منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب

خطبة: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب /الشيخ عبد الله بنطاهر التناني 

0

خطبة: فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني 

 

الحمد لله الذي أمر المسلم إذا فرغ في العطلة أن يتعب وينصب، وإلى ربه بأعمال أخرى يسير ويرغب، {فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ وَإِلَىٰ رَبِّكَ ‌فَٱرۡغَب}، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تمحو عنا سيئات من أساء وأذنب، وتُقْضَى بها لمن أحسن منا الحاجةُ والأرب، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث ليتمم مكارم الأخلاق والأدب، فكان أفضلَ من اجتنب الخمول والكسل وإلى الله قد اقترب، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أفضل من تعلَّم وتتأدب، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى نهاية الدنيا بمن فيها من العجم والعرب

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

من جمال اللغة العربية أن بعض الكلمات فيها تستعمل في الشيء وضده؛ مثلا: نقول: رغب في شيء أو إلى شيء بمعنى: أحبه وأراده، ورغب عن شيء بمعنى: كرهه ورفضه، بمجرد تغيير حرف يتغير المعنى إلى ضده، والناس في العطلة الصيفية على نوعين حسب معنى رغب؛ فمنهم من رغب في الخير وإلى الخير فكانت العطلة الصيفية عنده فرصة ونعمة، ومنهم من رغب عن الخير فحول العطلة إلى فراغ أو نقمة؛ والإسلام يعتبر العطلة نعمة وفرصة، قال سبحانه: {فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ وَإِلَىٰ رَبِّكَ ‌فَٱرۡغَب}؛ أي: فإذا فرغت فانصب واتعب بعمل آخر رغبة منك إلى ربك، وفي مقابل ذلك قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلَاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}.

المزيد من المشاركات
1 من 39

أما كونها نعمة؛ فيقول فيها النبيﷺ فيما روى البخاري: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، ومعنى الغبن هو: بيع شيء ثمين بأقل من ثمنه، ولا شك أن الوقت هو أغلى ما يملك الإنسان في حياته؛ بل إن الوقت هو حياته، وحين يقدم المسلم وقته مجانا في نوم وفراغ فهو مغبون؛ فكيف بمن يدفعه مقابل المحرمات في الشواطئ والمنتجعات والحفلات والغفلات؟

أما كون العطلة فرصة؛ فيقول فيها النبيﷺ فيما روى الحاكم وصححه: «اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك»، والإنسان حينما يجد الفرصة سانحة أمامه يجب أن يغتنمها، لأن الفرص تأتي وتذهب، من اغتنمها استفاد وأفاد، ومن ضيعها فقد جانب الصواب وحاد؛ فالعطلة الصيفية نعمة لمن ملأ فراغها بالخير المستنير، ونقمة لمن ملأها بالشر المستطير؛ وقبل أن نلعن ظلام الهوى يجب أن ننير مصابيح الهدى؛ فما هو الخير المستنير الذي يجب أن نملأ به العطلة حتى لا نقع في الشر المستطير؟

● أولا:

اغتنام فرصة العطلة في استدراك ما فاتنا من تحفيظ القرآن الكريم، والنبيﷺ يقول: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، ونحن في حاجة للعودة للقرآن الكريم، في حاجة أن يعود الأطفال إلى حفظه وتحفيظه، وقد أصبح القرآن اليوم غريبا بين أهله وفي داره، والنبيﷺ يقول: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»، ويقولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ»؛ فكم منا من يحفظ سورة البقرة؟ وكم منا من يحافظ على ورد وحصة من قراءة القرآن الكريم؟ وكم منا من يحافظ على الاستماع إليه في منزله وسيارته؟

● ثانيا:

اغتنام فرصة العطلة في صلة الأرحام، وصلة الأرحام بركة في الأرزاق وزيادة في الأعمار، يقول النبيﷺ: «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أجله فليصل رحمه»، وليس من الضروري في هذه الظروف بسبب “كورونا” أن تكون صلة الرحم بالأسفار؛ بل تتحقق أيضا بوسائل الاتصال عن بعد؛ فإذا أخذنا بالتعليم عن بعد، فمن باب أولى وأحرى صلة الرحم عن بعد؛ فتكون بالتفقد عن بعد بالمكالمات، والاستفسار بالمراسلات؛ بل حتى الإحسان إلى الفقراء يكون عن بعد؛ فكثير من البنوك عندها برامج لتحويل الأموال إلى الغير عبر الهواتف المحمولة؛ زكوات وصدقات وصلات؛ وخصوصا الفقراء الذين تربطك بهم أواصر القرابة؛ والنبيﷺ يقول: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثِنْتَانِ: صدقة، وصلة»؛ فهذه فرصه لمن أحب أن يحسن لنفسه؛ فالله تعالى يقول: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ}.

