منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إشكالية الدعوة والدولة في الإسلام

0

أسئلة كثيرة تفرض نفسها عند التطرق لموضوع الدعوة والدولة وما بينهما من علاقات، تشكل الإجابة عنها قطب الرحى في النظرية السياسية الإسلامية: الدعوة غاية الدولة أم وسيلتها؟ هل الدعوة مجرد وسيلة للوصول إلى الدولة فإذا تم ذلك انتهى دورها وحلت نفسها وذابت في مؤسسات الدولة؟ وماذا نقصد بالدعوة ابتداء؟ هل هي مجرد عمل فردي تطوعي أم هي مؤسسات مستقلة لها الهيمنة على مقاليد الأمور؟ وماذا عن الدولة في الإسلام؟ هل هي دولة دينية أم مدنية؟ هل المطلوب اليوم محاكاة النموذج الراشدي في أشكاله البسيطة في الوقت الذي أصبحت الدولة الحديثة متضخمة المؤسسات وكل مؤسسة فيها تكاد تمثل دولة داخل الدولة؟

موضوع الدعوة والدولة هو الموضوع نفسه الذي يعبر عنه الكثير من المفكرين المشارقة بمسميات الحركة والدولة أو الثورة والدولة ويعبر عنه اللاييكيون بمسمى الدولة والدين.

لقد وصل الحكم الجبري الفردي إلى الطريق المسدود، ولولا تلك الجرعات التي يلقمها الاستكبار العالمي إياه على شكل مساعدات غذائية واستخباراتية وسكوت عن انتهاكات حقوق الإنسان…لكان في خبر كان، ولمات ميتته الطبيعية منذ أمد بعيد كأي فاكهة متعفنة نخرها الدود، وذلك بسبب فشل مشاريع التنمية والإصلاح والنهضة التي حلمت بها الشعوب وهي ترى المستعمر الغاصب يرحل عن بلادها.

لم تطرح أبدا على مدى القرون السالفة مسألة وجود الدولة في الإسلام، وذلك منذ العهد النبوي إلى بداية القرن العشرين. وطرحت في المقابل مسألة مشروعية الحكام أنفسهم ما إذا كان حكمهم مستندا إلى اختيار الأمة الحر أم هو التسلط على الرقاب بحد السيف وقوة العصبية ” يحملون الكافة على مقتضى الغرض والشهوة” ويمثلون سدنة “الملك الطبيعي”[1]حسب تعبير ابن خلدون.

الدولة والدين:

المزيد من المشاركات
1 من 13

إن المفكرين اللاييكيين العرب يحلمون بمسار تاريخي شبيه بالمسار الأوربي الذي أوصل القارة العجوز وتوابعها إلى استقرار نظام الحكم بعد التخلص في مرحلة أولى من الدين، وفي مرحلة ثانية من تسلط الملوك المتحالفين مع رجال الدين، حتى كان شعار الثورة الفرنسية 1789 :”اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قس” . ثم نضج السياسيون هناك بعد حروب داخلية طاحنة وبعد أن تبينت الحاجة إلى الدين حين خوض المعارك ضد الشعوب المستعمَرة من أجل التعبئة الداخلية، فتصالح الطرفان (الدين والسياسة) على أن يحترم كل منهما الآخر ويلتزم الدين حدود أماكن العبادة، ويدعم الساسة رجال الدين بالأموال لغرض التبشير.

أما على مستوى الدولة، فإن المرجع في الحكم يبقى للشعب، وبلغة الإغريق للديمقراطية، فهي الضمانة وصمام الأمان للحد من تسلط الحكام بل ومعاقبتهم إن هم زاغوا عن قواعد دولة القانون. إن ثمرة هذا المسار مغرية غاية الإغراء، فهي تفتح الباب أمام كل مواطن من أجل المشاركة السياسية، وكل أم أوربية أو أمريكية تستطيع أن تربي ابنها ليكون رئيسا للدولة. لكن الغرب لم يجن ثمار الاستقرار السياسي إلا بعد قرون من النضال وأنهار من الدماء وجبال من الأشلاء وأجيال من المفكرين والفلاسفة والساسة الشرفاء. مثلت الكنيسة الكاثوليكية ودينها ورجال دينها رمزا لإهدار كرامة وحقوق الإنسان، فكانت الحرية تعني أول ما تعني التخلص من التسلط الديني وإزالة القداسة عن الحاكم كما كانت عند أصحاب نظرية الحق الإلهي، فيصبح الأمر بالتالي تعاقدا بين الحاكم والمحكوم يمكن فسخه في أي وقت يتم الإخلال فيه ببنود العقد (نظرية العقد الاجتماعي).

