منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الديانات “الإبراهيمية” |قراءة في خفايا المصطلح |

د. مصطفى العلام

0

تقديم

كثر الحديث مؤخرًا عن الأديان الإبراهيمية، أو الدين الإبراهيمي العالمي، وخاصة عندما أعلن الرئيس الأمريكي السابق ‘دونالد ترامب’ يوم الخميس 13أغسطس 2020م عن إبرام اتفاق سلام بين إسرائيل والإمارات. والملاحظ أن هذا الاتفاق لم ينسب إلى ‘دونالد ترامب’ باعتباره المشرف عليه، وقد كان هذا الاسم هو المقترح الأول قبل تحويله إلى ‘اتفاق إبراهيم’، ولم ينسب إلى المكان الذي وُقِّع فيه كما جرت العادة بذلك، بل سمي ‘ اتفاق إبراهيم’. أما بخصوص الدوافع المعلنة لتسمية هذا الاتفاق باسم ‘اتفاق ابراهيم’، فقد أشار السفير الأمريكي لدى إسرائيل’ديفيد فريدمان’ من جانبه إلى« أن الاتفاق الإبراهيمي جاء تيمنا بالنبي إبراهيم ـ أبي الديانات السماوية الكبرى ـ.ولايوجد شخص يرمز بشكل أفضل إلى إمكانية وحدة هذه الديانات الثلاثة العظيمة أكثر منه».[1].

وبدأت تسمية «اتفاقيات السلام» و«التطبيع» مع الكيان الصهيوني المحتلّ، والتي أعقبت الاتفاق الأول مع دولة الإمارات بـ (الاتفاق الإبراهيمي)، فما حقيقة مصطلح، الديانات الإبراهيمية؟، وماهي دلالاته ؟ وما هي الأسباب الخفية لإطلاق هذا المصطلح على اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل؟ وماهو دور إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في المخطط الجديد ؟!

كلها أسئلة مشروعة تطرح، ويروم هذا البحث الإجابة عنها وتسليط الضوء عن أبرز المظاهر والأهداف الخفية لمثل هذه الدعوة الإبراهيمية، من خلال محورين اثنين:

  • المحور الأول: قراءة في مصطلح (الإبراهيمية)
  • المحور الثاني: بعض أسرار استثمار رمزية النبي إبراهيم عليه السلام.
المزيد من المشاركات
1 من 24

أولا: قراءة في مصطلح (الإبراهيمية)

بداية عندما يطلق مصطلح الديانات الإبراهيمية، فإن المقصود به عادة الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام.

1ـ مصطلح الإبراهيمية بالنسبة للديانات اليهودية والمسيحية والإسلام

  • الإبراهيمية بالنسبة للديانة اليهودية:

يرجع اليهود أصل ديانتهم إلى عصر النبي إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، أي إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وهي الفترة التي يطلقون عليها اسم عصر الآباء وتمتد إلى ظهور النبي موسى عليه السلام، يقول شفيق شقير« ولكن الثابت يهوديا أن النبي إبراهيم هو المبدأ، وتبدأ فترة الآباء بظهوره كأول شخص عبراني، ويعد بعض الباحثين هجرة إبراهيم مع قومه من منطقة (أور) في العراق إلى فلسطين أنها كانت الهجرة الأولى للقبائل اليهودية» [2].

  • الإبراهيمية بالنسبة للديانة المسيحية:

الإبراهيمية في العهد الجديد هي نفسها بالنسبة للعهد القديم على اعتبار أن العهد الجديد يثبت ماجاء في العهد القديم وأن هذا الأخير مقدمة  للعهد الجديد عند كثير من الطوائف المسيحية، ومن جهة ثانية على اعتبار الفهم المسيحي للرسائل التي جاء بها الرسول’بولس’ الذي قال فيها” لطالما كان إبراهيم أبا لكل من يؤمن”.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 15
  • الإبراهيمية بالنسبة للإسلام:

أما في الإسلام فإن إبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء جميعهم، فلم يُبْعَث أي نبي من بعده إلا من نسله، يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة الأنعام، الآيات 84-86﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ. كما أمر الحق سبحانه وتعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم باتباع ملة ابراهيم عليه السلام، يقول الحق سبحانه في سورة النحل الآية 123 ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. كما أن اتباع ملة إبراهيم عليه السلام كان من الأدعية التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى، ولازال يرددها المسلمون من بعده،فعن عبدالرحمن بن أبزى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « أَصبَحْنا  على  فِطرةِ الإسلامِ،  وعلى  كَلِمةِ  الإخلاصِ، وعلى دينِ نَبيِّنا محمَّدٍ وعلى مِلَّةِ أبينا إبراهيمَ حَنيفًا مُسلِمًا، وما كان مِنَ المُشرِكينَ»[3].

2 ـ الدعوة إلى وحدة الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام:

إن فكرة توحيد الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام، وجدت قديماً عند بعض المنتسبين إلى الصوفية كابن سبعين، وابن هود، والتلمساني، وقد أشار إلى ذلك ابن تيمية – رحمه الله – في أكثر من موضع في كتبه، فمن ذلك قوله: « كان هؤلاء كابن سبعين ونحوه يجعلون أفضل الخلق ” المحقق ” عندهم، وهو القائل بالوحدة، وإذا وصل إلى هذا فلا يضره عندهم أن يكون يهودياً أو نصرانياً، بل كان ابن سبعين وابن هود والتلمساني وغيرهم يسوغون للرجل أن يتمسك باليهودية والنصرانية كما يتمسك بالإســلام، ويجعلون هذه طرقاً إلى الله بمنزلة مذاهب المسلمين »[4].

كما وجدت فكرة جعل الديانات اليهودية والمسيحية والإسلام في منزلة واحدة عند التتار أيضا، يقول ابن تيمية أيضا: ” وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين “. [5]

أما في العصر الحديث، فإن من أشهر دعاة  البحث عن المشترك في  الديانات الثلاث والتوفيق بينها  ‘جمال الدين الأفغاني’[6]. وتلقف هذه الدعوة من بعده تلميذه ‘محمد عبده’، فقد كان له مشاركة في التوفيق بين الإسلام والنصرانية[7]. ومن المفكرين الغربيين الذين دعوا إلى الوحدة بين الأديان المنبعثة من مشكاة واحدة، تحت مسمى الدين الإبراهيمي، نجد الفيلسوف الفرنسي’رجاء جارودي’ كما هو واضح في رسالته المسماة بـ ” وثيقة أشبيلية “.[8]


 الهوامش

[1] مصطفى محمد علي: الإبراهيمية اختراع صهيوني للسيطرة على الشرق الأوسط، تقارير وملفات26/09/2020، المكتب الإعلامي الفلسطيني في أوربا فلسطيننا.

[2] شفيق شقير: محطات في اليهودية ـ قضايا/إسرائيل ـ 22/12/2004 موقع شبكة الجزيرة

[3] أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٩٨٣١)، وأحمد (١٥٣٦٠) واللفظ له.

[4] ابن تيمية(ت728ه)، مجموع الفتاوى، تحقيق، بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية 1416ه/1995م، مج14، ص:165.

[5] المرجع نفسه، مج28، ص: 523.

[6] (انظر: مصطفى فوزي بن عبد اللطيف غزال، دار طيبةـ الرياض ـ المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى 1403ه /1983م، ص: 241)

[7] (انظر: محمد محمد حسين: الإسلام والحضارة الغربية، دار الفرقان، بدون طبعة ص: 197-198)

[8] (انظر: سعد ظلام: لا لجارودي ووثيقة أشبيلية)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.