منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الطقوس والعادات الاجتماعية لدى قبيلة آيت ورياغل “دراسة وصفية”

مروان العيادي/ الطقوس والعادات الاجتماعية لدى قبيلة آيت ورياغل "دراسة وصفية"

1

الطقوس والعادات الاجتماعية لدى قبيلة آيت ورياغل “دراسة وصفية”

إعداد الطالب الباحث

مروان العيادي

 

مقدمة:

المزيد من المشاركات
1 من 22

تعتبر الطقوس والعادات الاجتماعية بمختلف أنواعها، أحد أبرز السمات التي تطبع كل المجتمعات البشرية عبر العصور، وهي جزء من المعتقدات الشعبية وقسم لا يمكن عزله من الموروث الثقافي للشعوب، فالطقوس والعادات الممارسة هي عبارة عن عملية تواصلية مع القوى الغيبية، وما يصاحبها من احتفالات في مختلف المواسم هو عملية استجداء وطلب للرحمة والغيث والخصوبة من جهة، ونوع من الشكر على ما تم الحصول عليه من إنتاج وفير من جهة ثانية، وهذه الطقوس والعادات ممارسات متوارثة جيلا عن جيل بدأت في التراجع بفعل عوامل عدة كالتقدم الصناعي والتمدن وغيرها، ولعل الوقوف عند هذه الممارسات ودراستها وتحليلها سيكشف لنا جوانب مهمة من حياة هذه الشعوب، وسيسمح لنا بفهم ما يدور في أذهان أفرادها.

ونسعى في بحثنا هذا إلى كشف النقاب عن بعض هذه الطقوس والممارسات لدى بعض مناطق قبيلة آيث ورياغل بالريف المغربي، كمحاولة للتعريف بهذه الطقوس ووصفها عسانا نفهم جانبا مهما من تراثنا وثقافتنا الشعبية، ونساهم في الحفاظ عليها ولو بالتدوين.

وسأقتصر هنا على طقسين اثنين هما طقس “ذويزة” وطقس “ذاسريث أونزار”، لدى بعض مناطق قبيلة آيث ورياغل، معتمدا في ذلك على الرواية الشفهية من خلال مقابلتين اثنتين أجريتهما مع مستجوبين اثنين (سعيد أزناك حوالي 65 سنة، منوش بوكرشوح حاولي 80 سنة) كونهما عاشا في هذه المناطق ومارسا هذه الطقوس أو كانا شاهدين عليها، بالإضافة إلى الدراسات السابقة التي أجراها بعض الباحثين كالإيثنوغرافي دافيد هارت من خلال كتابه “أيث ورياغل قبيلة من الريف المغربي: دراسة إثنوغرافية وتاريخية” ثم دراسة للباحث اليمني قسوح التي اطلعت على بعض من مقتطفاتها المنشورة على الشابكة([1]).

وقد اعتمدت في إنجاز هذا البحث، على المنهج الوصفي والتاريخي، أملا في الكشف عن بعض دلالات هذه الطقوس وكيفية ممارستها وكذا الأساطير المرتبطة بها، وعليه يمكن صياغة اشكالية البحث على الشكل الآتي:

  • ما طبيعة الطقوس الممارسة لدى قبيلة أيث ورياغل؟ وما علاقتها بطبيعة المنطقة وبأهلها؟
  • ما مفهوم الطقوس والعادات؟
  • ما هي بعض الطقوس الممارسة لدى قبيلة آيث ورياغل وما هي دلالاتها؟
  • كيف تتم ممارسة هذين الطقسين وما السمة المشتركة بينها؟
  • ما حقيقة الأسطورة المرتبطة بطقس “ذاسريث أونزار” ولماذا تغيب روايتها عند سكان المنطقة؟
  • ما هي المرددات المصاحبة لكل طقس وما هي مرجعياتها؟

أولا: مصطلحات الدراسة:

  • مفهوم الطقوس:

  • لغة:

الطقوس في اللغة، جمع مفرده طقس، جاء في محيط المحيط “الطقس حالة الهواء باعتبار الصحو والمطر والحر والبرد، إلى غير ذلك، ويطلق عند النصارى على شعائر الديانة واحتفالاتها”([2])، ولعل المعنى الأخير، الأقرب لما نحن بصدده، أي كل ما يتعلق بالشعائر والممارسات والاحتفالات التي تكتسي طابعا دينيا، وأصل الكلمة كما أوردها بطرس البستاني “تكسيس TIKSIS” باليونانية ومعانها النظام والترتيب.