في بلداننا التابعة يبرز حل وحيد أمام عقول نضجت حسب القالب الغربي (نموذج الدكتور طه حسين في النصف الأول من القرن العشرين)، وهو أن نتلقف الحضارة الغربية بخيرها وشرها لا نسأل عما يوافق أو يناقض مجتمعاتنا. ويرفع بالمقابل، الإسلامي رجل الدعوة شعار “الإسلام هو الحل” دون أن يطرح نظرية متماسكة في السياسة تضع حدا للتسلط الممارس على الرقاب منذ الانكسار التاريخي الذي طوى صفحة مجيدة[2]من تاريخ المسلمين. كان الحاكم/ الخليفة في هذه المرحلة يقف على المنبر أول زمن مبايعته فيقول: “وليت عليكم ولست بخيركم.. فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني..أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم..”[3] فأصبح الحاكم/ الملك يقف على المنبر ويقول :” ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف”[4]، ولازال السيف هو مرض الأمة العضال.

في تاريخ المسلمين تصدى للحكم رجال صالحون مثلوا استثناءات نادرة كان منهم عمر بن عبد العزيز ويوسف بن تاشفين وأورنكزيب والناصر صلاح الدين ومحمد الفاتح… وغيرهم، لكن الإشكالية العويصة كانت تتمثل في عدم استمرارية الحكم الصالح  الذي كان غالبا ما ينتهي بانتهاء عهد صاحبه، والذي غالبا ما كان يقتل غيلة من قبل حاشيته التي ذهبت عنها امتيازاتها مع مجيء العدل. معضلة متعددة الأوجه والأبعاد ما انفكت تلقي بكلكلها على عاتق الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. كيف يمكن إنشاء نظام سياسي إسلامي مستقر على العدل والشورى والإحسان دون الخوف عليه من الانقلابات العصبية والمصالحية ودسائس الحاشية والضربات الخارجية؟ نظام لا يكون مرتبطا بشخص شاءت قدرة الله أن ترعاه يد الدعوة خلسة وهو بين براثن الأسرة العاضة على الحكم، حتى إذا هلك عادت الأمور إلى سالف عهدها وتحسر الناس على عدل لم يكد يبزغ فجره حتى أقبل ليله.

دولة مؤسسات ومؤسسات دعوة:

  • دولة المؤسسات في مواجهة الحكم الفردي:

عندما انتهت الفترة الرئاسية الثانية للرئيس جورج بوش الأب وهو الذي جمع العالم على حرب العراق في حرب الخليج الثانية، خرجت جموع من العراقيين- أو أخرجوا- إلى شوارع بغداد فرحة مهللة بزوال من أذاقها الويل. لعل هذا نموذج من العقليات التي تشكلت بفعل الحكم العاض والجبري ونشأت وِفقه أجيال لا ترى حاكمها يبدّل إلا محمولا في نعشه إلى مثواه الأخير.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

