فيه أهل الاختصاص موضوع أو شديد الضعف.

من هنا نلمس الإضافة النوعية للفكر الإصلاحي للأستاذ الجراري رحمه الله.

 أولياء الأمر ومبدأ الاختيار:

نص الإسلام على طاعة ولي الأمر، فمن هو ولي الأمر عند الجراري؟ وما هي شروطه؟ وكيف نتعامل معه؟

1* ولي الأمر يُختار بطواعية ودون أدنى إكراه.

2* ولي الأمر يخضع لرقابة الأمة، لأنها مصدر الشرعية.

3* ولي الأمر يكون [من] الشعب، “وأولي الأمر منكم”.

4* أولياء الأمر لهم سلطان النظر والبحث فيما له علاقة بمجال اختصاصهم بناء على المصلحة، وليس لهم الحق في النظر في قضايا العقائد والعبادات.

5* الحاكم ينفذ ما اتفق عليه مجلس الأمة، وإن أبى أسقطوه[55].

تاسعا: عبد الله الجراري قوة اقتراحية.

لم يكتف الأستاذ عبد الله الجراري بالحديث عن الواقع وتفاصيله، أو بسرد وقائع التاريخ، بل كان – بوعيه وبحسه الإصلاحي – يقدم مقترحات متعددة، حول مواضيع متفرقة، ويكفي أن نُذَكر بمقترحه السابق حول تشكيل لجنة الدستور، وتعزيز عناصرها بعلماء أعلام من المذاهب الحنفي والشافعي والحنبلي، إضافة إلى أن بعض مقالاته تعرف طبيعتها الاقتراحية من العنوان، مثل مقال “مشاكل تعانيها التربية، وما يبدو من حلول إزاءها”، وهو المقال الذي كتبه سنة 1963، وتقدم فيه بعدة مقترحات، منها:

** اقترح ضرورة تشجيع أطر التربية والتعليم، وتطييب نفوسهم، وذلك لتحفيز الأكفاء على الانخراط في سلك التعليم، وعدم تفضيلهم القطاعات الأخرى.

** اقترح على أجهزة الدولة جمع المشردين من الشوارع والطرق، خصوصا من الأزقة القريبة من المؤسسات التعليمية، حمايةً للتلاميذ من خطرهم، واقترح في هذا المجال إحداث “شرطة أخلاقية”، كما اقترح تسهيل فتح أبواب العمل في وجه هؤلاء المشردين، وتعليمهم تعليما عاما.

** اقترح الاهتمام بفكرة تربوية مهمة، وهي ضرورة تجسير الهوة بين البيت والمدرسة، وإحداث تقنية للتواصل بينهما خدمة لمصلحة التلميذ.

** اقترح تصحيح أوراق الامتحان من قبل لجنة من الأساتذة، وضرورة وضع سلّم موحد لكل مادة، تفاديا لمشكل كان يعاني منه التلاميذ على المستوى الوطني، حيث تبقى ورقة التلميذ رهينة نظرة من النظرات ينصب التنقيط عليها، فيذهب التلميذ ضحية النظرة المتعاكسة، وتضيع جهوده ويمنى بالفشل.

ومقترحات الأستاذ الجراري متنوعة لتنوع اهتماماته ومواهبه، فتجده يقدم مقترحات للنهوض بالموسيقى المغربية[56]، ومقترحات أخرى لتجويد القدرات اللغوية للعاملين بالإذاعة الوطنية[57]، وأختم بمقترحه في الجانب العدلي، فإن “مجلس الاستيناف الشرعي” كان يضم خيرة العاملين في السلك القضائي، وكانوا يشتغلون بطريقة علمية دقيقة، إنْ على مستوى الشكل المسطري أو على مستوى الموضوع، وبعد سنوات من الاشتغال، حقق المجلس تراكما في المادة القضائية التي ناقشت عددا من النوازل والقضايا، يمكن اعتبارها “معلمة تشريعية” ثرية بالمناقشات الفقهية والقانونية، لا يمكن إهمالها لكونها “ذخيرة ثمينة، وعصارة أفكار رجالات مرّوا بالمجلس الاستينافي”، لذا اقترح الأستاذ الجراري – حماية لهذه الثروة غير المادية من الضياع – على وزارة العدل أن تهيء لها ثلة من العلماء المختصين لينتقوا منها ما يمكن تنضيده وجمعه في “موسوعة تشريعية يُرجع إليها في التشريع الجديد”، وإنقاذ تلك الاجتهادات الفقهية والقضائية من سلة المهملات[58].