  • اصطلاحا:

تطلق كلمة الطقس على “مجموعة السلوكيات والأفعال والأقوال التي يقوم بها الإنسان بصفة متكررة يتفق عليها المجتمع، ذات علاقة بالدين والسحر والمعتقد الاجتماعي، يحدد العرف الاجتماعي دوافعها وأغراضها”([3]).

ويعرفها قاموس الأنثروبولوجيا بأنها “فعاليات وأعمال تقليدية لها في الأغلب علاقة بالدين والسحر، يحدد العرف أسبابها وأغراضها، والطقوس دائما، مشتقة من حياة الشعب الذي يمارسها، ويعتقد البدائيون أن أداءها يرضي الآلهة والقوى فوق الطبيعية والمعبودات، وعدمه، يسبب غضبهم، ويجلب نقمتهم، وتجري الطقوس في فعاليات مختلفة، كالرقص، وتقريب القرابين ونحر الأضاحي وأداء الصلوات، وترديد التراتيل، وتتعلق الطقوس بكثير من فعاليات الإنسان الاقتصادية، وترتبط بالبناء الاجتماعي، وبما يشعر به من أحاسيس وما يرنوا إليه من آمال”([4]).

تعريف توفيقي: الطقس إذا هو تلك الممارسات والسلوكيات والاحتفالات الشعائرية ذات البعد الديني، يقوم بها الورياغليون بصفة متكررة، غالبا ما تكون موسمية، وتتخذ أشكالا مختلفة، تجمع بين ما هو مرتبط بالجانب الديني، وبين ما هو مرتبط بالجانب الزراعي، وبين ما يجمع بين الديني والفلاحي، الذي يطغى على المنطقة، وهذه الطقوس لها أهمية كبرى لدى الورياغليين، وسنقتصر على ذكر ثلاثة طقوس تجمع بين الديني والفلاحي.

  • مفهوم العادات:

  • لغة:

العادة لغة “الديدن يعاد إليه، معروفة، وجمعها عاد وعادات، وتعود الشيء وعاده وعاوده معاودة وعوادة، واعتاده، وأعاده، أي صار عادة له”([5]). العادة إذا نمط من السلوك أو التصرف يعتاده المرء ويفعله تكرارا.

وفي قاموس محيط المحيط، جاء بأن “العادة، الديدن، سميت بذلك من العود، أي الرجوع، لأن صاحبها يعاودها، أي يرجع إليها مرة بعد أخرى، ج. عاد وعيد وعادات وعوائد […] والعادة ما استمر الناس في حكم المعقول وعادوا إليه مرة بعد أخرى”([6]). فالعادة إذا التعود على الشيء وتكرار فعله والرجوع إليه لمرات متتاليات.

  • اصطلاحا:

أما في الاصطلاح، فكلمة عادة، تشير إلى “سلوك منظم، يتعلمه الفرد من الآخرين، ويؤديه بصورة رتيبة وعلنية، وتمارس العادة استجابة لمواقف محددة، وكلما تكررت ممارساتها ازدادت رسوخا واستقرارا وأصبحت ممارستها تلقائية ويسيرة”([7])، وهذه العادات والتقاليد الشعبية “عرف يرتكز على الروتين، والواقع أن كل تقليد يميل إلى تمييز بعض التصرفات التي يشرعها ماض غالبا ما يكون غابرا، مع أنها لا تكتسي طابعا إلزاميا”([8]).

تعريف توفيقي: العادة إذا هي تلك الممارسات التي يقوم بها الورياغليون بشكل متكرر، وهذه العادات والتقاليد تتخذ أشكالا وأنواعا مختلفة، فمنها ما هو زراعي، مرتبط بالأشغال الزراعية، كالحصاد ودخول العام الفلاحي الجديد، ومنها ما هو ديني مرتبط ببعض الاحتفالات والممارسات، وسنحاول رصد مختلف هذه الطقوس والعادات لدى سكان بعض المناطق في قبيلة آيث ورياغل بالريف المغربي.

إن المجتمع الورياغلي متكون من “مزارعين مرتبطين بالأرض، منهم الفلاحون المتعاطون لزراعة الحبوب والخضراوات، وغراسوا الأشجار المثمرة ومربوا الماشية، والمهرة في أعمال السقي..”([9])، وطبيعة المنطقة هاته، جعلت سكانها مرتبطين بالأرض ارتباطا وثيقا، وما يعكس هذا الارتباط، بعض الطقوس والعادات والتقاليد ذات الطابع الفلاحي، كطقس “ذويزة”، وطقس “ثاسريث أونزار” وطقس “لعواشر” ذو الطابع الديني.