إن الغرب استقر على نظام حكم مبني على مؤسسات لها قواعدها التي لا تتأثر بذهاب الأشخاص، وبالتالي فلا قداسة للأشخاص الذين يخلدون للراحة بعد وصولهم إلى سن التقاعد، أو يكلفون بمهام خارج بلدهم من قبل منظمات دولية تستثمر خبراتهم. السياسي الذي يتصدى للحكم في النظام الديمقراطي يجد نفسه عرضة لملاحقة “صاحبة الجلالة” الصحافة التي قد ترفع أشخاصا إلى القمة وقد تلقي بهم في مهب الرياح. حياة السياسي، حتى الماضي منها عرضة للنبش ولا مجال هنا للحريات الشخصية فالحاكم ليس ملكا لنفسه بل هو ملك عمومي، ولا يصلح من كان فاسدا لتسيير أمور البلاد. تفجر صحيفة ما أو قناة، خاصة إن كان لها وزنها المعتبر، خبرا قد يعصف بالحكومة أو في أحسن الأحوال يرغم الوزير[5] المتورط في فضيحة أخلاقية! أو قضية رشوة أو اختلاسات مالية…على الاستقالة ومثوله أمام القضاء ليقضي عقوبة بعد ذلك أو يبرأ، مثله مثل كل الناس. إنها المؤسسات الديمقراطية العتيدة في بلد الديمقراطية الحقة على علاتها، مؤسسات ترعرعت للأسف الشديد بلا روح إيمانية، بل وجدت لتدمر هذه الروح التي مسختها أيادي رجال الدين الكنسي حتى صارت مناقضة للفطرة البشرية وعدوا للعلم والعقل، فنشأت على أنقاضها العلمانية والعقلانية كروح جديدة للحياة الغربية ومؤسساتها المدنية والعسكرية.

أراني قد بالغت في تمجيد هذه الديمقراطية، فلا يفوتني أن أقول إن الغرب الذي يرفع شعاراتها وينضبط لقواعدها يأباها للشعوب الأخرى ويعمل جاهدا على مد الأنظمة المستبدة بأسباب البقاء لأنها ضمان وصول الثروات المادية والبشرية إليه بلا جهد يذكر. فالأفضل له أن يتعامل مع شخص واحد حريص على كرسيه ومستعد للتنازل عن كل شيء على أن يتعامل مع مؤسسات تقدر المسؤولية وتفاوض على المصلحة العليا للبلاد وتتعامل معاملة الند للند مع باقي الأطراف.

عبر الكاتب الأيرلندي برنارد شو ذات يوم ساخرا من الديمقراطية الغربية فقال: إنها تفقد معناها عندما تجتاز البحر. المؤسسات الديمقراطية اليوم عندنا هي مجرد شعارات وأشباح يبرزها الحاكم ليزكي بها سلطته ويحكم بها قبضته على رقاب الشعب المهمش الذي يستدعى للمشاركة في الاستحقاق الانتخابي وعلى رأسه ثلاثمائة ألف فوهة رشاش-ولك الله يا جزائر الشهداء! – فتعلن الأبواق الرسمية عن فوز الجنرال بالشرعية الشعبية (طبعا فاز على نفسه لأنه ترشح وحده). في تونس أعلن الحقوقي منصف المرزوقي، وهو خارج البلاد، عن نيته للترشح في الانتخابات الرئاسية منافسا بذلك الجنرال بنعلي، فتم إلقاء القبض عليه فور وصوله إلى مطار العاصمة.لقد أسس حكامنا لديمقراطية فريدة من نوعها هي ديمقراطية التسعات الأربعة 99, 99 بالمائة[6]، وأسسوا للديمقراطية القابلة للتمدد مثل الحديد، كلما انتهت فترة “سيادة الرئيس” غير الدستور ومددت الفترة فترات، وله من سكان البيت الأبيض أو الشنزيليزيه شهادة حسن السيرة. وأسسوا للديمقراطية الوراثية حيث تختار لجان القيادة في الحزب الحاكم “بصفة شرعية” ولد”سيادة الريس” الذي تجاوز الثمانين وهو بعد بشعر رأسه الأسود لقيادة الحزب وبالتالي الدولة بعد عمر طويل للسيد الوالد. ومن قال بأن الديمقراطية ليست من أصل عربي ؟! [7]

