منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التأمين التكافلي في المغرب؛الإطـار القانوني وسؤال التنفيذ

التأمين التكافلي في المغرب؛الإطـار القانوني وسؤال التنفيذ/ الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

 

التأمين التكافلي في المغرب؛

الإطـار القانوني وسؤال التنفيذ.

بقلم: الدكتور أحمد الإدريـــسي.

 

       يعتبر التأمين التكافلي أهم منتج في منظومة المالية الإسلامية عامة، فهو مرتبط بجميع المنتجات الأخرى، من قبيل المرابحة للعقار أو السيارات. وفيه تحقيق الأمان عن طريق التكافل التعاون بين المشتركين، والتخفيف من آثار المخاطر التي تصيب أحد المنخرطين على أساس التبرع، وتخفيف الضرر الذي قد يصيب أحدهم أو رفعه عنهم.

المزيد من المشاركات
1 من 27

       ويقـدم التأمين التكافلي نفس الخدمات التي يقدمها التأمين التقليدي مع تجنب المحظورات الشرعية، والمتعلقة بالغرر المفسد للعقد والربا وغيرها.

فما هي أهداف التأمين التكافلي؟ وما هو سياقه القانوني في المغرب؟

أولا: مفهوم التأمين التكافلي.

التأمين في اللغة يعني إعطاء الأمن والأمان. وهو أيضا مأخوذ من الأمانة وهي ضد الخيانة، وعقد التأمين هو: “عقد معاوضة يلتزم أحد طرفيه وهو المؤمّن أن يؤدي للطرف الآخر المؤمّن له أو إلى المستفيد الذي جُعل التأمين لمصلحته، عوضا ماليا يُتفق عليه”[1].

ونظام التأمين هو نظام تعاقدي يقوم على أساس المعاوضة، غايته ترميم المخاطر الطارئة، بواسطة هيآت منظمة، تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية”[2].

وكلمة تكافل في اللغة تعني ضمان، أي؛ كفالة الناس بعضهم لبعض، وتعني الضمان المشترك، أي؛ المتبادل. والتأمين التكافلي: تنظيم تعاقدي يهدف إلى تحقيق التعاون بين مجموعة من المشتركين يتعرّضون لخطر واحد أو أخطار معينة، حيث يقوم كلّ منهم بدفع مبلغ مالي على سبيل التبرع يسمى؛ “الاشتراك” بما يؤدّي إلى تكوين صندوق يسمّى “صندوق المشتركين” يتمّ من خلاله دفع التعويض لمن يستحقه ويكون هذا الصندوق منفصلا بشكل تامّ عن حسابات مؤسسة التأمين التكافلي الذي يسمى حساب المساهمين[3].

ثانيا: أهداف التأمين التكافلي.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 32

التأمين التكافلي هو صيغة من صيغ التأمينات مخصصة للمالية التشاركية، ويقوم على أساس التكافل بين عدد من الأشخاص من أجل تلافي الأضرار التي يمكن أن تلحق بهم، وذلك وفق ضوابط الشريعة، ومن أهداف التأمين التكافلي:

* تقديم المستأمن اشتراكات متبرعا بها كليا أو جزئيا لتكوين محفظة تأمينية لها شخصية مستقلة تدفع منها عند وقوع الضرر المؤمن ضده، وما يتحقق من الفائض بعد التغطية والمصاريف واقتطاع الاحتياطات يوزع على المستأمنين المشاركين في تكوين محفظة التأمين.

* تغطية الأخطار المنصوص عليها في العقد المُوقع بواسطة صندوق التأمين التكافلي الذي يُسير مقابل أجرة من قبل مقاولة للتأمين معتمدة لمزاولة عمليات التأمين التكافلي.

* تتمثل أهم صلاحيات مقاولة التأمين التكافلي باعتبارها وكيلاً في إجراء عقود تأمين واتفاقات إعادة التأمين التكافلي وتحصيل الاشتراكات وتنظيمها ومسك حسابات الصندوق وتوزيع الفوائد التقنية والمالية، وتنفيذ عمليات الاستثمار وتشكيل مختلف الاحتياطات والمخصصات، إضافة إلى اقتناء وتدبير وبيع الأصول.

* التأمين التكافلي هو أحد أهم آليات الحماية الاجتماعية في الاقتصاد الإسلامي، لمساهمته في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية بين مختلف فئات المجتمع وخصوصا تلك الأكثر هشاشة، والتي لا تستطيع بإمكانياتها الخاصة مواجهة جميع المخاطر المحتملة.