  • ثانيا: التعريف بقبيلة أيث ورياغل:

تعتبر قبيلة بني ورياغل آخر قبائل ساحل الريف الأوسط من الجهة الشرقية، وهي أكبر القبائل الريفية نظرا لامتدادها داخل الفراغ الفاصل بين وادي النكور ووادي إسلي آخر حدها مع قبيلة بقيوة”([10])، وهي تتوسط مجموعة من القبائل المختلفة إذ “تقع هذه القبيلة ما بين قبائل أخرى منيعة، فمن جهة الشرق تحدها قبيلتان، هما قبيلة بني توزين وقبيلة تمسمان، ومن جهة الشمال يحدها خليج الحسيمة المنبسط، كما تحدها قبيلة بقيوة، ومن جهة الغرب هناك قبيلة بني يطفت، كما تحدها من هذه الجهة قبائل تارجيست، أما من جهة الجنوب فيحدها قبيلة بني عمرت، كما تحد أيضا من نفس الجهة بقبيلة أكزناية”)[11]). وهي تنتمي لجهة طنجة تطوان الحسيمة في التقسيم الجهوي الجديد.

“سكان هذه القبيلة من صنهاجة، وهي تحتل منطقة لها تفتحات على البحر وعلى سهل النكور، وأغلبها جبلية، وتقسيماتها الداخلية تسير على نهج تخميس الأخماس، خمس الخطابيين، خمس المرابطين، خمس بني بوعياش، خمس بني عبد الله، وخمس بني حذيفة، وهذه الأخماس، هي التي تكون سياسة القبيلة تحت رؤسائها، إمغارن”([12])، أما “العناصر القديمة التي استوطنت القبيلة فقد كانت تقيم بجبل الحمام المطل على سهل النكور، من الناحية الجنوبية الشرقية، وتعرف باسم آيث عروس […] وقد احتلت القبيلة جزء مهما من إمارة النكور سواء من الناحية البشرية أم من حيث الرقعة الجغرافية”([13]). وفيما يخص تقسيمات القبيلة الواردة أعلاه بتفريعاتها فهي كالآتي([14]):

بني عبد اللهبني بوعياشتماسينت (إمرابضن)أهل الجبل، آيث يوسف وعليبني حذيفةأجدير
تلوين

آيث دريس

تنكلوين

آيث زكري

تساغين

بوغرضين

تيزي عياش

إرياحن

إصرفين

إعكين

أمنوذ

بني بوخلف

تيفروين

آيث عيسى

آيث الكمان

أجدير

بوقيضن

الربضة

آيث عاص

إكروانن

إدردشن

إفسين

آيث عمارأوبوبكر

آيث براهيم

إصريحن

إسويقن

تغزارين

آيث العاص

تزمورين

آيث عماث

آيث جهرة

أيث سمار

بوسعيذة

مارو

تيكارت

بومعدن

تافساسث

شقران

ماحراث

تمكلوين

 

إحدوثن

إهارونن

تزمورين

بوجدين

أغزار نعيسى

بسكرة

أعمار أوسعيد

زاوية سيدي عبد القادر

كامون

مشكور

أجدير

أزغار

تافراست

تيكارت

سواني

أيث موسى أوعمار

إمجاهذن

أيث محند بوخيار

بوهم

إزروقن

أيث مسعوذ

إزفزافن

أيث قمرة

بومنقاد

إكشومن

آيث أوشن

إن هذه الأقسام بفروعها المتعددة والمتكتلة في أماكنة متفرقة، خاصة في الجبال، كانت تعتمد، بشكل كامل، على الزراعة وتربية المواشي وغرس الأشجار المثمرة ( اللوز والتين والعنب) وبالتالي فإن ارتباطها بالأرض وبالفلاحة جعل طقوسها واحتفالاتها متصلة بالطبيعة وتقدم لها، وهذا ما سنراه من خلال الحديث عن بعض هذه الطقوس التي كان يمارسها أهل هذه المنطقة أو تلك من مناطق قبيلة آيث ورياغل.

ومن الناحية التاريخية فإن القبيلة عرفت مجموعة من الأحداث وصلت أصداؤها إلى العالم بأسره، خاصة ما كان مرتبطا بالمعارك البطولية للمقاومة الريفية المسلحة، التي قادها ابن مدينة أجدير، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي ضد المستعمر الإسباني، ثم الفرنسي، ما بين 1920 و1927م، ولعل أشهر هذه المواجهات والمعارك معركة أنوال الشهيرة التي تكبد فيها الإسبان هزائم وصفت بالكارثية.

  • ثالثا: بعض الطقوس والعادات الاجتماعية بقبيلة أيث ورياغل:

تتعدد الطقوس والعادات الممارسة في قبيلة بني ورياغل، وسنقتصر، نظرا طبيعة البحث، على طقسين اثنين، نرى أن بينهما قاسما مشتركا كونهما طقسان جماعيان وذوي طابع فلاحي، ويتميزان بالطابع التعاوني وهذان الطقسان هما طقس ذويزة وطقس ذاسريث أونزار.