لا نرى تناقضا البتة بين دولة مؤسسات حديثة تضع حدا للحكم الفردي المستبد وتبسط العدل والحقوق والحريات وتسير أمورها الإدارية والسياسية والاقتصادية بعقلانية، وبين دولة إسلامية الهوية والمرجعية تقطع مع الماضي الاستبدادي الذي شتت الأمة وأضعفها وعرضها للتجزئة والهيمنة الأجنبية، وصنع منها دويلات ملوك الطوائف ترزح شعوبها تحت كلكل الفرديات المتجبرة ويرتهن مستقبل أجيالها للمؤسسات المالية الدولية وتباع مؤسساتها الحيوية للأجنبي. نحلم بدولة تمكن لمشروع مجتمعي يعيد الحياة للأمة والثقة لأبنائها ويلم شعثها ويوحد طاقاتها نحو البناء والقوة والعمران الأخوي. فهل هذه طوباوية مستحيلة التحقق؟.

ما نحن متأكدون منه أن النماء والقوة والأشياء الجميلة لا يهبها الآخرون لأعدائهم أو خصومهم أو منافسيهم، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا كما قال الشاعر، ولنا فيما حققته النمور الآسيوية الدليل الساطع.

  • مؤسسات الدعوة في مواجهة تغوّل الدولة:

إن الدولة الحديثة عملت جاهدة على ضبط المجال السياسي الذي تتحرك فيه،وهذا دورها، ولأن المجالات العامة أصبحت مترابطة لا ينفك بعضها عن بعض، بتنا نرى الدولة تتحكم في كل المجالات، السياسية والاقتصادية والتعليمية والثقافية والدينية والإعلامية… والدولة الإسلامية نفسها لن تسلم من هذا التغوّل. فحيثما وجدت السلطة وجد الفساد والإفساد، إذا لم توجد سلطة مضادة من المجتمع تقاوم فساد الحكام وتراقب رجال الدولة في مختلف مواقعهم. السلطة المضادة تتمثل عند أصحاب المشروع المجتمعي الحداثي في مختلف هيئات وجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، وعند أصحاب المشروع المجتمعي الإسلامي تتمثل في مؤسسات “جماعة المسلمين”. المجال لا يسمح بتفصيل القول في كون “جماعة المسلمين” هي أرضية عامة يدخل فيها كل مسلم أو جماعة من المسلمين لا ينكرون معلوما من الدين بالضرورة، ولسنا في حاجة للتذكير بانحراف الغلاة عند ادعائهم أنهم هم وحدهم “الفرقة الناجية”ومن عداهم هم من الفرق الثنتين والسبعين التي تستوجب النار كلها.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:”بعد القومة لابد أن تتألف الأمة الخاصة، أي »الجماعة« من كتيبتين رئيسيتين، تؤديان مهمة التجديد والسعي للخلافة الراشدة.

– دعوة تتمثل في مؤسسات ورجال مهمتهم تربية الأمة ومراقبة التطبيق. لها الهيمنة على مصير الأمور وعلى الرجال.

– دولة تتمثل في مؤسسات ورجال وأجهزة وإدارات تسير الشؤون المادية والنظامية والاقتصادية. وهي تحت مراقبة وتوجيه الدعوة ورجالها .”[8]

دعاة المجتمع المدني على النمط الحداثي يظنون أن المجتمع الإسلامي ما هو إلا راع ورعية، يهش الراعي على رعيته بعصاه إن شرد منها البعض فيدخل في “الطاعة” أو يساق إلى المقصلة. مشهد كاريكاتيري رسّخته في الأذهان فتاوى علماء السلاطين الذين يهددون بالميتة الجاهلية من فارق” الجماعة” وخرج على ولي الأمر. “جماعة المسلمين” في المجتمع السياسي الإسلامي الأول مكونات حية تربط بعضها روابط “الدار والإيمان“: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (من الآية 9 من سورة الحشر وهم الأنصار والمهاجرون، ومنهم من تجمعهم الدار فقط، أو بلسان العصر، المواطنة، وهم يهود المدينة بمختلف قبائلهم وتحالفاتهم، والقبائل العربية المشركة. وإنها اليوم وغدا مؤسسات تبنى لبنة لبنة، مكوناتها، بل من صلب مكوناتها، العلماء والمثقفون من رجال الفكر، وهم الأنتلجنسيا في المجتمع، ورجال المال والأعمال، ورجال الإعلام، ورجال التربية والتعليم…وغيرهم، يبني كل من جهته أمة الإسلام لتؤدي رسالتها في العالمين.

