منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

النصيحةُ لا تُقطعُ رِزقًا، ولا تُنهي أجلًا…

النصيحةُ لا تُقطعُ رِزقًا، ولا تُنهي أجلًا.../ للدكتور وائل الزرد

0

النصيحةُ لا تُقطعُ رِزقًا، ولا تُنهي أجلًا…

بقلم: الدكتور وائل الزرد

قابلتُ بعضَ الشباب المؤدب، وكثيرًا ما سمعتُ منهم شكاوَى على رؤسائِهم في العمل الحكومي، أو مسؤولِيهم في العمل التنظيمي، وبعض هذه الشكاوى تصل إلى حد ارتكاب بعض المحرمات وانتهاك بعض الحرمات، أو أنَّ فيها تركًا لبعض الواجبات أو دوامًا على ترك النوافل من العبادات، وكنت في كل مرة أقول لهذا الشاب أو ذاك: “طيب هل نصحتَ مسؤولَك هذا أو رئيسَك في العمل؟” وتكون الإجابة للأسف: لا، لم أفعل!

وفي كل مرة -للأسف- حين تكون الإجابة التي تصلني بالنفي، أُبادر فأسأل الشباب: ولماذا تعزفون عن نصيحتهم وتذكيرهم؟ فتكون الردود مختلفة، وفي مجملها تحوم حول [إنهم لا يستجيبون، إني أخشى على نفسي، نصحَهم فلانٌ قبلي فتمَّ فصلُه، ذكَرهم فلانٌ فنُفي من مكان عمله، وكيف أنصحه وهو هو، وهكذا]، وهذه الأعذار ترجع إلى:

1/ الخوف على الرزق:

يُحجمُ بعض الناس عن اسداء النصيحة لمن يعلوهم مسؤولية، خوفًا على رزقٍ سيقطع، أو أجل سينتهي، فتراه يرى منكرًا يُفعل فلا يتمعر وجهه، ولا يجهر بالإنكار، ويرى معروفًا كاد أن يندرس فلا يأمر به، معتقدًا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببًا، وهذا مبناه على الجهل في الدين، والخلل في الفهم، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ فِي حَقٍّ إِذَا رَآهُ، أَوْ شَهِدَهُ أَوْ سَمِعَهُ” رواه الإمام أحمد في المسند: 11017 وإسناده صحيح.

فالحقُّ أحقُّ أن يُبتع، واللهُ أحقُّ أن يُخشَى، والأرزاق والآجال بيد الله لا بيد أحدٍ من خلقه، والتعلل بهذه الأعذار الواهية ليست حجةً في ترك النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر جدُّ خطير؛ إن ساد مثلُ هذا الخلق السيء وسط شبابنا، فيعزفون عن النصيحة فيزداد المنكر والشر، وتلقائيًّا يقل المعروف والخير، ويشتركون -بصمتهم- في الإثم، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: “لَا يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: “يَرَى أَمْرًا، لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ، ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى” رواه ابنُ ماجه: 4008 قال البوصيري: إسناده صحيح ورجاله ثقات.

2/ الجهل بمفهوم “الحياء”:

وبعضُ هؤلاء الشباب، وجدتُهم يحتجون بحيائهم، فهم لا يقوون على نصيحة من فوقهم، من مسؤولين ورؤساء، فإذا رأوا منكرًا من أحد مسؤوليهم أو ممن يعلوهم في المكانة أو الرتبة، يحمر وجهه، ويكتفي أن يقول في نفسه: “اللهم هذا منكر لا أرضاه” ثم يُمسك حياءً وخجلًا، ويتوارى عن المشهد، وقلبه لا يطاوعه، إذ لو كان ما فعل خيرًا لكان مشروعًا، ولكنه ليس بخير، فعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ» رواه البخاري: 6117 وفي رواية: “الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ” رواه مسلم: 37.

فما يظنه بعضُ الشباب حياءً، ما هو إلا وهنٌ وعجزٌ وضعفٌ، اعتراهم لضعفِ إيمانِهم وجهلِهم بربهم، {فَالنَّصيحَةُ لَا تُقطعُ رِزْقًا، وَلَا تُنهِي أَجَلًا} والواجب علينا جميعًا: أن تقوى في جانبنا النصيحة لكل الخلق، لا المسؤولين فقط، فليس هناك كبيرٌ على النصيحة، فزمن العصمة قد ولَّى إلى غير رجعة، ومن ادَّعاها فهو كذَّاب أشِر، ومن زعم أنه غنيٌّ عن النصيحة، غير محتاجٍ للتذكير، فهو عتلٌ جواظٌ مستكبر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.