  • طقس “ذويزة”:

لقد دأب الريفيون، على مر التاريخ، على التعاون فيما بينهم، وقد كان هذا التعاون في ميادين عدة، كميدان المقاومة والحرب، والذود عن القبيلة والوطن، وميادين الزراعة والبناء وتعبيد الطرق وغيرها، وطقس “ذويزة” شكل من أشكال هذا التعاون بين جماعة “الدوار” (جماعث) يلجأ إليها سكانه إما أثناء جني المحاصيل الزراعية وجمعها، وإما أثناء بناء المساجد أو ترميمها، أو أثناء إنشاء الطرق وإصلاح مجاري المياه وينابيعها… ويشارك في هذا الطقس، كل من له القدرة على العمل، كبارا وصغارا، رجالا ونساء.

يتم الإعلان عن طقس “ذويزة”، عادة، في السوق الأسبوعي حيث تلتقي “جماعث”، فيخبر منظم هذا الطقس “إمسوقن” من جماعته عن رغبته في إقامة “ذويزة” إما لجمع المحصول أو لتسقيف منزله، أو لبناء كومة التبن (أثمون، أسبدي أروم)…، وإن لم يتم له الأمر في السوق فإنه يرسل بناته وأولاده إلى منازل أهل الدوار ويدعوهم للطقس، غالبا ما يستجيب جميع أهل الدوار، ولأن الطقس يكون بالتناوب، فإن الغائب سيحرم من سواعد الجماعة إن هو أراد تنظيم هذا الطقس.

قبل انطلاق هذا العرس التعاوني، وأثناءه، يكون أهل منظم “ذويزة” منهمكين في تحضير ما لذ وطاب من الأطعمة والأشربة التي ستقدم للمشاركين في الطقس، وتحكي الرواية الشفهية أن صاحب البيت يقدم لهم أربع وجبات في اليوم، فبعد وجبة الفطور (أَسَفْتَحْ) التي تكون في الغالب مكونة من الشاي وزيت الزيتون والزبدة البلدية والبيض، يقدم للمعاونين وجبة أخرى قبل وجبة الغذاء ( في الساعة 10 أو 11 صباحا) وتسمى (أَرْيوقْ) وتكون مكونة من الشاي، الذي يعد ضروريا مع كل وجبة، وطبق من الطماطم والبيض أو الطماطم والبصل، ثم وجبة الغذاء أو (رفظو) ( في الواحدة زوالا) والتي تعتبر الوجبة الرئيسية، وتكون مكونة من الدجاج البلدي أو من القطاني بالإضافة إلى الشاي، أما الوجبة الأخيرة (رقهوة أوعشي) والتي تقدم بعد صلاة العصر فتكون مكونة من القهوة والعسل الحر والحلوى التقليدية أو الرغيف ( ذاغيفين)، وهذا الجدول يتكرر يوميا طيلة فترة “ذويزة“، باستثناء اليوم الأخير الذي يختم بحفل ليلي، يقوم فيه منظم “ذويزة” بذبح خروف أو جدي احتفالا بانتهاء الطقس وتعبيرا عن شكره للجماعة على صبرهم وتعاونهم معه، وقد تخرج فتيات الدوار في مجموعة مقسمة إلى ثلاث فتيات أو أكثر للرقص وترديد بعض الأشعار (إزران). وقد كان لدخول المكننة ( آلات الحرث والحصد والدرس) وبروز ظاهرة العمل بالأجرة (إيشوارن) أو (الحصادون)، الأثر الأكبر في تراجع هذا الطقس لدى جل المناطق، باستثناء الدواوير الكبيرة التي لم تتأثر بفعل الهجرات المتتالية للمدن، وتلك التي لا تتوفر على مسالك للاستفادة من خدمات الآلات الحديثة. أظف إلى ذلك أن الطبيعة المعيشية الجديدة ( اقتراب الأسواق، تنوع الحاجيات الاستهلاكية…)، تفرض التوفر على الأموال لذلك يلجأ أغلب سكان هذه المناطق للعمل بلأجرة بدل التعاون.

