منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“طالبان” الأفغانية وتحدي الصورة الإعلامية

"طالبان" الأفغانية وتحدي الصورة الإعلامية / د. أحمد الزقاقي

0

“طالبان” الأفغانية وتحدي الصورة الإعلامية

د. أحمد الزقاقي

بالتزامن مع الانسحاب الأمريكي من أفغانستان بعد غزو دام عشرين سنة (2001-2021)، تتتابع خطوات استيلاء حركة “طالبان” على الأرض، بيد على الزناد وعين على المفاوضات لضمان استسلام حكومي تقبل بموجبه الحكومة الأفغانية بانتقال سلمي وسلس للسلطة، هذا الظهور المتنامي لطالبان على مسرح الأحداث تشوش عليه الصورة السلبية التي قدمتها الحركة عن نفسها من خلال خطابات قيادييها، وإبان ممارستها للسلطة، مما يجعل نجاحها رهينا بتصحيح الصورة الإعلامية المقدمة عنها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وبيان ذلك يقتضي وصل ماضي أفغانستان بحاضرها لاستخلاص الدروس واجتناب الأخطاء وبناء الوطن:

1. تاريخ وجغرافيا “أفغانستان” يُكسبان البلد قيمة استراتيجية جعلته مرمى أنظار ومحط أطماع دول الجوار والقوى الكبرى في العالم.

2. شعب شديد المراس، وشديد التمسك بالتقاليد وبالإسلام، بغض النظر عن درجة تمثل افراده وجماعاته لحقيقته وروحه ومقاصده، وشديد المقاومة للمستعمرين وللمحتلين، فتَمنَّع على كل محاولات التدجين والاحتواء وإبعاده عن هويته أو لغته القومية، ولذلك لم يخطئ من سمى البلد “مقبرة الأمبراطوريات” (بريطانيا، الاتحاد اليوفياتي، الولايات المتحدة الأمريكية)

المزيد من المشاركات
1 من 108

3. بعد التحرر، وأحيانا كثيرة، كانت تلك الشدة على الأجنبي تنقلب إلى اقتتال واحتراب داخلي نتيجة العصبيات العرقية، والخلاف حول “قسمة الغنائم”، وعدم تطهر القلوب من “حب الرئاسة” (وآخر ما يخرج من قلوب الأولياء حب الرئاسة) ليظل درس معركة “أحد” خالدا وشاهدا يحذر المسلمين من أن ينشغلوا عن تحصين وحماية الانتصار بقسمة الغنائم:فما إن خرج الاحتلال السوفياتي حتى دخلت البلاد في حرب أهلية طاحنة، أفقدت كل السياسيين ثقة الشعب، وخرج من بين طلبة المدارس الدينية فصيل أفغاني هو “حركة طالبان” استطاعت أن تخفض نسبة الجريمة، وأن تحد من فوضى السلاح الذي انتشر.

4. كان المذهب الحنفي هو السائد في “أفغانستان”، وهو مذهب عرف عنه الاتجاه التقديري في الفقه، ومراعاته للواقع والعرف،وأخذه بسبل التيسير، ثم تسللت بعد ذلك إلى البلد شيئا فشيئا ومن بوابة “المجاهدين العرب” (وقد كانوا خليطا من ذوي النيات الحسنة وذوي النيات السيئة الذين كانوا يخدمون أجندة دول خارجية)، جرثومة الجمود على حرفية الأقوال والأفعال، وخوض معارك جانبية حول “البدع” و”قبور أولياء أفغانستان” والدعاية لدولة آل سعود الوحيدة “التي تطبق شرع الله على الأرض”.

5. بالرغم من تحريم “طالبان” لاستهداف المدنيين اثناء المعارك، ومن عدائها الشديد لتنظيم “داعش” إلا أن الحركة فشلت في تقديم صورة إعلامية إيجابية عنها، مما سهل على خصومها شيطنتها، فالصورة التي انطبعت في أذهان الكثيرين ارتبطت بالبداوة والتشدد والعبوس، ومع التكرار تصير تلك الصور الذهنية صورا نمطية تنضاف إلى سيل الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين، لاسيما بعد أن اتخذت آفة “الإسلاموفوبيا” في الغرب أبعادا وبائية، تدعو المسلمين إلى أن يراعو ما يقال وما يفعل، وما يذاع وما ينشر،وتحث “طالبان” على إقامة حوار وطني موسع بين كل مكونات الشعب الأفغاني وعرقياته لبناء الدولة، وتقوية النسيج الاجتماعي، واعتماد ثقافة المناعة لا المنع للمرور بالبلاد إلى بر الأمان، وإلا فإن الحرب الأهلية التي اندلعت بعد خروج المستعمر السوفييتي ستتكرر بعد خروج المستعمر الأمريكي لا قدر الله، وهذه المرة ،وبعد أن احترقت ورقة “التحريش العرقي”-أظن- سيعتمد أعداء الاستقرار الأفغاني ورقة “التحريش الطائفي” بعد أن أوشكت أن تؤتي أكلها في سوريا ولبنان والعراق واليمن، وانخرطت فيها دول قسم منها يدعي الدفاع عن السنة وقسم آخر يدعي الدفاع عن الشيعة، فهل سيسقط في الفخ “حزب الوحدة” الأفغاني “الشيعي” وحركة “طالبان” الأفغانية “السنية”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.