منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الاختلاف في رد العربون بسبب القرارات الطارئة

الاختلاف في رد العربون بسبب القرارات الطارئة / الدكتور أحمد الإدريسي

0

الاختلاف في رد العربون بسبب القرارات الطارئة

بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي

     الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وعلى التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

      مما وقع فيه الناس من حرج في معاملاتهم المالية في ظروف صعبة، أثناء وباء كورونا، وبصدور قرارات طارئة وربما تكون ارتجالية؛ اختلافهم في رد العربون أو عدم رده. وفي هذه الحالة الاستثنائية، التي نعيشها هذه الأيام، والتي قهرت عددا كبيرا من الناس الذين سلموا العربون قبل القرار، لأجل الشراء أو الكراء أو الاستفادة من خدمات، تضرر كل طرف من أطراف العمليات والمعاملات المالية.

أولا: طبيعة العربون ومآله.

المزيد من المشاركات
1 من 24

اختلف الفقهاء في مآل العربون، إلى ثلاثة آراء:

الأول: اعتبر أن العربون أصبح باتاً لا رجوع عنه.

الثاني: اعتبر أن العربون يفيد احتفاظ الفريقين بحق العدول عن العقد.

الثالث: اعتبر أن العربون يشكل ضمانة لإرادة الشراء أو الكراء أو الإجارة. فإذا لم يتم العقد كان العربون بمثابة تعويض عن التجميد الذي قام به البائع ولا يشترط في استيفاء العربون لدى البائع أن يكون قد حصل ضرر له.

ثانيا: حكم العربون عند التراجع عن العقد.

التراجع عن البيع من قبل البائع أو من قبل المشتري إما أن يتم بعد تمام البيع وإما أن يتم قبله، فإن كان قبله فهو رجوع عن وعد كل منهما به الآخر، والتراجع عن الوعد لا يوجب حقاً مالياً على واحد منهما إلا أن يلحق بالموعود ضرر فيقدر له مبلغ بقدر الضرر الفعلي[1].

أما إن كان قد تم البيع ولكن لم ينقد المشتري الثمن وإنما دفع جزءاً منه كعربون إن مضى البيع احتسب من الثمن وإن لم يمض لم يرد وأخذه البائع فهذا هو بيع العربون، وقد أجازه طائفة من العلماء. فإن كان التراجع من البائع فليس له ذلك ويجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري كما يجب على المشتري نقد باقي الثمن؛ لكن إن أقال المشتري البائع مقابل مبلغ يدفعه إليه مع رد عربون فلا مانع لأن الإقالة بيع[2].

مقالات أخرى للكاتب
1 من 28

ثالثا: فتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في الموضوع.

أُذكّـر بفتوى أصدرتها لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

(ورد إلى لجنة الفقه والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سؤال عن حكم الشرع في مسألة العربون الذي قدمه مجموعة من المرتفقين في ظل جائحة وباء كورونا، فمنعهم من إتمام ما كانت لهم فيه رغبة، ولم يتراجعوا عما دخلوا فيه. وبيانا للحكم الشرعي في هذه المسألة، نقول:

  • العربون: هو الدفعة الأولى المقدمة من الثمن الكلي، قدمها الطرف الأول الراغب للطرف الثاني العارض خدماته أو أشياءه. فإذا أمضيت الصفقة أضاف الباقي في ذمته، وإن تراجع كانت من حق الطرف الثاني جابرا أو زاجرا حسب التكييف الفقهي لموضوع العربون.

وجه التسمية: وتسميته عربونا أن فيه إعرابا من جهة الطرف الأول عن جديته في المعاملة، وأخذ الطرف الثاني له إعراب منه هو أيضا على القبول والموافقة، فسُمِّي بذلك لأنَ فيه إعراباً لعقد البيع، لِئلا يملكه غيره بشرائِهِ[3].

الحكم الشرعي: وقد أجازه بعض أهل العلم، وهو الراجح كما هو مبين في كتب الفقه المقارن، وهو الرأي الذي انتهت إليه كثير من المؤسسات العلمية الشرعية، ومنها قرار “مجمع الفقه الإسلامي”، المنعقد في دورة مؤتمره الثامن، ببروناي دار السلام، من 1 إلى 7 محرم 1414هـ الموافق 21 ـ27 يونيو 1993م.

شروط التجويز: واشترطوا لإجازته شرطين أساسين:

  • الأول: أن تقيد فترة الانتظار بزمن، دفعا للتماطل الذي لا مبرر له في البياعات، وحسما للنزاع بين أطراف العملية المالية.
  • الثاني: أن لا يأخذ الطرف الثاني من العربون أكثر من مقدار الضرر إذا تم التراجع عن إتمام الصفقة. وهذا الاختيار الفقهي كله في الحالة العادية للناس.