ومن الأشكال التعاونية المنتشرة لدى الورياغليين، خاصة أهل الجبل، ما يسمى “بإذويرن“، وهو “ينتشر في منطقة جبل حمام بشكل واسع[…] وهو نوع من التشارك والتعاون يقتصر على العمل وحده […] فنظرا لقلة الدواب لدى المزارعين والصعوبات التي تعترض إنجاز الأنشطة الزراعية بشكل انفرادي، يضطر العديد منهم إلى التعاون وتوحيد الجهود، حيث يحضر كل مزارع دابته ويعملان معا في مزارع أحدهما، يحرثانها لمدة يومين أو ثلاثة قبل الانتقال إلى مزارع الثاني. وتعمم طريقة توحيد الجهود والوسائل هاته، حتى ينجز العمل بشكل أسرع وأسهل، على مختلف العمليات الزراعية الأخرى كالدرس والذري”([15]).

إن القاسم المشترك بين طقس ذويزة وطقس “ذاسريث أونزار” الذي سيأتي الحديث عنه، هو ذاك البعد التعاوني الذي يجعل من قبيلة أيث ورياغل، قبيلة متماسكة ومتآزرة فيما بينها تقف في وجه المخاطر الخارجية وقفة رجل واحد، عكس ما كانت تروجه الدراسات والأبحاث الاثنوغرافية الكولونيالية، التي صورت سكان القبيلة على أنهم مجموعة من الهمج والعصابات المتناحرة فيما بينها، ولعل الاتحاد والمقاومة الشرسة التي أبدوها تجاه الغزو الأوروبي والحروب التي خاضوها ضده لأكبر دليل على ذلك.

  • طقس “ذاسريث أنزار:

إن طبيعة مناطق قبيلة بني ورياغل جعلتهم مرتبطين بالأرض وبالأعمال الفلاحية بمختلف أنواعها، يقول مولييراس: “إن بني ورياغل يملكون أرضا خصبة مسقية بمنابع غزيرة المياه، وفي الأقسام الشمالية تسمح السهول الشاسعة، والمتموجة قليلا، للأهالي بزراعة الشعير والفول”([16])، وغيرها من المزروعات، إضافة إلى اعتمادهم على ثمار أشجار التين واللوز، كل هذا جعل حياة سكان هذه المناطق مرتبطة بالمحصول الزراعي المرتبط بدوره بتساقط الأمطار، وحين تغيب هذه الأمطار لمدة يتخذ بنو ورياغل، شأنهم في ذلك شأن السكان القدامى للمغرب، بعض الأسباب، في شكل طقوس احتفالية، لاستجداء الإله طلبا للغيث، ومن هذه الأسباب الاستسقاء (تتان أنزا) في شكل طقس “ذاسريث أونزا” أو عروس المطر الذي يتخذ عند الورياغليين طابعا احتفاليا، كغيره من طقوسهم.

يبدأ الاستعداد للطقس بعد الاتفاق بين فتيات الدوار، العازبات، على تاريخ ومكان الانطلاق، بتحضير ما يلزم هذا الطقس من أدوات لصناعة عروس المطر التي تتكلف امرأة، عجوز عادة، من نساء الدوار بإعدادها، وتستعمل في ذلك أدوات من أواني المنزل ( مطرح الخبز “ذفارا” ومغرف خشبي “أغنجا”) وملابس نسائية (ذشاميث وتكمبوشث)، يوضع المغرف أسفل رأس المطرح بشكل أفقي، على شكل صليب، ليمثل اليدين، ثم يوضع على هذا الهيكل الخشبي، الزي النسائي مع تغطية رأس المطرح بلحاف حتى يبدو في هيئة العروس استنادا إلى أسطورة تحكى لدى القبائل الأمازيغية سنوردها لاحقا.

في اليوم المتفق عليه تحضر فتيات القرية والأطفال الصغار إلى ساحة “أزاك” منزل المرأة التي صنعت عروس المطر، ثم يجتمعن في موكب تتقدمه إحدى الفتيات، إلى جانب الأطفال الصغار، (ترفق النساء في بعض المناطق حتى الدواب والمواشي)، تحمل في يديها “ذاسريث أونزا”، العروس التي صنعتها المرأة، ثم يطوف الموكب على منازل الدوار، وأثناء هذا الطواف تردد الفتيات بعض الأهازيج التي تكون بمثابة أدعية استجداء لله لإنزال الغيث، ومن هذه الأهازيج والمرددات مايلي:

المرددات بالريفية (الأمازيغية)المعنى التقريبي بالعربية
أيثنا ايثنا يالله

سونزا إنشاء الله

أربي كتا رمروم

أناوي إيمندي ذو روم

أربي كتا آشاش

أناوي إيمندي ذا قاقاش

نترود غاك أربي نكو أننغذا

أومان أونزا أذشان رعنصا

أغنجا إيتمليليح

يا ربي ساوات مليح

أيا غايث أيا غايث بها

سيذي ربي لحبيب ياك أتاوا ذغيا

أوث أيانزار أوث أوذاك إنان أكسي

ما يناكت أومحساذ ياك أثيكسي ربي

أرلا زمزيذا إيميندام غنتا([17])

