منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

السبيكة الذهبية. من الذي أضاع جمالها؟

السبيكة الذهبية. من الذي أضاع جمالها؟/ أحمد محمد محروس القطوري

0

السبيكة الذهبية. من الذي أضاع جمالها؟

أحمد محمد محروس القطوري

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد.

فقد وهم البعض وانجر وراء التيار، وحرب الشائعات، والتهميش المتعمد لإخفاء جمال السبيكة الذهبية- إن صح التعبير-، والحقيقة الكبرى أن السبيكة الذهبية جميلة، ولا يشك في هذا، أو يكذب به إلا كل معاند، أو مكابر، أو مغفل، أو معتد أثيم.

وإذا أخذنا مثالا على معرفة الحقيقة في الدرس الذي تعلمناه من حوار إبراهيم-عليه السلام-، والنمرود، وقول النمرود: (أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ…) (البقرة:258)، فهل تغيرت الحقيقة بقول النمرود- الذي يقول بقوله كثير من الأغبياء في كل زمان- كلا؛ فإن الحقيقة: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (المؤمنون:80).

وهل قول اليهود والنصارى حينما قالوا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ…) (المائدة:18) غيرت الحقيقة المعلومة للجميع، وهي: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ…)(مريم:35)

وهل إذا هتف الناس في كل زمان في وجه أحد الفاشلين، وقالوا له: أنت ناجح. أنت ناجح- وإنهم لفاعلون- هل ستتغير الحقيقة؟

وهل عندما قال فرعون لقومه: (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الزخرف:51)، فهل هذا الانبهار بالملك، والتزيين الذي زينه له الشيطان، والهتاف الذي ردده الذين استخفهم؛ فأطاعوه. هل غير الحقيقة المعلومة للجميع بأن الله- عز وجل- هو الذي يؤتي الملك لمن يشاء، وينزعه ممن يشاء.

وهل غير قول المشركين الذين قالوا: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) (الجاثية:37)، فهل غير هذا الزعم الكاذب الحقيقة الظاهرة كظهور الشمس في ضحاها، وإن سار معهم فريق في كل زمان يمارون في الساعة، ولكن الآيات المجيدة في كتابنا تبهت من ينكر هذه الحقيقة: (قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (التغابن:7)

وهل وجود الأسد في القفص، وهو بكامل قواه، ولا يستطيع أن يهاجم الفريسة كما يهاجمها في البراري. هل هذا يزين لنا أنه ضعيف، وأننا من الممكن أن نخرجه من القفص، ونربيه في بيتنا؟!

وهل يجهل جمال السبيكة الذهبية أحد؛ حتى وإن كثرت الشائعات، والأوهام لمحو جمالها.

هذا ما يجب أن نعرفه عن الشائعات، والأوهام، والخرافات؛ فإنها لا تغير الحقائق، ولا ما أثبته التاريخ.

وهذا ما أردت أن أوضحه -خدمة للإسلام، ونصيحة لأهله- في هذه العجالة عن الجنود المكشوفين، والملثمين أحيانا الذين يروجون الشائعات، ويرددون الأراجيف التي افتروها، ولا صحة لما يدعون؛ لأن الحقيقة في ذهاب جمال السبيكة من عين صاحبها هو غفلته عنها بأنه وضعها في خزانة، وتراكم عليها الغبار، وصدق الشائعات التي يسمعها، ولم يكلف نفسه، ويخرج السبيكة من خزانتها، وينفض الغبار عنها، وينظر إليها بالعين التي تصدق الحقيقة، وتنفي الشائعات، ويتأكد لديه أنه يستطيع أن يستعمل السبيكة، ويواجه المكذبين، ويبين لهم جمالها، وأن الشائعات، والأوهام، والأراجيف لا تغير الحقائق.

لقد رأيت الهزال المعرفي الذي يروج في كثير من المنصات التعليمية في هذه الأيام،- وفي غيرها من الأيام- عن ضعف اللغة العربية- والتي قصدتها بالسبيكة الذهبية-؛ فهيا نطرح على أنفسنا عددا من الأسئلة؟!

