منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(3) نصائح للطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، في العلوم الشرعية

(3) نصائح للطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، في العلوم الشرعية/ الدكتور سعيد حليم

0

(3) نصائح للطلبة الباحثين في سلك الدكتوراه، في العلوم الشرعية.

الدكتور سعيد حليم

أستاذ العليم العالي بجامعة سيدي محمد ابن عبد الله بفاس

النصيحة الأولى: مسألة الجدوى في الأطروحات الجامعية

جرت العادة في الكثير من الأطروحات في العلوم الشرعية؛ أنها تبحث في موضوعات تراثية قديمة. هذا الأمر لا بأس به، لكن الذي فيه بأس وخلل، هو ألا يتم ربط الموضوع بجدواه في العصر الحاضر.

لا بد من الربط بين الماضي والحاضر؛ وإلا كان الرجوع إلى الماضي بلا فائدة.

فالباحث مثلا، عندما يرجع لدراسة منهج ابن جرير الطبري، أو ابن أبي حاتم، أو البغوي، أو ابن كثير، أو السيوطي في التفسير؛
أومنهج الغزالي، أو الباجي، أو السرخسي، أو الشاطبي في علم الأصول؛

أو منهج الحاكم، أو الخطيب البغدادي، أو ابن الصلاح، أو النووي، أو الحافظ ابن حجر، أو السخاوي في علم الحديث…؛
لا بد له من بيان أوجه الاستفادة من هذه المناهج اليوم في تدريس هذه العلوم، أو غير ذلك من أوجه الإفادة؛ حتى لا نبقى أسرى حقبة زمنية محددة.

للأسف؛ الكثير من الأطروحات الجامعية في العلوم الشرعية؛ لا تستحضر هذا المقصد، وتمر عليه مر الكرام. الكثير من الأمور الموجودة في التراث، ما زالت صالحة إلى اليوم، لكن تحتاج إلى من يبينها، ويربطها بحاجات الفرد، وحاجات المجتمع؛ حتى تظهر قيمتها وصلاحيتها.
لا يوجود موضوع كيفما كان مجاله، لا يمكن ربطه بحاجات الناس اليوم. ويعظم الأمر، ويكبر الخلل، عندما يكون موضوع الأطروحة في الفقه؛ الذي يرتبط ارتباطا وثيقا بالزمان والمكان، وحاجات الناس؛ فلا تجد في الأطروحة ربطا بالحاضر.
فنحن مثلا إذا رجعنا إلى دراسة مصدر من مصادر الفقه المالكي في قرن من القرون الماضية؛ فهل نبقى في تلك القرون، ونحكم على أنفسنا من حيث لا ندري بالإقامة الجبرية، أم نستفيد من ذلك في حل مشاكل عصرنا بما يوافق النوازل الجديدة.
الأفضل في ذلك أن ندرس المصدر القديم، ونستفيد منه اليوم؛ سواء في منهجه الفكري، أو في منهج التدريس، أو في مستويات أخرى، لا بد من الاجتهاد في إيجادها.

المهم من ذلك كله؛ أن يكون رجوعنا إلى الماضي؛ من أجل الاستفادة من ذلك في الحاضر والمستقبل، مع استحضار مستجدات العصر، وخصائص السياقات الجديدة.

النصيحة الثانية: أثناء إنجاز الأطروحةلا بد من أن يحرص الباحث على التعمق في العلم الذي اختص به.

ذلك أن موضوع الأطروحة، عادة ما يرتبط بمسألة من مسائل العلم، وليس بكل المسائل. ولذلك على الباحث أن يخصص حيزا زمنيا طيلة سنوات البحث؛ للاغتراف من معين العلم بالمكيال الأوفى. ويتحقق ذلك في نظري والله تعالى أعلم، بحفظ منظومة في العلم، وأن يقبل على قراءة مصادر العلم قراءة متأنية، وأن يعمد بعد ذلك إلى تلخيصها؛ حتى تترسخ في الذاكرة البعيدة. وينبغي بعد ذلك أن يوظف مكتسباته في ممارسة قواعد العلم؛ حتى يتمكن بالملكة في العلم الذي اختص به.

