منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لنتعلم من سيدنا عيسى عليه السلام كيف كان معجزة في البداية ومعجزة في النهاية

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني/ لنتعلم من سيدنا عيسى عليه السلام كيف كان معجزة في البداية ومعجزة في النهاية

0

لنتعلم من سيدنا عيسى عليه السلام كيف كان معجزة في البداية

ومعجزة في النهاية 

للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

الحمد لله الذي جعل سيدنا عيسى في بدايته ونهايته معجزة، وجعل الزهد والعفاف والبر في حياته العمدة والركيزة، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة الطائفة الظاهرة الطاهرة الفائزة، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي هوت إليه الأفئدة محبة ومَعَزَّة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين نالوا من رضوان الله الجزاء والجائزة، وعلى التابعين لهم بإحسان ما دامت الشمس في الآفاق مشرقة وبارزة.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته…

المزيد من المشاركات
1 من 51

ها نحن في آخر جمعة من سنة (2021) ميلادية؛ فما هي المشاريع المستقبلية الدينية في أفق 2022؟ هل نحن مستعدون لنجعل ما نمضي إليه أجمل مما مضى، ولنقضي فيما نستقبل من أيامنا أفضل مما انقضى، حتى يختم الله لنا بما يجعلنا ممن رضي برضاه وارتضى، وممن ينال مغفرته وعفوه المرتضى.

وإذا كان النصارى يتحدثون بهذه المناسبة عن سيدنا عيسى -عليه السلام- حسب إيمانهم وعقيدتهم، وإذا كان البعض في هذه الليلة يرتكب ما لم تستطع الحيوانات فعله، وخصوصا في ساعة الصفر كما يقولون؛ نعم إنها ساعة الصفر من المروءة والغيرة والعبرة والأخلاق والإنسانية؛ وإذا كان هؤلاء كذلك أفلا نتحدث نحن عن سيدنا عيسى حسب إيماننا به وعقيدتنا فيه ونحن أولى به؟! والرسولﷺ يقول فيما روى الإمام مسلم: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، الأنبياء إخوة من عَلاَّت(1) وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبين عيسى نبي»؛
نعم نحن أولى بعيسى -عليه السلام- نتذكر كونه معجزة في بداية حياته وفي نهايتها على السواء.

● أما كونه معجزة في البداية؛ فنتذكر ولادته وهي معجزة بحد ذاتها، حيث كانت أمه سيدتنا مريم في كفالة نبي الله سيدنا زكرياء -عليهما السلام- فجاءها جبريل -عليه السلام- وهي تتعبد في المحراب الذي {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاء الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا} فواكه في غير وقتها وفي غير مكانها، وهناك بشرها جبريل بأن الله تعالى سيرزقها بولد سيكون نبيا ورسولا، دون أن يكون له أب، كما خلق سبحانه آدم دون أب ولا أم، كما قال سبحانه: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}، وقال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا}.

نعم في البداية؛ نتذكر أمه حين ولدته تحت جذع نخلة وهي وحيدة بعيدا عن عيون الناس، كما حكى لنا القرآن الكريم: {فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ (أي: فألجأها ألم الولادة) إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} في مكان لا ماء فيه للشرب ولا طعام للأكل فتمنت الموت؛ حيث قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا}، وهناك توالت عليها المعجزات وفاجأتها المفاجئات؛ حيث نبع عين من الماء بقربها، وتساقطت عليها الرطب من جذع تلك النخلة التي وَلَدَتْ تحتها، ومن تحتها ناداها مولودها المبارك وهو في مهده قائلا: {أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا}؛ فكلي من الرطب الجني، واشربي من الماء السري، وقري عينا بالغلام الذكي.

نعم في البداية؛ نتذكر أمه حين جاءت به إلى أهلها بعد ودلاته فاستنكروا عليها بشدة، وهنا تولى طفلها المحاماة للدفاع عنها، فتكلم وهو في مهده فكان أفضل محام لها بعد أن أشارت إليه، حيث ترافع عنها فسجل لنا القرآن عنه هذه المرافعة فقال: {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي}.

