منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تأملات في سورة الأنبياء

  محمد فاضيلي

0

سورة الأنبياء سورة مكية، تعالج موضوع العقيدة، وهي سورة تعليمية تربوية بامتياز، مخاطبها الأول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ثم باقي المسلمين.

بأسلوب التقرير والتذكير والتقريع  والترغيب والترهيب، اكتملت السورة منهجا وأداء لتكون وحدة كاملة متكاملة  في إقرار سنة الله في الكون وبيان مراده من الخلق، ولتكون تسلية وتسرية وجبرا لخاطره صلى الله عليه وسلم إثر تكذيب قومه له وصدهم عن دعوته ومحاربتهم له واتهامهم له بأقبح النعوت..

يذكر الله تعالى في بداية السورة بحقيقة الحقائق، الحقيقة الأزلية الخالدة، البادية للعيان، والمستفزة للمعرضين والمنكرين، والمقرعة للغافلين اللاهين، والموقظة لهمم المقبلين المؤمنين المطيعين الصالحين.. حقيقة اقتراب النهاية، نهاية الحياة الدنيا وبداية الحياة الآخرة، وما يحدث فيها من أهوال وما يتبعها من تبعات البعث والحساب والجزاء.. يقول الله تعالى”اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون” منكرا عليهم غفلتهم وإعراضهم ولهوهم بقوله”ما ياتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون لاهية قلوبهم” مذكرا إياهم بأن العدل من أهم صفاته سبحانه وأن الحساب بالعدل حق قادم لا محالة قائلا:” ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين”

ثم يندد بإنكار الكفار لرسالة الرسول صلى الله عليه وسلم واستهزائهم به وإعراضهم عن سماع الوحي، فيقول:” بل قالوا أضغاث أحلام، بل افتراه، بل هو شاعر” مذكرا ومؤكدا أنه سبحانه هو العالم بمن يرسله، فيقول:” قل ربي يعلم القول في السماء والأرض، وهو السميع العليم”

منكرا عليهم الإشراك به بقوله:” أم اتخذوا من دونه آلهة ، قل هاتوا برهانكم”

المزيد من المشاركات
1 من 24

ويبين سنة الله في الكون وغايته من الخلق بأن الله تعالى قد خلق الكون وقدر الحياة فيه لهدف واحد وهو الإيمان به سبحانه وبقدرته على الخلق. فيقول:” وما خلقنا الأرض وما بينهما لاعبين، لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا، إن كنا فاعلين” ويقول:” أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي”

ومن سنته نصر الحق وخذل الباطل، ولو بعد حين ” بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، فإذا هو زاهق”

ومن الحق إرسال الرسل ليبينوا لأقوامهم أمور دينهم ودنياهم: “وما أرسلنا قبلك إلا رجالا يوحى إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”

أنبياء الله نموذج للكمال الإنساني والصفاء الإنساني والمثل الإنساني الذي يستحق أن يتلمذ عليه المسلم ويقتدي به ويتعلم منه مبادئ السلوك القويم والعمل الصالح المقبول، وشرطاه: الإخلاص والصواب، مع توفيق الله عز وجل، لذلك يعدد الله تعالى قصص الأنبياء في إخلاصهم وصوابهم لأعمالهم، ويذكر بالنتيجة النصر والقبول والاستجابة:

إبراهيم عليه السلام دعا قومه إلى الله وصبر على أذاهم وحاورهم باللين والحسنى والمنطق “وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أيمة يدعون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وكانوا لنا عابدين”

لوط عليه السلام نجاه الله من القرية التي كانت تعمل الخبائث ل“إنه كان من الصالحين”

نوح عليه السلام دعا ربه مخلصا بعدما يئس من إيمان قومه فاستجاب الله لدعائه: ” ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 81

داود وسليمان عليهما السلام آتاهما الله ملكا عظيما وحكمة بالغة وفهما في أمور الحكم والقضاء لأنهما كانا شاكرين.

أيوب عليه السلام جزاء صبره وإخلاصه في الدعاء قال فيه:” وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين” إسماعيل وإدريس وذو الكفل أدخلهم الله في رحمته لأنهم كانوا من الصالحين ومن الصابرين.

يونس عليه السلام، ذو النون، غفر الله له ونجاه من الغم ومن الظلمات لأنه أخلص في الندم وفي الاستغفار والتسبيح

زكرياء عليه السلام استجاب الله لدعائه وأكرمه بابن صالح نبي وأصلح له زوجه لأجل ” إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين”

ومثلهم المرأة الصالحة العفيفة مريم ” والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين”

والسبب واحد والسر واحد:” فمن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا كفران لسعيه، وإنا له كاتبون”

إيمان وعمل صالح شرطان للقبول والاستجابة، والله تعالى عدل لا يضيع عمل المحسنين.

ليذكر في الأخير بما بدأ به السورة: اقتراب الحق/الساعة:“واقترب الوعد الحق”، والناس به فريقان :

كافرون غافلون نادمون سيقولون يوم الحق” ياويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين” فيقال لهم” إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون”

وفريق المحسنين الذين قال فيهم:” إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون”

في الجنة..جعلنا الله منهم

“قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.