فالملكة في التفسير؛ تقتضي اكتساب اللغة العربية بحظ وافر، وعلوم البلاغة، وأصول الفقه، ثم ينتقل الباحث لممارسة التفسير، ومقارنة ما فسره، بما يوجد في تفسير أو أكثر. وليختر في البداية، تفسيرا مختصرا، ثم يتدرج بعد ذلك إلى ما هو أرقى وأعمق.

والملكة الحديثية؛ تكتسب بعد الإحاطة بقواعد العلم من المصادر؛ بممارسة التخريج، والتصحيح والتضعيف، والتعديل والتجريح. الاقتصار على قراءة كتب العلم فقط، ولو دامت قرنا من الزمن، لا توصل صاحبها إلى أن يكون محدثا.
والملكة في الفقه والأصول؛ تكتسب بعد تحصيل قواعد العلم فهما، وحفظا؛ بممارسة الاستنباط من الأدلة الشرعية، وفق القواعد الأصولية، بعد الاطلاع على مناهج العلماء في ذلك.

جماع القول: الملكة في كل العلوم؛ تكتسب بتحصيل القواعد النظرية، ومممارسة تلك القواعد، وتوظيفها بحسب خصائص كل علم من العلوم.
والتوظيف؛ يتحقق بتدريس العلم، والبحث في مسائله، والتأليف فيه. التأليف في العلوم مسلك قوي، لامتلاك ناصيتها، والقدرة على التصرف فيها.

النصيحة الثالثة: بعد أن ينتهي الباحث من أطروحته في صيغتها النهائية؛ يستحسن أن يسلمها لباحث آخر؛ حتى يقرأها قراءة دقيقة؛ لتكون خالية من الأخطاء اللغوية.

الباحث صاحب الأطروحة، مهما قرأ بحثه؛ فإنه سيترك أخطاء كثيرة؛ لأنه عند القراءة، يقرأ ما استقر في دماغه، لا ما في الأوراق. وقد يمر على الخطأ وهو يعرف أنه خطأ، لكن لا يتنبه له.

في حين أن الباحث عندما يسلم بحثه لغيره؛ فإن القراءة ترتبط بما هو مكتوب على الأوراق. صاحب البحث يقرأ ما استقر في ذهنه، أكثر مما هو مكتوب.

فإذا تعذر ذلك؛ فليحرص الباحث على مراجعة بحثه بتؤدة وتريث مرات متعددة، وفي أوقات مختلفة؛ حتى يقلص هامش الأخطاء اللغوية، التي قد تضر بصاحبها يوم المناقشة.

ومن الأمور التي تحتاح مراجعات مستقلة:

١- مراجعة الإيات القرآنية؛ فإن الخطأ في القرآن جسيم، وأمره عظيم؛

٢- مراجعة الأحاديث النبوية، والتثبت من مواضع عزوها، وصيغ ألفاظها؛

٣- مراجعة نصوص الاستشهاد؛ فقد يقع فيها سقط، أو تصحيف، أو تحريف. وليتجنب الباحث النقل بواسطة؛ فإن ذلك قد يكون مظنة للخطأ.

النصيحة الرابعة: أثناء إنجاز الأطروحة

ينسى الكثير من الباحثين، مرحلة ما بعد المناقشة؛ التي تتطلب ملفا علميا، فيه ما يكفي من المقالات العلمية المنشورة في المجلات العلمية المحكمة. لذلك لا بد من أن يستحضر الباحث هذا الأمر بقوة، وأن يلزم نفسه -مثلا- نشر مقالة كل ستة أشهر في مجلة من المجلات العلمية المحكمة. فإذا انقضت مدة الأطروحة؛ وجد الباحث وفاضه مليئا بما يؤهله؛ لخوض غمار التباري على مناصب أساتذة التعليم العالي المساعدين.

إذا لم ينتبه الباحث لهذا الأمر؛ فإنه بعد مناقشة الأطروحة، سيجد نفسه مضطرا للانتظار لأعوام؛ حتى يكون ملفه العلمي في المستوى المطلوب.

الحصول على الدكتوراه بأي ميزة، لا يعطي الأفضلية للباحث، ما دام أغلب الباحثين يحصلون على الدكتوراه بميزة مشرف جدا.
وبه تم الإعلام.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.