لقد ذكر وصية الله له بأمور ثلاثة: الصلاة التي تصلح النفس لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة التي تقدم الخير للغير من الفقراء والمحتاجين، وبر الوالدين؛ وقمة الأخلاق الحسنة في الثلاثة: أن يكون المسلم صالحا لنفسه، وفيه منفعة لغيره، ويعترف لمن أحسن إليه؛ ومن أسوإ الأخلاق: أن يكون الإنسان مسيئا لنفسه، ولا خير فيه لغيره، ولا يعترف بخير من أحسن إليه.

وعلى ضوء هذه الوصية الربانية لسيدنا عيسى -عليه السلام- ينبغي أن سأل كل واحد منا نفسه: ماذا فعلنا بصلواتنا؛ شروطها ووقتها وأركانها وجماعتها والخشوع فيها؟ وهل أدينا زكاة أموالنا؟ وهل علاقتنا بأمهاتنا وآبائنا كانت على أحسن حال في الحقوق، أو على أسوإ الأحوال في العقوق؟

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

وفي دعوة سيدنا عيسى -عليه السلام- نتذكر ما أكرمه الله به من معجزات أخرى؛ مثل: إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله؛ قال الله تعالى في القرآن الكريم: {إِنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائرا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ}.

● أما كونه معجزة في النهاية؛ فحين حاربوا دعوته ولم يستطيعوا مواجهة معجزاته صمموا على قتله، وهكذا عادة الظالمين على مر الأزمان، فحينما ينهزمون فكريا ولا يستطيعون مقارعة الحجة بالحجة يلتجئُون لاستعمال العنف والتصفية الجسدية ضد خصومهم، ولم يقف بجانبه إلا حواريوه وهم قلة، وقد سجل لهم القرآن هذه الوقفة إذ قال: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، وبعد ذلك أرسل أعداؤه شخصا لاغتياله؛ فلما انفرد به رفعه الله إليه ووضع شبَهه على الشخص الذي أراد قتله، فقتلوا شبيهه وصلبوه ظنا منهم أنه عيسى -عليه السلام-، وهنا وقعوا في حيرة وشك وارتياب؛ متسائلين: فإن كان الذي قتلنا هو عيسى فأين صاحبنا؟! وإن كان الذي قتلنا هو صاحبنا فأين عيسى؟! وقد يبن القرآن الكريم ذلك وأزال حيرتهم لو آمنوا به فقال سبحانه: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين…

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فأيها الاخوة المؤمنون؛

نحن أولى بعيسى في البداية والنهاية من الذين ألهوه وعبدوه وجعلوه ندا للذي خلقه، نحن أولى بعيسى من الذين زعموا أنه مخلص العالم، وأنه صلب لينقد الناس من خطاياهم، فيستقبلون ذكرى ميلاده بمزيد من الخطايا والآثام، نحن أولى بعيسى نتذكر زهده وصبره وبره بأمه، وأنه لم يصلب بل رفعه الله إليه، وسينزل آخر الزمان ليحكم بين الناس بشريعة القرآن.

نعم نحن أولى بعيسى نتذكر فيه قول النبيﷺ فيما روى الإمام مسلم: «والله ليزلن ابن مريم حكما عدلا فليكسِرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتُرَكنَّ القِلاص فلا يُسعَى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد وليَدْعُوَنَّ إلى المال فلا يقبله أحد» ونقف هنا عند كلمة ” لتتركن القلاص فلا يسعى عليها” والقلاص هي الإبل، أليست قد تركت اليوم فلا يسعى عليها، واستبدلت بالسيارات والحافلات وغيرها، فهذا دليل على صدق هذا الحديث عن نزول عيسى بن مريم حكما عدلا؛ بل إن النبيﷺ أخبرنا أنه سيحج ويعتمر فقالﷺ فيما روى الإمام مسلم: «والذي نفسي بيده ليُهِلَّنَّ ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا» وفج الروحاء: اسم مكان بين مكة والمدينة.
ألا فاتقوا الله عباد الله؛ وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ.


(1) العلات مفرده العَلَّةُ وهي: الضَّرَّة وزنا ومعنى، وأولاد العلات: أولاد الضرائر من رجل واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.