إشكالية الدعوة والدولة في الإسلام:

مثلت الدعوة الإسلامية الخاتمة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين نموذجا فذا في الممارسة السياسية غير مسبوق في تاريخ الإنسانية، وكان ذلك التماسك والتلاحم الذي عاشته “الجماعة المؤمنة” هو سر النجاح الكبير في انسجام أداء الدعوة والدولة وتكاملهما. إنه السر نفسه الذي حول قبائل بدوية متناحرة إلى جيوش لها حوافز قتالية عالية أطاحت بإمبراطوريتين في أقل من نصف قرن. وحدة “جماعة المسلمين” جعلتها تقف في وجه تيارات عاصفة اندلعت مباشرة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم بارتداد القبائل. والله وحده يعلم ماذا كانت ستصير إليه الأمور لو لم يحسم الخلاف بين مكونات الجماعة المؤمنة في سقيفة بني ساعدة ومبايعة أبي بكر الصديق خليفة للمسلمين.

ظلت الجماعة ملتحمة بعد أبي بكر لأن الخليفة المحدﱠث صاحب البصيرة النافذة عمر بن الخطاب منع  كبار الصحابة من مغادرة المدينة، عاصمة الإيمان والسياسة[9]. لم يبق الأمر كذلك مع الخليفة الراشدي الثالث فتفرقوا في الأمصار. وما كادت الفتنة الكبرى تطل برأسها حتى كان الصحابة ثلاث فئات: فئة سارت مع الخليفة الشرعي علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفئة خرجت ضده في الجمل وصفين، وفئة اعتزلت ولم تتخذ موقفا. وبعد مقتل الخليفة الرابع واستيلاء بني أمية على زمام الأمور، وخاصة بعد توريث الحكم ليزيد، خرجت فئة من الصحابة تريد إعادة الشرعية للحكم منهم الإمام الحسين وعبد الله بن الزبير، وفئة خضعت للأمر الواقع منهم أنس بن مالك، وفئة ثالثة”اعتزلت السياسة”. قد يبدو الأمر عائما عندما نتحدث عن الصحابة ولا نميز بين كبارهم وصغارهم. وعندما نمعن في الحياة السياسية زمن الشيخين تبرز لنا مؤسسة صلبة من المهاجرين الأولين، هم الذين توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض وهم العشرة المبشرون بالجنة وهم أصحاب الشورى الذين لا يبرم أمر دونهم. لقد كانت هناك أنوية مؤسسات في دولة الخلافة الراشدة بدأت تتبلور خصوصا في زمن الفاروق الذي استفاد من أنظمة البلاد المفتوحة حين دعت إليها ضرورة اتساع رقعة الدولة الإسلامية ووظائفها وحاجياتها.

