منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقيقة التفقه في الدين

الدكتور بن عسو عيساوي / حقيقة التفقه في الدين

0

حقيقة التفقه في الدين

الدكتور بن عسو عيساوي

 

الفقه لغة: يطلق على العلم والفهم والفهم الدقيق، وفهم غرض المتكلم من كلامه.
وفي اصطلاح الأصوليين: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، أو العلم بأحكام التكليف.
والتفقه في الدين: هو فهم واستيعاب أحكام الشريعة الإسلامية وأصولها.
والأحكام الشرعية عند جمهور العلماء خمسة “الْوَاجِبُ، وَالمَنْدُوبُ، والْمُبَاحُ، والْمُحرم، وَالمَكْرُوهُ، فَالْوَاجِبُ: مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمَنْدُوبُ: مَا يُثَاب عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمُبَاحُ: مَا لا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ. وَالْمُحرَّم: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ. وَالْمَكْرُوهُ: مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ، وَلا يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ”.
والأدلة التفصيلية التي تُكْتَسَبُ منها هذه الأحكام هي النصوص الشرعية من قرآن كريم وسنة نبوية.

حكم التفقه في الدين

ينقسم الفقه إلى فرض عين وفرض كفاية، ففرض العين مثل: الطهارة والصلاة، والصوم، فعلى كل مكلف معرفته، قال النبي صلى الله عليه وسلم ” طلب العلم فريضة على كل مسلم ” (سنن ابن ماجه) وكذلك كل عبادة أوجبها الشرع على كل واحد، يجب عليه معرفة علمها، كالزكاة إن كان له مال، والحج إن وجب عليه . وكذلك كل معاملة يختص بها ومهنة يمتهنها، فالتاجر يجب عليه تعلم أحكام البيوع وما يرتبط بها…
وأما فرض الكفاية فهو: أن يتعلم حتى يبلغ درجة الاجتهاد ورتبة الفتيا، فإذا قعد أهل بلد عن تعلمه عَصَوْا جميعا ، وإذا قام من كل بلد واحد فتعلمه سقط الفرض عن الآخرين.
قال الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره
قوله عز وجل: “وما كان المؤمنون لينفروا كافة ” الآية. قال ابن عباس في رواية الكلبي : لما أنزل الله عز وجل عيوب المنافقين في غزوة تبوك كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا (السرية هي المعركة التي لا يحضرها الرسول صلى الله عليه وسلم) فكان المسلمون ينفرون جميعا إلى الغزو ويتركون النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فأنزل الله عز وجل هذه الآية وهذا نفي بمعنى النهي.
وقوله تعالى :”فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ” أي: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة ويبقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة ” ليتفقهوا في الدين ” يعني الفرقة القاعدين، يتعلمون القرآن والسنن والفرائض والأحكام، فإذا رجعت السرايا أخبروهم بما أُنْزِلَ بعدهم، فتمكث السرايا يتعلمون ما نزل بعدهم، وتبعث سرايا أخر، فذلك قوله” ولينذروا قومهم ” وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، ” إذا رجعوا إليهم لعلهم “يحذرون “ولا يعملون بخلافه .

المزيد من المشاركات
1 من 51

أهمية التفقه في الدين والغاية منه

عن مُعَاوِيَةَ بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :”مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ” متفق عليه
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله “ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي: يتعلم قواعد الإسلام، وما يتصل بها من الفروع فقد حُرم الخير، فقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره “ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به”، والمعنى صحيح؛ لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيها ولا طالب فقه، فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير، وفي ذلك بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضل التفقه في الدين على سائر العلوم” (فتح الباري)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

“كُلُّ مَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَنْ لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين ِ، لَمْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا ، وَالدِّينُ : مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم؛ وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُصَدِّقَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَ، تَصْدِيقًا عَامًّا ، وَطَاعَةً عَامَّةً” (مجموع الفتاوى)
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ” النَّاسُ مَعَادِن كَمَعَادِن الذَّهَب وَالفِضَّة، خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّة خِيَارُهُم فِي الإِسْلاَم إِذَا فَقُهُوا”. (صحيح مسلم)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ” .( ابن ماجه )
ويقول السعدي  في تفسيره للآية السابقة
“لِيَتَفَقَّهُوا” أي‏:‏ القاعدون “فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ” أي‏.‏ ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم‏.‏ ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علما، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي يُنَمَّى له‏.‏
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه‏؟‏ وأي نتيجة نتجت من علمه‏؟‏ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه اللّه علما ومنحه فهما‏.‏”

فالتفقه في الدين يعلم الإنسان كيف يعبد ربَّه عز وجل، لأن الله تعالى لا يقبل عمل عبد إلا إذا كان خالصا وصوابا، فإذا أصاب الإنسان مقصود الله تعالى من خلقه – وهو تحقيق العبودية التامة له عز وجل-، صار هذا الإنسان محبوبا مقربا عند خالقه عز وجل. ثم أن الفقه لا تنمو ثمرته إلا بتبليغه للناس ونشره بينهم حتى لا يتخذ الناس رؤوسا جهالا يفتون في دين الله تعالى بغير علم فيَضِلُّوا ويُضَلُّوا.