أنتتام أجنث أذومان أونزا

 

أغثنا، أغثنا، يا الله

بالغيث إن شاء الله

يا ربي كثر الغمام (أو الرذاذ)

لنجني الزرع والتبن

يا ربي كثر الرذاذ

لنجني شعير مزركشا

نبكي إليك يا رب ونحن على وشك الهلاك

لماء المطر كي تمتلئ الينابيع

المغرف لم يجد ما يحركه*[18]

يا ربي اروي الأرض جيدا

يا غياث يا غياث أغثنا بها

سيدي وربي الحبيب ارويها بسرعة

اهطل يا غيث اهطل من أمرك بالتوقف

إن أمرك بالتوقف الحسود، فالله أسأل أن يأخذه

يا بيت الله ماذا سنطلب منك

نطلب منك الجنة وماء المطر

 

 

وأثناء مرور الفتيات أمام كل منزل من منازل الدوار يرمينهن برشات من الماء ويرددن “سننزا إنشاء الله سونزا إنشاء الله” (بالغيث إن شاء الله)، ويقدم لهن أهل كل منزل هبة أو صدقة “الصذقث”، ويشترط فيها أن تكون شيئا “ذنمرار” أبيض اللون، لذلك يقدم لهن عادة البيض والطحين، وبعد انتهائهن من الطواف على منازل الدوار يُستضفن في إحدى منازل المُشارِكات(*[19]) في الطقس ويقمن بعجن ما جمعن من الطحين مع البيض ويصنعن منه رغيفا يأكلنه ويتصدقن به، وتؤكد المستجوبة أنه فور انتهائهن من هذا الطقس يهطل المطر وتضيف “إرا ذجا نياث” (كانت في زماننا النية).

ولأن الطقوس ليست إلا تعبيرا وإحياء لأساطير قديمة، فإن لطقس “ذاسريث أونزار” أسطورة أوردها جونوفو GENEVOIS، من خلال استناده على رواية استقاها من قبيلة أيث زكي الأمازيغية بالجزائر، وتقول الأسطورة أنه “في قديم الزمان كان هناك ملك يدعى أنزار يعيش في السماء وهو المسؤول عن إنزال المطر، أراد الزواج من فتاة رائعة الجمال، تتألق حسنا على الأرض كما يتألق القمر في السماء، وكان وجهها ساطعا وثوبها من الحرير المتلألئ، وقد كان من عادة هذه الفتاة أن تستحم في إحدى الأنهار، وكان ملك المطر، المعجب بها، كلما هبط إلى الأرض يدنو إليها فتخاف، ثم يعود إلى السماء، لكنه ذات يوم خاطبها قائلا:

  • ها أنا أشق عنان السماء من أجلك يا نجمة بين النجوم فامنحيني من الكنز الذي وهب لك، وإلا حرمتك من ماء النهر.
  • فردت الفتاة: أتوسل إليك يا ملك المطر يا صاحب الجبين المرصع بالمرجان إني نذرت نفسي لك، بيد اني أخشى الأقاويل.

وبعد سماعه لهذا الرد، استشاط غضبا ثم ادار خاتمه، فإذا بالنهر ينضب على الفور، فأصدرت الفتاة صيحة وتفجرت عيناها بالدموع، ثم خلعت ثوبها الحريري وظلت عارية، وخاطبت ملك المطر قائلة:

  • أنزار يا انزار، يا زهر السهول أعد للنهر جريانه وتعال خذ بثأرك.

وقبل أن تكمل كلامها عاد ملك المطر في هيئة شرارة برق ضخمة وضم الفتاة، فعاد الماء للنهر واخضرت الأرض، ومن هنا جاء هذا الطقس، فكلما حل الجفاف وتأخر المطر نقدم للمطر عروسا عارية لاستثارته”([20])

ومع أن هذه الحكاية الأسطورية لم يعثر على مثيلتها لدى قبيلة بني ورياغل، حسب علمي، وقد يكون ذلك راجع إلى أن الإثنوغرافيين والأنثروبولوجيين الذين درسوا هذه المنطقة خاصة والمغرب عامة، لم يتمكنوا من تسجيل مثلها نظرا لاقتصار بحوثهم على أماكن محددة واكتفائهم، في غالب الأحيان، على الوصف، إلا أن ممارسة هذا الطقس لدى الورياغليين والقبايليين تكاد تكون بنفس الطريقة، لذلك لابد أن هذه الأسطورة قد عرفها الورياغليون بدورهم لكنهم لم يحافظوا على روايتها، ولم تدون.