وتعتبر إعادة النظر في منظومة تغطية الأخطار المنصوص عليها في عقد التأمين التكافلي حيث أصبح صندوقي التأمين التكافلي وإعادة التأمين التكافلي هما اللذان يتحملان هذه الأخطار مع تمتيعهما بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة[4].

ثالثا: بدايات التأمين التكافلي في العالم الإسلامي.

عقد اجتماع للمجمع الفقهي الإسلامي في دمشق سنة 1964م، نوقش فيه موضـوع التـأمين حيـث أقر معظـم الفقهاء التأمين التعاوني-التكافلي بديلا عن التأمين التجاري[5]. وكانت بدايات اعتماده في السودان والمملكة العربية السعودية سنة 1979.

ويشكل سوق “التأمين التكافلي الإسلامي” أحد الأسواق المالية الواعدة عالميا، حيث وصلت قيمته في نهاية 2017 إلى 19 بليون دولار على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز 40 بليون دولار بحلول عام 2023 بمعدل نمو سنوي يبلغ 13٪ خلال الفترة 2017-2023. كما سجل تزايداً سنة بعد سنة، بحيث سجلت المشاركات المالية الدولية في هذا الصدد سنة 2016 إجمالياً يناهز 26 مليار دولار، وتحتل السعودية والإمارات وإيران وماليزيا المراتب الأربع الأولى في حصة هذه المساهمات.

ومن التحديات التي يعانيها التأمين التكافلي؛ ضعف الاستثمارات، وأن الشركات المشتغلة في ميدان التأمين التكافلي ما تزال من الشركات الصغرى أو المتوسطة.

رابعا: التأمين التكافلي في المغرب.

صدرت مُقتضيات التأمين التكافلي الخاص بالبنوك التشاركية في الجريدة الرسمية، عدد 6806[6]. وجاء مشروع القانون رقم 87.18 الرامي إلى تغيير وتتميم القانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات لاسيما بعض البنود التي تخص التأمين التكافلي، لمراجعة التشريع الحالي ملاءمته مع مبادئ وأسس التأمين التكافلي المنبثقة من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وذلك بناء على الملاحظات التي أبدتها اللجنة الشرعية للمالية التشاركية المنبثقة عن المجلس العلمي الأعلى[7].

وقد صدرت النسخة الجديدة من مدونات التأمينات بموجب القانون 87.18، وتضم منتجات التأمين التكافلي وشروطه وأنواعه وكيفية عمله لتأمين التمويلات التي تمنحها البنوك التشاركية التي انطلق عملها في المغرب منذ 2017. وبعد صدور هذا القانون في الجريدة الرسمية، سيتبع ذلك صدور نصوص تطبيقية أخرى حول نموذج العقد الخاص بالتأمين التكافلي ثم منح التراخيص من قبل السلطات المعنية بهذا القطاع لبدء أنشطة شركات التأمين.

وينقسم مشروع القانون رقم 87.18 الذي تناقشه لجنة المالية والتنمية الاقتصادية إلى محورين أساسيين وهما:

1- ملاءمة الإطار القانوني الحالي مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

2- مراجعة تقنية لبعض أحكام مدونة التأمينات.

وتعمل المؤسسات التشريعية والتنفيذية بالمغرب على استكمال المنظومة القانونية للعمل البنكي التشاركي عامة بما في ذلك اصدار قانون التأمين التكافلي بصيغته بموجب ظهير شريف رقم 1.19.110 صادر في 7 ذي الحجة  1440، الموافق 9غشت  2019م بتنفيذ القانون رقم 87.18 بتغيير وتتميم القانون  17.99 المتعلق بمدونة التأمينات، وأيضا القرارات التطبيقية له كان أخرها قرار وزير الاقتصاد والمالية.

كما أن القانون ينص على إلزام مقاولة التأمين التكافلي بإنجاز كل العمليات الخاصة بالصندوق أو بحساباتها الخاصة وفقاً للآراء بالمطابقة للمجلس العلمي الأعلى، إضافة إلى تدبير مبالغ حسابات الصناديق بشكل يضمن الحفاظ على مصالح المشتركين وتحمل أي خسارة في حالة الإخلال بهذا الالتزام. ويمكن إجراء عمليات التأمين التكافلي من خلال وسطاء التأمين التقليدي.