● ثالثا:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

اغتنام فرصة العطلة في الترفيه الحلال في الشواطئ النقية، والمنتجعات البريئة، والمخيمات التربوية، إذا كانت سليمة من المخالفات ومن المخالطات؛ بالتباعد بين الناس فرارا من وباء “كورونا”، وبالتباعد بين الجنسين ولو لم تكن “كورونا”، إذا كانت هناك شواطئ ومنتجعات تنفصل فيها النساء عن الرجال، وقد قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: “ما تمتع الأشرار بشيء إلا تمتع به الأخيار وزادوا عليه رضا الله تعالى”.

● رابعا:

اغتنام فرصة العطلة في التشغيل في المهن الحرة، بمختلف أنواعها وأشكالها، حتى يعرف التلاميذ قيمة العمل والمال الحلال، لأن العمل في الإسلام ليس مجرد ممارسة لكسب الراتب والأجرة، وليس مجرد شغل قصد الإنفاق على النفس والأسرة؛ بل آفاقه أرحبُ وأوسعُ؛ فهو عملية تربوية، وعبادة ربانية، يكتسب العامل المسلم من ورائه الأجر في الآخرة، كما يكتسب في الدنيا الراتب والأجرة، ولكن لا يكون كذلك إلا إذا كان الشغل في إطار الحلال، وذلك لا يتم إلا باجتناب الحرام في أداء العمل، وفي نوعية العمل، فلا حلال مع الغش والخيانة والخديعة، ولا حلال مع الرشوة والربا والخمور والقمار وتقسيط التدخين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد؛ فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ العطلة قد تتحول إلى نقمة يرغب فيها الإنسان عن الخير ويرغب في الشر إذا سلكنا بها طرق الشبهات والشهوات ومنها:

• أولا:

الشواطئ والمستحمات المختلطة حيث لا فرق بين الإنسان والأنعام؛ والعيب ليس في الشواطئ والمستحمات، وإنما العيب في الإنسان حين يتنكر لإنسانيته ودينه؛ فكم من صالح عفيف يشتاق اليوم لاستنشاق هواء البحر النقي؛ ولكنه ملوث بمنكرات الأخلاق ومدمرات الفضائل، بل لم ينج من هذه المنكرات حتى أولئك الذين تخلفوا عن هذه الشواطئ؛ لأن وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية بدورها كفيلة بأن تنقل عجرها وبجرها، وزبدة فسقها وخلاصة فسادها، كان قديما التصوير والبث خاص بوسائل الإعلام المختصة، أما اليوم فالكل يصور ويبث عبر العالم ما يصور مباشرة، فيدغدغ الشهوات داخل البيوت بحالات هتك الأعراض الفاضحة والواضحة.

• ثانيا:

في العطلة الصيفية تكون بعض حفلات الأعراس المختلطة أيضا حيث لا حدود ولا قيود، فيرقص الكل على نغمات موسيقى فاسقة الإيقاع والكلمات؛ نعم يجوز أن نغني في أعراسنا مع اتخاذ الإجراءات التي يفرضها زمن “كورونا”؛ ولكن لهذا الغناء شروط تحمي الأعراض وتقضي الأغراض وتمنع الأمراض، وعلى رأسها الفصل بين النساء والرجال، حتى لا يقع ما لا يحمد عقباه في الحال أو في المآل.

• ثالثا:

في العطلة الصيفية تكثر الأسفار وتحدث بذلك حوادث السير، حيث تكتظ الطرق بالمسافرين، وكثير من الناس يشدون الرحال من مدينة إلى أخرى لصلة الأرحام، وإذا كانت الطرق نعمة، فإنها قد تتحول بسوء التصرف إلى نقمة، والاحصائيات في بلادنا تكشف لنا عن ارتفاع مخيف لما يسمى بحرب الطرق القاتلة، فاحتاج هذا الأمر لعلاج سريع، ودواء ناجع.

● الخلاصة:

العطلة ليست فراغا ونقمة نرغب فيها عن الخير بانتهاك الحرمات وارتكاب المحرمات؛ بل هي فرصة ونعمة نرغب فيها إلى الخير باستدراك ما فات من الأعمال والقربات؛ فكن ممن ينصب ليرغب إلى ربه، ولا تكن ممن ينصب ليرغب عن ربه.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.