  1. يقولون إن اللغة العربية ضعيفة. ومتى ثبت ذلك؟
  2. يقولون بأنها لا تستطيع أن تساير عصر الحداثة. وهل أعطيناها نفس الاهتمام الذي نعطيه للغة الإنجليزية حتى نحكم على هذا الأمر؟
  3. يقولون: يتحدث كثير من أهل العربية بالعامية. وهل هذا ضعف في العربية، أم في المتكلم بالعامية؟

وللإجابة على الأسئلة:

إن الله- عز وجل- ذكر لنا وَهْم الذين حاربوا اللغة العربية قديما؛ فقالوا: (أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفرقان:5)، وقالوا:(لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) (فصلت:26)، فالواهمون اليوم هم أتباع الواهمين بالأمس، وإن اختلفت أفكارهم، وتغيرت وسائلهم، ولكن الهدف واضح، ومكشوف لكل ذي لب، وهو محاربة لغة القرآن، والسنة النبوية التي بلغت الذروة في الفصاحة، والبلاغة، والمعاني، والمقاصد، وبلغت الشرف الأسمى؛ لأنها لغة التنزيل، وانتشرت في أرجاء المعمورة، وشع نورها في كل مكان، والذين لا يرون ذلك، وينكرونه هم الذين يهربون من مواجهة المشكلة.

والمشكلة تكمن في أننا لا نتكلم العربية بقواعدها الصحيحة، ولا نمارسها، كالمريض الذي صرف الدواء ووضعه في الخزانة- كصاحب السبيكة الذي صدق الشائعات- ولم يتناوله، وسمع كلام زواره عن أن هذا المرض مات به فلان، وأن المريض فلان الذي أصيب بهذا المرض في بلد كذا تدهورت حالته، والدواء في الخزانة، ومع كثرة الشائعات، والأوهام صدقها المريض وأخذ يفكر بأن علاجه ليس في هذا الدواء، ولابد أن يغيره ليواكب عصر الحداثة، أو يُدخل عليه تحسينات أخرى.

إن تهميش اللغة العربية، وإقصائها، وتغيير الرؤية المتعمدة تجاه علوم العربية، وتغييب دورها في المؤسسات التعليمية، والحكومية، ودخول بعض أهل العربية في غيبوبة، أو سبات عميق، ونفي البعض لإبداعها في كل المجالات، وتفوقها على خصومها قديما، وحديثا جعل الذين يودون استهداف العربية يطمحون في إنزالها من عرشها الذي تتبوؤه منذ: (اقرأ)، وإلى اليوم، وكل يوم؛ حتى يستيقظ المثقفون، وحماة اللغة العربية؛ ليدافعوا عنها، وهي ليست في موضع ضعف إنما ليؤكدوا على قوتها، ويعملوا على إظهارها، وعلينا أن نعترف جميعا “بأن التخلف ليس في اللغة العربية إنما في تخلف أتباعها” (في شرف العربية، السامرائي:20)

أيها القارئ لهذا الأسطر لا تسمع، ولا تتخيل، ولا تتوهم، ولكن الحقيقة: إنهم يريدون تغيير الحقيقة بوقائع، وحقائق لم تحدث، ولكن علينا الاعتراف بالحقيقة، وهي أننا لم ننفض الغبار عن السبيكة- اللغة العربية-، ولم نتناول الدواء الذي وصفه لنا الطبيب- علماء العربية-، وإنما ذهبنا وراء تيار العامية، والضعف، ولابد من البحث عن علاج للمشكلة.

-وكيف يمكن معالجة هذه المشكلة؟

المشكلة تكمن في أننا تخلينا عن فصاحتنا، ولغتنا(لغة القرآن)، والعلاج هو-وليس غيره-: أن ننفض الغبار عن الكتب، والمراجع التي في مكتباتنا، ونفعلها في بيوتنا، ومدارسنا، وجامعاتنا، ومؤسساتنا، وكتاباتنا؛ حتي تصير لسان العرب، وأنيس الفقهاء، ودستور العلماء الذين فرقوا بين الضاد، والظاء، ونصحح بها أخطاءنا، ونهذب بها ألسنتنا، وتشرق شمسها كالمصباح المنير، ويراه رأي العين جمهرة من الغربيين؛ ليكشف لهم عن كليات ديننا، وفصاحة لغتنا، بأنها كالتاج على رؤوسنا في العصور الماضية، والمعاصرة.