ويجب -ضمن عقد التأمين التكافلي- أن يدفع المُشترك مبلغ الاشتراك على أساس الالتزام بالتبرع، ما عدا عندما يتعلق الأمر بعقود الاستثمار التكافلي، ووجوب احترام الأحكام الشرعية الخاصة بالإرث والهبة والوصية في تعيين مستفيد أو مستفيدين في عقود التأمين التكافلي العائلي. وضمن هذه المقتضيات سيتم توزيع الفوائض التقنية والمالية المحققة في التأمين التكافلي على المشتركين وفق نظام تسيير صندوق التأمين التكافلي، وعدم إمكانية منح أي جزء من الفوائض التقنية والمالية للمقاولة المسيرة للصندوق.

كما يجب على كل مؤمن “شركة تأمين تكافلي” أن يحرص على وجود هيئة رقابة شرعية مهمتها مراقبة أعمال الشركة للتأكد من مطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية ولا يجوز لأحد أن يتدخل في فتاوى وقرارات هذه الهيئة، وعلى المؤمن التقيد بهذه الفتاوى والقرارات. وفي المغرب يجب أن تكوين هيئة رقابة شرعية تضم على الأقل ثلاثة أعضاء يقع تعيينهم لمدّة ثلاث سنوات قابلة للتجديد على ألاّ يكونوا من المساهمين في المؤسسة أو من العاملين بها.

خاتمة:

وفي الختام؛ نؤكد على الحضور الفعلي لهيئة الرقابة الشرعية لتراقب جميع معاملات المؤسسة والإشراف عليها وإبداء الرأي في مدى تطابقها مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها. ونقترح أيضا أن تكون القرارات الصادرة عن هيئة الرقابة الشرعية ملزمة لمؤسسة التأمين التكافلي. هذا إلى جانب إحداث خطة المدقق الشرعي من بين موظفي الشركة ووجوب الفصل التام بين حساب المساهمين وحساب المشتركين.

وتبقى الأسئلة التي ينتظرها المهتمون والخبراء؛ ما هي أهم التجارب الرائدة التي يمكن الاستفادة من نجاحها في هذا المجال؟ وكيف السبيل لجعل الإطار القانوني الجديد للتأمين التكافلي بالمغرب أرضية متميزة، وقوية لصناعة وتنفيذ التأمين التكافلي الذي من شأنه أن يجعل المغرب قطبا مركزيا للمالية التشاركية، على الصعيدين الإقليمي والقاري ويسهم في تطوير المالية التشاركية؟ ومتى يتم تنزيل قانون التأمين التكافلي بشكل يحترم مرجعية البنوك التشاركية والتأمين التكافلي، ويلائم الخصوصيات الثقافية والقيم الأخلاقية للمغاربة؟

إننا نتطلع جميعا إلى استكمال تنفيذ التأمين التكافلي، وإعادة التأمين التكافلي، وإلى استكمال إخراج مُجمل المنتجات الضرورية للمنظومة التشاركية، مثل عقود المشاركة والمضاربة والسلم والاستصناع، وحسابات الاستثمار، والادخار. ثم الانطلاق الفعلي للتأمين التكافلي الذي سيمكن شرائح واسعة من المغاربة من الإقبال على خدمات البنوك التشاركية وطلب تمويلاتها التشاركية.

 

[1] – نزيه حماد، معجم المصطلحات المالية والاقتصادية في لغة الفقهاء. (دار القلم-دمشق، والدار

الشامية-بيروت، الطبعة الأولى: 1429هـ-2008م). الصفحة: 124-125.

[2] – فيصل مولوي، “نظام التأمين وموقف الشريعة منه”، (مؤسسة الريان-بيروت، الطبعة الثانية:

1417هـ-1996م). الصفحة: 12-13.

[3] – عباس حسني، “عقد التأمين في الفقه الإسلامي والقانون المقارن”، (مكتبة وهبة، القاهرة،

الطبعة الأولى: 1398هـ -1978م). الصفحة: 11.

[4] – يُـنظر: أسامة عزمي سالم وشقيري نوري موسى، “إدارة الخطر والتأمين”. الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، طبعة: 2007م. الصفحة: 25 وما بعدها.

[5] – د. صالح أحمد بدار، “التأمين التكافلي الإسلامي”، (ورقة مقدمة ضمن الندوة العلمية الدولية

حـول التـأمين التعـاوني، الريـاض-السـعودية، 22 ينار 2009). الصفحة: 3.

[6] – الجريدة الرسمية، عدد 6806. بتاريخ: 20 ذو الحجة 1440 (22 أغسطس 2019).

من الصفحة: 5787 إلى الصفحة: 5794.

[7] – لمزيد من التفاصيل  أنظر: منشورات هيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي،

(التأمين التكافلي: Masterclass de l.ACAPS).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.