منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة بكبش واحد للضرورة؟

هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة بكبش واحد للضرورة؟ / ذ. عبدالله بنطاهرالتناني

0

هل يجوز جمع الأضحية والعقيقة بكبش واحد للضرورة؟

ذ. عبدالله بنطاهرالتناني

سائل يسأل: صادف عندي يومُ عيد الأضحى يومَ عقيقة طفلي؛ فاكتفيت بذبيحة واحدة لهما؛ قصدت بها الأضحية والعقيقة معا للضرورة؛ لأني لا أستطيع ماديا شراء الأخرى؛ فقيل لي بأن هذا غير جائز؟ أفيدوني جزاكم الله خيرا

الجواب:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

وبعد؛ فالجواب عن هذه النازلة التي وقعت ونزلت يحتاج منا أن نستعرض المسألة في إطار المذهب المالكي على ضوء المذاهب الأخرى، حتى نجد لها الحل المناسب؛ لأن اختلاف الفقهاء حلول ورحمة وليس نزاعا ونقمة، وللقاعدة: “الفتوى بعد الابتلاء بالفعل غير الفتوى قبل الابتلاء بالفعل”، فلو سأل صاحب السؤال قبل الإقدام على الفعل لاكتفينا في الجواب بمذهبنا المالكي، أما أنه قد وقع ونزل فلا بد له من البحث عن الحل.

المزيد من المشاركات
1 من 23
  • أولا: في المذهب المالكي لا يجوز جمع الأضحية والعقيقة بذبيحة واحدة؛

فإن نوى بها الأمرين لم يجزئه عن أي واحد منهما، فيضيع أضحيته وعقيقته معا؛ وقد “سئل الإمام مالك عن رجل كان سابعُ ابنه يومَ الأضحى، وليس عنده إلا شاة؛ هل تجزئ عنه في العقيقة والأضحية؟ فقال: بل يَعُقُّ(1) بها”(2).

قال ابن رشد الجد: “معنى هذا إذا رجا أن يجد أضحية في بقية أيام الأضحى، وأما إذا لم يرج ذلك، فليضح بالشاة؛ لأن الضحية أوجب من العقيقة عند مالك وجميع أصحابه؛ لأن الأضحية قيل فيها: إنها سنة واجبة، وقيل: سنة غير واجبة، والعقيقة قيل فيها: إنها سنة غير واجبة، وقيل فيها: إنها سنة مستحبة”(3).

وقال اللخمي: “إن لم يتيسَّرْ له ما يُضحِّي به؛ فيذبح هذه عن الأضحية؛ لأنها آكد”(4).

وقال ابن العربي: “تكلمنا يوماً بالمسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفهري (الطرطوشي) فقال: إذا ذبح الرجل أضحيته للأضحية والعقيقة لم تجزئه، فلو أطعمها وليمة للعرس أجزأته؛ والفرق: أن المقصود في الأولين إراقة الدم، وإراقة لا تجزئ عن إراقتين، والمقصود من الوليمة الإطعام وهو غير مناف للإراقة فأمكن الجمع”(5).

  • ثانيا: في المذهب الشافعي قولان:

1) الظاهر الراجح: أنه لَوْ نَوَى بشاة الأضحيةَ والعقيقةَ لم تحصل واحدة منهما؛ لأن كلا منهما سنة مقصودة لذاتها، ولها سببٌ يخالف سببَ الأُخرى، والمقصود منها غير المقصود من الأُخرى؛ فهما ذبحان بسببين مختلفين فلا يقوم الذبح الواحد منهما مقام الآخر، كدم التمتع ودم الفدية، ولأن الأضحية فداء عن النفسِ، والعقيقة فداء عن الولد، ولأن القصدَ بِالأضحيةِ الضيافةُ العَامَّةُ، ومن العقيقةِ الضيافةُ الْخاصَّةُ(6).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 11

2) في قول آخر؛ قال بعض الشافعية: “ولو نوى بالشاة المذبوحة الأضحية والعقيقة حصلا خلافا لمن زعم خلافه”(7).