إن محاولة فهم هذه الأسطورة وتفسير طقس ذاسريث اونزار على غرارها، يدفعنا نتساءل، إن كانت هذه الأسطورة تمثل هذا الطقس بالفعل، وإن كانت كذلك فعلا، فلماذا أصبحت عروس المطر تغطى ما دام أن الأسطورة تقول أن الفتاة كانت عارية، وأن ذلك ما استثار المطر وجعله ينزل الغيث؟ هل كان سكان قبيلة أيث ورياغل لا يغطون هذه العروس ويقدمونها للمطر عارية، كما تصور ذلك الأسطورة أعلاه؟ إن كان كذلك فهل عمد الورياغليون إلى تغطيتها وتزيينها كالعروس الواقعية تماشيا مع تعاليم الدين الإسلامي الذي وفد على المنطقة، كما فعلوا مع المرددات المرافقة لهذا الطقس التي يذكر فيها اسم الله بدل ملك المطر أو أنزار، في محاولة منهم لإلباس هذا الطقس لبوسا إسلاميا؟ وهذه الأسئلة تبقى مفتوحة في ظل انعدام دراسات أكاديمية تجيب عنها إجابات شافية.

خاتمة:

إن الطقوس والعادات سمة من سمات كل الشعوب، ولكل شعب طقوسه وعاداته، يفسر بها أحيانا، ظواهر طبيعية وما وراء طبيعية، يعجز عقله عن تفسيرها، ويتقرب بها، أحايين أخرى، إلى قوى غيبية يعتقد فيها القدرة على النفع والضر. والشعب الأمازيغي بقبائله المختلفة كانت له، ولا زالت، طقوس وعادات وممارسات خاصة به، يفسر بها الظواهر الطبيعية، ويستجدي بها القوى الخيرة لتغيثه في أوقات الجفاف وتخصب أرضه في بداية العام الزراعي، وقد رأينا كيف أن قبيلة بني ورياغل الأمازيغية تمارس هذه الطقوس والعادات، خاصة ما يرتبط منها بالأرض والفلاحة، والطقسان المتحدث عنهما أعلاه ذوي طابع فلاحي، ولعل ذلك راجع إلى طبيعة المنطقة المدروسة ككل، وهما طقسان يتخذان شكلا احتفاليا، اعتاد سكان المنطقة على ممارستهما منذ القدم، وهما جزء من الطقوس والممارسات المنتشرة بالمنطقة والتي توشك على الاندثار، طقوس تحتاج منا، كباحثين في التراث والثقافة الشعبيين، إلى العناية اللازمة بالبحث فيها ودراستها وتحليلها، ولم لا إعادة إحياء بعض منها خاصة تلك التي تنمي روح التعاون بين الناس وتدعوا إلى التضامن والتآزر، كطقس “ذويزة” على سبيل المثال.


 قائمة المصادر والراجع

  • القرآن الكريم، برواية ورش عن نافع.
  • ابن منظور،(ب، ت) لسان العرب، م 10، دار صادر بيروت، لبنان د. ط.
  • أحمد زغب، (2017م)، الفلكلور: النظرية والمنهج والتطبيق، نقلا عن مجلة الثقافة الشعبية، عادات وتقاليد، العدد 39 خريف 2017.
  • الطيبي، عبد الرحمن، (2008)، الريف قبل الحماية: قبائل ساحل الريف الأوسط 1860/1912م، طـ 1، ثيفراز ن ءاريف، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء.
  • أوجيست مولييراس، (2007م)، المغرب المجهول، الجزء الأول، اكتشاف الريف، ترجمة عز الدين الخطابي، منشورات تفراز ناريف الطبعة 1.
  • أوسوس، محمد، (2011)، طقوس الاستمطار الأمازيغية (البربرية) وأساطيرها بشمال إفريقيا، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الرابعة/ ع 14، أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر، المنامة.
  • بطرس البستاني، (1987م) محيط المحيط، قاموس مطول للغة العربية، مكتبة لبنان، بيروت (د.ط).
  • . بيار بونت، ميسال إيزار، وآخرون، (2011م)، معجم الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا، ت، وإشراف، مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع “مجد” بيروت، لبنان د. ط.
  • دافيد مونتكومري هارت،(2016م) أيث ورياغل قبيلة من الريف المغربي، دراسة إثنوغرافية وتاريخية، محمد أونيا، عبد المجيد عزوزي، عبد الحميد الرايس، ج الأول، ط الثانية، الناشر: جمعية صوت الديموقراطيين المغاربة في هولندا.
  • عبد السلام، أحمد البوعياشي، (ب، ت): حرب الريف التحريرية ومراحل النضال، ج 1، نشر عبد السلام جسوس وشوسبلايس، ب ط.
  • عياش، جرمان، (د، ت)، أصول حرب الريف، ترجمة: محمد الأمين البزاز، و عبد العزيز التمسماني خلوق، الشركة المغربية المتحدة، الرباط.
  • شاكر مصطفى سليم، قاموس الأنثروبولوجيا، إنكليزي-عربي، جامعة الكويت، ط.1 1981م.