هذا المقترح الجراري لم يُلتفت إليه إلا بعد عقود من الزمن، حيث التفتت محكمة النقض إلى تلك الثروة القضائية، وأصدرتها في مجلدات، وفق ترتيب موضوعي، مثل المادة العقارية، مادة الأحوال الشخصية، المادة المدنية… وهذا يدل على حصافة رأي الأستاذ الجراري، وانتباهه إلى هذه المادة في وقت مبكر جدا.

خاتمة:

بعد هذه الجولة الممتعة مع الجزء الأول من مقالات الأستاذ عبد الله الجراري، يتبين لنا أن الأستاذ كان ذا قلم سيال، وذا فكر حر ويقظ، يجعلني أقول مطمئنا أنه كان سابقا لزمانه، كما أن مقالاته تدل على أنه كان متعدد المواهب، فهو يتحدث في الفقه حديث خريج القرويين، ويتحدث في القضاء والقانون كأنه من كوادر وزارة العدل، ويناقش قضايا الموسيقا وطبوعها ومقاماتها كأنه أحد روادها، أما الأدب والتاريخ فهُوَ هُمَا، أو هُمَا هُوَ، ناهيك عن ذكائه الحاد في فهم أجندة الاستعمار وإدراك خطورته وخطورة أساليبه وأتباعه.

كما أن هذه المقالات تكشف عن صفة من صفات الرجل، وهو أنه إنسان عملي، لا ينتقد من أجل الانتقاد، وإنما ينتقد ويطرح البدائل الممكنة والواقعية.

هذا، وإذ نبارك للنادي الجراري إصدار الجزء الأول من هذا الكتاب، فإننا نرجو أن يواصل عمله لإصدار الأجزاء المتبقية، حتى ينتظم عقدها، ويطلع الباحثون على فكر هذا الرائد كاملا غير منقوص.

abdellah4144@hotmail.fr


[1]  عبد الله الجراري، سوانح القلم، أو روض المقالة.

منشورات النادي الجراري، دار أبي رقراق، الرباط، ط: 1. 2021. صفحة: 280.

[2]  المرجع السابق: 256.

[3]  المرجع السابق: 25.

[4]  المرجع السابق: 37.

[5]  المرجع السابق: 134.

[6]  المرجع السابق: 188.

[7]  المرجع السابق: 145.

[8]  المرجع السابق: 149.

[9]  المرجع السابق: 226.

[10]  المرجع السابق: 69.

[11]  الإحالة السابقة.

[12]  المرجع السابق: 86.

[13]  المرجع السابق: 96.

[14]  المرجع السابق: 89، وتنظر ص: 91 أيضا.

[15]  المرجع السابق: 206.

[16]  المرجع السابق: 207.

[17]  المرجع السابق: 238.

[18]  المرجع السابق: 203.

[19]  المرجع السابق: 84.

[20]  المرجع السابق: 129.

[21]  المرجع السابق: 101.

[22]  المرجع السابق: 106.

[23]  المرجع السابق: 188.

[24]  المرجع السابق: 85.

[25]  المرجع السابق: 85-86.

[26]  المرجع السابق: 213-214.

[27]  المرجع السابق: 286.

[28]  المرجع السابق: 187.

[29]  المرجع السابق: 170.

[30]  المرجع السابق: 243.

[31]  الإحالة السابقة.

[32]  المرجع السابق: 280.

[33]  المرجع السابق: 244.

[34]  المرجع السابق: 249.

[35]  المرجع السابق: 278.

[36]  المرجع السابق: 288.

[37]  المرجع السابق: 270.

[38]  المرجع السابق: 263.

[39]  المرجع السابق: 209.

[40]  المرجع السابق: 205.

[41]  المرجع السابق: 208.

[42]  الإحالة السابقة.

[43]  المرجع السابق: 185-186.

[44]  المرجع السابق: 138.

[45]  المرجع السابق: 133.

[46]  الإحالة السابقة.

[47]  المرجع السابق: 134.

[48]  الإحالة السابقة.

[49]  الإحالة السابقة.

[50]  الإحالة السابقة.

[51]  المرجع السابق: 135.

[52]  المرجع السابق: 278.

[53]  المرجع السابق: 260.

[54]  المرجع السابق: 261.

[55]  المرجع السابق: 261-262.

[56]  المرجع السابق: 98.

[57]  المرجع السابق: 123.

[58]  المرجع السابق: 284.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.