  • ثالثا: في المذهب الحنبلي روايتان:

1) الأظهر الأرجح أنه: إن اتفق وقت العقيقة والأضحية، فعق أجزأ عن الأضحية، أو ضحى أجزأ عن العقيقة، كما لو اتفق يوم عيد و جمعة فاغتسل لأحدهما(8).
وقال به من التابعين الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وهشام بن عروة، رحمهم الله؛ روى ابن أبي شيبة “من قال: إذا ضحي عنه أجزأته من العقيقة”، عن الحسن قال: “إذَا ضَحُّوا عَنْ الْغُلَامِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ مِنْ الْعَقِيقَةِ”، وعن هشام وابن سيرين قالا: “يُجْزِئُ عَنْهُ الْأُضْحِيَّةُ مِنْ الْعَقِيقَةِ”(9).

قال ابن القيم: “ووجه الإجزاء حصول المقصود منها بذبح واحد؛ فإن الأضحية عن المولود مشروعة كالعقيقة عنه، فإذا ضحى ونوى أن تكون عقيقة وأضحية وقع ذلك عنهما، كما لو صلى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضا أو سنة مكتوبة وقع عنه وعن ركعتي الطواف، وكذلك لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النحر أجزأه عن دم المتعة وعن الأضحية والله أعلم”(10).

2) في رواية أخرى عن الإمام أحمد؛ قال ابنه عبد الله: سألت أبي عن العقيقة يوم الأضحى؛ وهل يجوز أن تكون أضحية وعقيقة؟ قال: لا؛ إما عقيقة، وإما أضحية”(11).

الخلاصة: أن من اكتفى بذبيحة واحدة يقصد بها الأضحية والعقيقة معا؛ ففي المذهب المالكي والمذهب الشافعي لا تجزئه عنهما معا وهو الأحوط استبراء للدين، وفي المذهب الحنبلي تجزئه عنهما معا وهو الأيسر رفعا للحرج في الدين، وفيه الحل بالنسبة للسائل الذي اكتفى بذبيحة واحدة لهما، لأنه لا يستطيع ماديا شراء الأخرى، تيسيرا ورفعا للحرج عنه، والخلاف بين العلماء رحمة؛ قال الله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ}؛ فيقال له: أجزأتك ذبيحتك عنهما معا تيسرا، ولكن لا تعد احتياطا والتزاما بالمذهب المالكي…
والله الموفق للصواب


الهامـــش:

(1) عَقَّ يعُقُّ عن ولده من باب رَدَّ يرد: إذا ذبح عنه يوم أسبوعه. مختار الصحاح مادة (عقق) ص 467.
(2) النوادر والزيادات لابن أبي زيد: 4/ 335، والبيان والتحصيل لابن رشد: (3/ 394).
(3) البيان والتحصيل لابن رشد: (3/ 394).
(4) التبصرة للخمي: (4/ 1590 و1591)
(5) نقله القرافي بتصرف انظر: المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك لابن العربي: (5/ 331)، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس لابن العربي: تحقيق أيمن نصر وعلاء إبراهيم: (2/ 392)، والذخيرة للقرافي: (4/ 166)، ومواهب الجليل للحطاب: (4/ 393).
(6) تحفة المحتاج في شرح المنهاج للهيثمي مع حاشية الشرواني: (9/ 369 و370)، والفتاوى الفقهية الكبرى للهيثمي: (4/ 256).
(7) نهاية المحتاج في شرح المنهاج للرملي: (8/ 145 و146)، وحاشية سليمان الجمل على المنهج: (10/ 420).
(8) شرح منتهى الإرادات للبهوتي الحنبلي: (1/ 616)، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين المرداوي الحنبلي: (4/ 81), ومنار السبيل لابن ضويان: (1/ 280).
(9) مصنف ابن أبي شيبة: (5/ 116).
(10) تحفة المودود بأحكام المولود لاين القيم: (1/ 87).
(11) مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله: (1/ 268).

المصدر كتابي أجوبة وفتاوى فيما استجد في العصر من الظواهر والقضايا كتاب مرقون ينتظر فرصته للطبع إن شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.