    ملحـــــــــــــــق الصـــــــــــــور:

 

  • صورة 1: لنساء يقمن بحصد الشعير أثناء طقس “ذويزة”[1]

 

صورة 2: لفلاحين يحاولون جمع وبناء “التبن” أثناء طقس “ذويزة”[1]

 

 

صورة رقم3: موكب عروس المطر[1]

 

صورة 4: لفلاحين يبنون التبن أثناء طقس “ذويزة”[1]

 

 


[1]http://tawiza.byethost10.com/Tawiza109/yamani.htm?i=1 20/05/2021م

[2] – بطرس البستاني،(1987م)، محيط المحيط، قاموس مطول للغة العربية، مكتبة لبنان، بيروت (د.ط)، ص 553.

[3] – أحمد زغب، (2017م) الفلكلور: النظرية والمنهج والتطبيق، نقلا عن مجلة الثقافة الشعبية، عادات وتقاليد، العدد 39 خريف 2017 ص 135.

[4] – شاكر مصطفى سليم، (1981م)، قاموس الأنثروبولوجيا، إنكليزي-عربي، جامعة الكويت، ط.1، ص 824.

[5] – ابن منظور، لسان العرب، م 10، دار صادر بيروت، لبنان د. ط، مادة عود.

[6] – بطرس البستاني، م سابق، ص 624.

[7] – شاكر مصطفى سليم، م سابق، ص 427.

[8] – بيار بونت، ميسال إيزار، وآخرون، (2011م)، معجم الإثنولوجيا والأنثروبولوجيا، ت، وإشراف، مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع “مجد” بيروت، لبنان د. ط، ص 386.

[9] – عياش، جرمان، (د، ت)، أصول حرب الريف، ترجمة: محمد الأمين البزاز، و عبد العزيز التمسماني خلوق، الشركة المغربية المتحدة، الرباط، ص98.

[10] – الطيبي، عبد الرحمن، (2008)، الريف قبل الحماية: قبائل ساحل الريف الأوسط 1860/1912م، طـ 1، ثيفراز ن ءاريف، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ص 106-107.

[11] – عبد السلام، أحمد البوعياشي، (ب، ت): حرب الريف التحريرية ومراحل النضال، ج 1، نشر عبد السلام جسوس وشوسبلايس، ب ط، ص 55-56-57. بتصرف

[12] – نفسه، ص 57.

[13] – الطيبي، عبد الرحمن: الريف قبل الحماية، م.س ص 107.

[14] – نفسه، ص 110

[15] – دافيد مونتكومري هارت،(2016م) أيث ورياغل قبيلة من الريف المغربي، دراسة إثنوغرافية وتاريخية، محمد أونيا، عبد المجيد عزوزي، عبد الحميد الرايس، ج الأول، ط الثانية، الناشر: جمعية صوت الديموقراطيين المغاربة في هولندا، ص 85.

[16] – أوجيست مولييراس، (2007م)، المغرب المجهول، الجزء الأول، اكتشاف الريف، ترجمة عز الدين الخطابي، منشورات تفراز ناريف طبعة1، ص 106.

14- هذه تردد أثناء طواف الفتيات على المسجد ثلاث مرات.

*- لأن المغرف الخشبي يستعمل عادة في تقليب الزرع من الشعير أو العدس أثناء تحميصه.*– في بعض المناطق تجتمع الفتيات عند ضريح ولي من الأولياء، ويطفن به.

[20] – نقلا عن: أوسوس، محمد، (2011)، طقوس الاستمطار الأمازيغية (البربرية) وأساطيرها بشمال إفريقيا، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الرابعة/ ع 14، أرشيف الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر، المنامة. (بتصرف)

[1] – الصورة مأخوذة من الفيسبوك.

[1] – الصورة التقطها أثناء تواجدي بدوار سمار التابع لجماعة شقران بقبيلة أيث ورياغل.

[1] – نقلا عن: طليح، عبد العزيز، (2018م) إبقوين نبش في الذاكرة، ط 2، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط ص 104.

[1] – الصورة مأخوذة من صفحة “أيث ورياغل” في الفيسبوك

تعليق 1
  1. Mountassir يقول

    قراءة رائعة و لغة أروع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.