حالة الظروف القاهرة: وأما في حالة الظروف القاهرة كحالة جائحة وباء كورنا التي فرضت على الناس التوقف عن ممارسة أعمالهم بطريقة اعتيادية، وألزمتهم الدول بإيقاف جميع الأنشطة أو غالبها حذرا من انتقال العدوى وتفشيها، بما يكون من عدم تقييد الحركات من حصد للأرواح، ومزيد من الآلام التي لا تتوقف إلا باتباع النصائح الطبية والأمنية في هذا الباب.

هذه الحالة الاستثنائية التي قهرت من دخل قبيل الجائحة في تسليم العربون، ويفاجئون بالحجر الصحي في البيوت، قد أحال سؤال الناس إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عن حكم هذا العربون بالنسبة للطرفين معا، هل تجري عليه أحكام الحالة العادية؟ أم أن هذا القهر وفق إرادة هؤلاء مما لا يحل معهم ذهاب ما قدموه عربونا؟

وإن لجنة الفتوى في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بعد اجتماعها للنظر في الأسئلة الواردة عليها، وبيانا منها للحكم الشرعي الذي يبحث عنه عموم المسلمين، فإنها تقرر ما يلي:

1- تنصح عموم المسلمين بالتسامح في معاملاتهم التي دخلت في باب الظروف القاهرة، وتبين أنه لا يليق بالمسلم شرعا أن يستغل ظروف القهر للتربح، اتباعا لتعاليم الإسلام في الترفق، ومنها قوله تعالى: “ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”.(البقرة:188)، “يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل”.(النساء:29)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى). وقوله عليه الصلاة والسلام: (من أقال مسلما أقال الله عثرته).  ومن تم لا يجوز له أن يأخذ شيئا من العربون، فإنه لا يحل له.

2- وترى اللجنة أنه إن تيسر للطرفين تأجيل إتمام المعاملة إلى ما بعد ارتفاع الجائحة والوباء على الناس، ورفع الدول والحكومات الحظر عن الشعوب، فحسنٌ. وهو الأفضل للطرفين معا. لأن مقدم العربون لا يعد متراجعا عن إتمام ما دخل فيه، ولكن الظروف القاهرة له ولغيره من عموم الناس، هي المانع من كل ذلك.

3- وإذا تعذر التسامح والحوالة إلى أيام السعة والأحوال العادية، فإن على المعنيين الرجوع إلى خبراء بلدهم، وإلى الجهات المختصة في قضايا النزاعات، لتقدير ما يجب في حق كل حالة على حدة. وفي جميع الأحوال نرغب المتعاملين بالعربون ملازمة الإحسان الذي يحب الله تعالى أصحابه المحسنين، ولا سيما في مثل هذه الضائقة الشديدة والجائحة العظيمة، قال تعالى: “وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”.(البقرة:195). وقال عز وجل: “ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.(فصلت:34).

وفي وضعيتنا هذه؛ كان ينبغي أن يُتخذ قرار الإغلاق ومنع أو توقيف عدد من الأنشطة قبل أيام، وفي وقت كاف للمواطنين ليصلحوا العقود فيما بينهم؛ تجنبا للاضطرابات الاجتماعية والأضرار الاقتصادية والخلافات القانونية والشرعية، التي يمكن أن تقع بسبب هذه القرارات الطارئة والمفاجئة.

قلت: أرى أنه إذا أمكن للطرفين تأجيل إتمام المعاملة إلى ما بعد ارتفاع الجائحة والوباء على الناس، ورفع الحظر، وهو الأفضل للطرفين معا. لأن الذي قدم العربون لا يعد متراجعا عن إتمام ما دخل فيه، ولكن الظروف القاهرة أو القرارات الطارئة، هي التي منعته من ذلك. كما أرى أنه من الأفضل التيسير والتسامح بين المواطنين في معاملاتهم، والإقالة في بعض الحالات، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أقال مسلما أقال الله عثرته)[4]. وقال عليه السلام: (رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى)[5].

والله أعلم بالصواب. والحمد لله رب العالمين.


[1]– لمزيد من التفصيل؛ راجع الفتوى رقم: 49357، من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بجدة.

[2]– لمزيد من التفصيل؛ راجع الفتوى رقم:28056، من فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بجدة.

[3]– النهاية لابن الأثير:3/ص202، عون المعبود: ج:9 / ص:289.

[4]– سنن أبي داود: باب فضل الإقالة، حديث رقم:3460. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

[5]– صحيح البخاري: باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع، ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف، حديث رقم:2076.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.