لم تكتمل التجربة للأسف، ولو بقيت تلك النواة الصلبة متماسكة عند مقتل الخليفة عثمان بن عفان كما كانت أيام الردة لما وقع ما وقع ولكان للتاريخ شأن آخر. وإذا كانت كلمة “لو” لا تعيد رسم المسار التاريخي للمسلمين، فإنها تفيد في استخلاص الدروس من هذه الحقبة بالذات وأحداثها الجسام من أجل بناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة، وبلغة العصر الدولة الإسلامية الحديثة، على أسس متينة إيمانية وعقلانية. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “في التاريخ الإسلامي، كانت ظاهرة اغتصاب السلطة وستبقى أحد الأسباب، بل السبب الرئيس بلا ريب، لتسرب الجاهلية إلى المجتمع المسلم. وكل تجديد للإسلام سيتعلق بالجواب الذي سنعطيه والموقف الذي سنتخذه من هذه الظاهرة. إذا لم يتم التنديد بكل وضوح بلا شرعية الحكم العاض واعتباره نقيصة يجرها تاريخ المسلمين مثل كرة المحكومين الحديدية تكبل قدميه منذ قرابة أربعة عشر قرنا، فسيبقى تاريخنا معتما بالنسبة إلينا، وكذا حاضرنا ومستقبلنا.”[10]. يعني هذا الكلام أن الأحداث التي أنتجت الفتنة والتي بدورها أدت إلى تحويل الحكم من خلافة راشدة إلى ملك كسروي، ستبقى حاضرة تؤثر في أجيال المسلمين تحول دون فهم ما جرى ولا تمكن من معرفة من المسئول عن الانكسار التاريخي. إنها نفس الأسباب التي أنتجت اليوم في أفغانستان الحرب الأهلية بين فصائل”المجاهدين” وجعلت بعضهم يتحالف مع الشيطان من أجل الظفر بحصة في الحكم. ويمكن أن تتحول كل أرض إسلامية إلى أفغانستان جديدة عند وصول الإسلاميين إلى الحكم ونبقى نلقي باللائمة على الصهيونية العالمية كما ألقيناها بالأمس على اليهودي عبد الله بن سبأ ومن معه من السبئيين.

يحتاج الأمر إلى تربية خاصة لتلك النواة الصلبة من جماعة المسلمين، ويحتاج الأمر في نفس الوقت إلى مؤسسات تشرك عامة المسلمين وإلى آليات تنظم الاختلاف بين مكونات جماعة المسلمين وتمكن من مراقبة الحكام ومحاسبتهم وعزلهم إن هم أخلوا بشروط مبايعتهم. يحتاج الأمر إلى إعادة الاعتبار للدعوة بصفتها مؤسسات حية لها الكلمة الفصل تسهم في بث الوعي بين عموم المسلمين وتجعل منهم رأيا عاما له وزنه عند اتخاذ القرارات الحاسمة من قبل رجال الدولة ومؤسساتها. يجب أن نخرج من “الفردية” كما يعبر الكاتب زيد بن علي الوزير حين يتعلق الأمر بمصالح الأمة الدنيوية ولا تبقى هذه الأخيرة رهينة ضمير شخص قد يكون حيا أو لا يكون. حين يعرف المتصدي للحكم في مختلف مستويات المسؤولية أن هناك من يحصي عليه أنفاسه، ستصبح المسؤوليات أقرب من المغرم منها إلى المغنم، وآنذاك لن يتصدى لها إلا كل قوي أمين.

هذا فيما يتعلق بسير أمور الدولة وسير مصالح العباد الحياتية، أي تدبير الشأن العام: اختيار الأصلح وانتخاب الأنسب. لكن ليس كل أمر تكون فيه الشورى عامة، بل هناك ما يحتاج فقط إلى استشارة أهل الخبرة من قبل من انتخبوا عن طريق الشورى العامة. وكذلك يكون أمر السلوك إلى الله تعالى:﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (من الآية 59/ سورة الفرقان)، فلا يتصدى للدلالة على الله إلا كل خبير بالطريق إليه، وهو عطاء من الله واصطفاء، لا ينفع هاهنا تصويت ولا انتخاب. وإن اجتماع سياسة النفوس وسياسة الشأن العام في يد واحدة هي الوراثة الكاملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يستعمل للأولى خبرة السالك وللثانية مشورة أهل الرأي ومشورة الخبـراء بالميدان. هل نكون أمام فردية أخرى؟ لا أظن، فلكل أمة قائد سواء كان صالحا أم فاسدا، وكل أمة تسعى لتجعل من قادتها رموزا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالزعامة الدنيوية. وقد منيت تجربة “القيادة الجماعية:direction collégiale ” التي انتهجها الحزب الشيوعي السوفيتي  بعد غياب ستالين، بالفشل الذريع.