مجالات التفقه في الدين

لقد بعث الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ليُعَلِّمَ الناس دينهم، فكان تعليمهم أمور الدين تعليما شاملا، بدءا بالعقيدة والتوحيد ثم العبادات والمعاملات والأخلاق. لكن بعد مرور زمن النبوة والخلافة الراشدة بدأ الفقه يتجزأ شيئا فشيئا حتى استقر في بعض أبواب الفقه وخاصة باب العبادات. والمطلوب من المؤمن كي يكون على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد السكة إلى أصلها كما كانت في زمن النبوة والخلافة الراشدة تأسيسا للخلافة الثانية الموعودة بإذن الله عز وجل. يقول الحبيب المرشد رحمه الله تعالى في كتاب ” نظرات في الفقه والتاريخ” ص 18 – 19 – 20 :

” نكون منهاجيين إن نحن جعلنا تحت أيدينا الفقه الموروث المجزأ نخاطبه ونحاوره ونسائله وننتقده ونستفيد منه حسب ما نجد عنده أو لا نجد، من خبر أو دراية أو رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد الموفق المعصوم، كيف بلغ، وحين ألف الجماعة بتأليف الله، وحين سلح، وحين آخى وشجع على التضامن في الأرزاق، وحين غزا وواجه العدو، وحين علم كل علم نافع، لا يحقر من التعليم أبسط المبادئ، وحين جاهد حتى ترك لنا أمة واحدة أمرها بينها شورى، حين أوصى ونصح بما سيؤول إليه الأمر من ترد إلى اغتصاب الحكم وإلى العض والجبر، وحين بشر بالخلافة الثانية على منهاج النبوة. نجد مثلا رواية تحدثنا عن الملك العاض أو العضوض فيفهمها أسلافنا من مواقع زمانهم وسياسته ونظام حكمه والجو العام فيه، ومن مواقع اهتمامهم وهمهم وهمتهم وإشفاقهم على أنفسهم وعلى الأمة. يؤولون تلك الرواية على أن ذكر الملك العضوض تشريع له وإيصاء به. لا نكاد نجد من فهم الحديث الشريف على أنه إخبار بكارثة ستقع، إخبار يتضمن تحذيرا.”
” نضع مثلا في موضعها من الإعراب جملة الفقه السلطاني و”الأحكام السلطانية” في خانة التوقير، ونقارن بين البحار الزاخرة من فقه الفروع التي كانت ضرورية ومسموحا بها، وبين المقالة في حقوق الله وحقوق الأمة في الشورى والعدل، فنجد هذه نزرا يسيرا خجولة ساكتة عن كثير من الحق، ناطقة ببعض الباطل كالفتوى بإمامة المستولي بالسيف.”

“ننظر في علم السلوك لنأخذ أحسن ما خلفه الصالحون من معاني التعلق بالمولى جل وعلى، ومن معاني ترقيق القلوب، ومن معاني تهذيب النفس والأخلاق، ومن معاني الصدق في طلب وجه الله عز وجل، ومن معاني العزوف عن دار الغرور، ومن معاني الإنابة إلى الرب الكريم وإلى الدار الآخرة. نأخذ المعاني والروح لا الأساليب الزهادية التي كانت مظهرا من مظاهر الانزواء تركت الباغين في الأرض في عربدة لا مراقب عليها، والأمر لله.”
فعلى المؤمن السالك إلى الله تعالى الساعي إلى تحقيق موعوده عز وجل في الأرض، أن يتفقه في كل مجالات الفقه إحقاقا للعدل بتعلم الأحكام السلطانية وما يرتبط بها من السياسة الشرعية ووصولا إلى الإحسان بتعلم فقه العبادات والمعاملات والأخلاق.
فاللهم علِّمنا ما ينفَعُنا وانفَعنا بما علَّمتنا وزِدنا عِلمًا. والحمد لله في الأولى والأخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.