منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 النّاقدة المُتفنّنة عائشة بنت الصّديق ـ رضي الله عنها

 النّاقدة المُتفنّنة عائشة بنت الصّديق ـ رضي الله عنها/ عبد الهادي المهادي

0

 النّاقدة المُتفنّنة عائشة بنت الصّديق ـ رضي الله عنها

بقلم: عبد الهادي المهادي

المُطّلعُ على كتاب “الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة” للإمام بدر الدين محمد بن عبد الله الزّركشي (ت:794 هـ) سيقف على فوائد منهجية وموضوعاتية جمّة، مصدرها أستاذة تربّت في بيت النبوّة وارتوت من منبعه الصافي، اسمها السيّدة عائشة بنت الصدّيق، ثاني أحبّ الزوجّات إلى قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد السّيّدة خديجة، (“والله ما استبدلني خيرا” كما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم يوم غارت، وغلطت في التعبير، من كثرة ذكره لها بعد وفاتها رضي الله عنهما).

سيعرفُ القارئ أن السّيدة قد خَطّأت صحابةً، وصوّبت لآخرين، وشكّكت في سماع بعضهم، وتثبّتت من رواية كثيرين، وأغلظت القول لأحدهم حتى أنها قد كذَّبَته على مسمع من النّاس. وفي كلّ ذلك كانت تصدر عن نية خالصة، وفهم عميق، وحدس يقظ من أن تَتَبَلْبَلَ العقول جرّاء خلل في الرواية أو سوء في الفهم.

كانت ـ رضي الله عنها ـ حازمة في نقدها، وقد فعلت ذلك بأدب عال انطلاقا من “موقع قوة”، لأنها كانت الشاهد في/ على تلك المواقف، أو لمجرد انتصار لفهمها ومستخرجاتها الخاصةِ، والتي كانت تتّكئ أثناء التّصريح بها على مخزون وافر من المسموعات والتّلقّيات، وفي الغالب كان الصّواب يميل مُبتهجا جهة فهمها وتأويلاتها.

الباب الأول من الكتاب هو بمثابة مدخل ترجم فيه صاحب “البرهان في علوم القرآن” للسيدة عائشة وعدّدَ أربعين من خصائصها. وهو فصل مَدقوق بمهارة كبيرة، إلا ما شابه من بعض التشقيقات والتفريعات المُبالغ فيها حتى يصلَ في العدّ إلى الأربعين خصيصة !

وبعد قرن من الزمن، جاء من أعاد الاشتغال على نفس المادة العلمية، ولكن بترتيب مختلف؛ حيث قسّمها حسب أبواب الفقه، وليس حسب أسماء المُستَدرَك عليهم، وذلكم هو فعل الإمام السيوطي (ت: 911 هـ) في كتابه الموسوم بـ “عين الإصابة في استدراك عائشة على الصحابة”.

وقد قيّض الله لهذا المجموع الزّركشي عَلّامتين من أبرع أعلام تحقيق التراث المعاصرين، وأقصد الأستاذين سعيد الأفغاني ورفعت فوزي عبد المطلب رحمهما الله تعالى، حيث اعتنى كلّ واحد منهما بنشرته المستقلة. إضافة إلى نشرة أخرى لا يحضرني مُحققها، ولكني أتذكر من قدّم لها، وهو العلامة الشامي شعيب الأرنؤط. بينما أقرأ لكم من نشرة رابعة حققها محمد عبد الرحمن المرعشي (أستاذ بجامعة الإمام الأوزاعي ببيروت).

أختار لكم من هذا المتن نصا بديعا راقني:

قالت عائشة لابن أبي السائب ـ قاص أهل المدينة: “ثلاثا لَتُبَايِعَنّي عليهن أو لأُناجِزَنّك”. فقال: ما هن؟ بل أنا أبايعك يا أم المؤمنين. قالت: “اجتنب السجع من الدعاء، فإني عهدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون ذلك، وقُصَّ على الناس في كل جمعة مرة، فإن أبيت فثِنتين، فإن أبيت فثلاثا، ولا تُمِلَّ الناس هذا الكتاب. ولا ألقَينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم حديثهم، ولكن اتركهم فإن جرّؤوك عليه، وأمروك به، فحدثهم”.

(القاص هنا بمعنى الواعظ ـ الأثر رواه أحمد في المسند ـ وهناك روايات أخرى باختلافات طفيفة تنوّع في الفهم)

عناوين وأفكار رئيسية مستخلصة من الأثر:

1 ـ الدّعوة إلى الأريحية أثناء الدعاء وكراهية التّكلف والتّمحّل؛

2 ـ عدم الإكثار على الناس بالوعظ والإرشاد حتى لا يملّو التّديّن؛

3 ـ اختيار الزمن والظرف المناسبين للوعظ.

وتحت هذا الكلام علمٌ كبير.

ودمتم سالمين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.