ومتى كانت اللغة العربية ضعيفة؟ وهل اللغة التي تكلم بها الخليل، وسيبويه، والكسائي، والفراء، وابن هشام، وغيرهم ضعيفة. أم طريقتنا في عدم تطبيق القواعد التي وضعوها، والمقاييس التي رسموها.

إننا وضعنا أنفسنا في مأزق بعدم الاستفادة من قواعد العربية، وتطبيقها، ثم اتجهنا للهروب من ضعفنا في العربية بإلقاء اللائمة على العربية نفسها، وهل يقول بضعف العربية مثقف، وعاقل!، والأولى بنا أن نتحرر من الأوهام، ونقبل على قواعد العربية، ونستخرجها من بطون الكتب، ونمارسها في كل مكان، ونقف وراءها موقف المدافع، وهي ليست ضعيفة، ولكن لننشرها في العالمين.

وهذه الجملة إذا واجهنا بها أي سابح في غمرته ماذا سيقول: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ…) (البقرة:137)، أم هذه الآية: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) (هود:48)، أم هذا الحديث: “من لا يرحم لا يرحم”(البخاري: 6013)، ولكننا انتقلنا عن الزاهر من كلمات الناس، وانتقينا المرفوض من لغاتهم؛ فجعلنا الغريب في موضع القريب، واستعملنا الغدر بدلا من القدر، وخلطنا حيس بحيث، وبدلنا الأحداث بالأحداس؛ فاختلط الأمر على الناس.

ويجب علينا عدم التباهي بدراسة اللغة الإنجليزية، ولنعلم أننا الخاسرون؛ لأن اللغة العربية محفوظة كما وعد الله- عز وجل- (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)

وليس المقصد من كل هذا رفض التطور، وإدخال اللغة العربية لتواكب التقدم، وهذا أمر مهم جدا، ومطلوب الأمس، واليوم، وغدا، ولكن المقصود هو أن اللغة العربية قوية بمصطلحاتها، ودلالاتها، وقواعدها، والواجب علينا تفعيلها في بيئتنا كلها.

وإني أقترح الآتي:

برنامج الطفل المتطور:

فنعلم أطفالنا اللغة العربية من البيوت، ونهتم بذلك جيدا، ونستبدل معهم كل العبارات الإنجليزية، والعامية باللغة العربية؛ فنعلمه: السلام عليكم ورحمة الله. بدلا من: Hello، ونعلمه: جزاك الله خيرا. بدلا من: Thankyou، ونعلمه قراءة آية الكرسي عند النوم. بدلا من: تصبح على خير، ونعلمه: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور. بدلا من: صح النوم.ثم إذا ذهب الطفل إلى الروضة يدرس بها مثلا: (حروف الجر- وأسماء الإشارة- وأقسام الكلمة)، وهكذا نتدرج معه في اللغة العربية قراءة، وكتابة، وتطبيقا حتى ينتهي من الابتدائية وهو قوي في اللغة العربية، وتزاد قوة القواعد معه كلما ارتقى مرحلة من مراحل التعليم.

معهد لغة القرآن:

العمل على إنشاء معهد علمي- تحت مسمى: معهد لغة القرآن- على الشبكة العنكبوتية، ويكون العمل فيه مشترك بين كليات اللغة العربية، وأقسامها على مستوى العالم؛ لإقامة الدورات، وورش العمل على مدار العام، وذلك للحد من الضعف المتنامي في اللغة العربية، ومناشدة- وذلك لضمان استمراريته- الهيئات والمؤسسات الخيرية؛ لتبني المعهد؛ لمنح مكافآت رمزية للقائمين عليه، ولمجتازي الدورات.

وأخيرا أقول:

إن اللغة العربية غنية، وقوية، ومتماشية مع كل عصر، ويجب علينا تفعيلها، والتحدث بها في كل مكان، والتباهي بها؛ لأنها لغة القرآن الذي حفظه الله- عز وجل-، وأثنى عليها في كتابه الكريم، قال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الزخرف:3-4)، وأثنى الله- عز وجل- على لسان رسوله العربي- صلى الله عليه وسلم-، فقال تعالى: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل:103)؛ ليثبتها القرآن الكريم على مرأى، ومسمع من الذين امتلأت قلوبهم غيظا من هذه اللغة؛ فاتجهوا ليبعدوا المسلمين عن لغة القرآن الكريم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.