إن التخوف من القيادة القوية يبرره الاستبداد الذي جثم على صدر الأمة لعدة قرون، لكن الضمانة التي توفرها حيوية وقوة مؤسسات الدعوة والدولة تبدد هذا التخوف وتجعل من قوة القيادة مكسبا للأمة حولها تتوحد، في نفس الوقت الذي تحافظ فيه على تنوعها واختلاف اجتهاداتها في تدبير الشأن العام. إن بيت القصيد هو كيف تكون لنا مؤسسات حية وقوية؟ إننا نعود لنقول :لابد لنا من استخلاص العبرة من النموذج النبوي والراشدي في الحكم وإعادة ترتيب العلاقة بين الدعوة والدولة من حيث الروح والجوهر، لكننا لن نعيش خارج العصر الذي رغم منجزاته فيما يخص نظم الحكم ما زال يبحث عن وسيلة لتخليق الديمقراطية، فهذا التخليق بالنسبة إلينا تربية على منهاج النبوة تسري في الأمة حكاما ومحكومين تجعلهم ينظرون إلى ما بين أيديهم من مسؤوليات مطايا نحو آخرتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ابن خلدون- المقدمة، ط الرابعة 1990 مكتبة لبنان(كنوز التراث العربي) ص.191

[2] نقصد بها مرحلة الخلافة الراشدة المؤسسة على العدل والشورى لا أمجاد”الخلافة” الأموية و”الخلافة” العباسية التي يتغنى بها القوميون وكثير من الإسلاميين.

[3] الطبقات الكبرى لابن سعد:3/182-183، وتاريخ الطبري:3/210 (عن كتاب خطب أبي بكر الصديق، جمع وتحقيق وتعليق د.محمد أحمد عاشور وجمال عبد المنعم الكومي.تاريخ الطبع 1994 –  دار الاعتصام/ ص.26-27)

[4]  “حج بالناس عبد الملك فخطب الناس بالمدينة فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد فإني لست بالخليفة المستضعف، يعني عثمان، ولا بالخليفة المداهن، يعني معاوية، ولا بالخليفة المأفون، يعني يزيد، ألا وإني لا أداوي هذه الأمة إلا بالسيف حتى تستقيم لي قناتكم، وإنكم تحفظوننا أعمال المهاجرين الأولين ولا تعلمون مثل أعمالهم، وإنكم تأمروننا بتقوى الله وتنسون ذلك من أنفسكم، والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه.” الكامل في التاريخ لابن الأثير: 4/150- دار الكتب العلمية، بيروت- ط 2/ 1995 .

[5] رئيس الدولة نفسه لا يستثنى من المتابعة، فقضية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون مع سكرتيرته لوينسكي مشهورة، ومتابعة الرئيس الفرنسي المنتهية ولايته جاك شيراك في قضية اختلاسات مالية ما تزال في بدايتها.

[6] تنبه الحكام العرب أخيرا إلى سخافة اللعبة عندما يكون المرشح وحيدا فسمحوا بتعدد المرشحين، ولكن على طريقة سباقات المسافات الطويلة، أي إطلاق أرانب السباق لإذكاء روح المنافسة وبث التشويق في جمهور المتفرجين.ورغم عدم جدية اللعبة فإن حكامنا لا يريدون أن تسول للآخرين أنفسهم التفكير أو الحلم باعتلاء كرسي الرئاسة، ولهذا تم سجن المرشح أيمن نور في انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة مباشرة بعد انتهاء اللعبة، فهل سيجرؤ حالم آخر على المجازفة!؟

[7] هذا الاكتشاف العجيب هو لقيدوم الحكام العرب العقيد معمر القذافي القائل أن”ديمو” هي اختصار للكلمة العربية ديمومة ، و”كراسي” تعني الكراسي، أي ديمومة الشعب على الكراسي، ولعله يقصد ديمومة الحكام على الكراسي جاثمين على صدور شعوبهم، فهذا أصوب!

[8] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا. ط الثالثة 1994 – الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع – بيروت. ص.373

[9] عبد السلام ياسين-  العدل، الإسلاميون والحكم.ط.1 سنة 2000م – مطبوعات الأفق /ص.105

[10] La révolution à l’heure de l’Islam ; page 16. Imprimerie Carlo Descamps -France /1990

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.