منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خذلان عمار المساجد للمرابطين في المسجد الأقصى قطيعة رحم..

الشيخ محمد الحسن الددو

0

 

مشاركة فضيلة الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو في اعتكاف الأمة أثناء الاعتداء على المسجد الأقصى

إخواننا و أخواتنا المرابطين في المسجد الأقصى المبارك في هذه الليلة العظيمة من ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان المعظم، في شرف الزمان و شرف المكان. تجمعون هذا الشرف العظيم و أنتم أيضا على شرف الثغر و الدفاع عن المقدسات و رفع لواء هذه الأمة، رفع لواء رسول الله صلى الله عليه و سلم.

تقفون هذا الموقف النبيل العظيم الذي يحسدكم عليه من سواكم. و من المؤكد الذي أجزم عليه و أحلف عليه أن المساجد جميعا إذا لم تنصر المسجد الأقصى في هذه الليلة و بالأخص الحرمان الشريفان فإن ذلك من قطيعة الرحم. و المساجد إنما أمرها بيد أهليها و عمارها و أئمتها و المصلين فيها، فإذا لم يهبوا لنصرتكم و الوقوف معكم و لنصرة المسجد الأقصى الذي هو أكبر أسير في أيدي العدو، و للدفاع عن بيضة الإسلام في هذا المكان المقدس، في هذا الزمان المقدس، فإن ذلك من قطيعة الرحم البينة، و قد قال الله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم و أعمى أبصارهم}.

إن وقوفكم الآن في حلوق العدو و أنتم عزل، ليس بأيديكم من السلاح إلا إيمانكم و دعاؤكم و قراءتكم و تدبيركم و ذكركم و كفى بذلك، هو دليل على أن الله تعالى قد اختاركم و أنكم من جند الله المرابطين الثابتين على الحق الذين هم بوصلة الصدق و بوصلة الحق في هذا الزمان الذي كثر في الضلال و كثرت فيه الفتن و انحرف فيه كثير من الناس عن منهج الحق، فأنتم البوصلة، و من كان معكم فهو على الحق، و من لم يكن معكم فقد تولى إلى الباطل.

المزيد من المشاركات
1 من 52

أنتم أشرف هذه الأمة، و أنتم تمثلون رأس الحربة فيها، و أنا جازم لو أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان حيا في هذه الليلة لكان معكم أو في الطريق إليكم. جازم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله لو كان حيا في هذه الليلة لكان معكم، و لكانت العهدة العمرية في يده. جازم أن أبا دجانة رضي الله عنه لو كان حيا لأخرج الليلة عصابة الموت ولربطها على رأسه. جازم بأن الذين رووا هذا الأرض المقدسة بدمائهم مع صلاح الدين الأيوبي لو كانوا أحياء الليلة لأروا الله من أنفسهم خيرا، و لكن المشكلة أنه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة و اتبعوا الشهوات. هذا الخلف الذي هو اليوم الذي يخلف هؤلاء الصالحين و يرث ما تركوا، من لم يقم منه لله سبحانه و تعالى بهذا الحق و لم ينصر الله في هذه الليلة المشهودة، و في هذه الليالي المباركات، فلا شك أنه قد تولى على عقبيه، و أدبر عن طريق الحق، و ترك المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك.

إخواني و أخواتي المرابطين إن رباطكم في سبيل الله في المسجد الأقصى، و وقوفكم في وجه العدو يغيظ أعداء الله جميعا و يغيظ المنافقين المتربصين في بلاد العرب و في كثير من بلاد المسلمين: {و آخرون من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم}.

وإن وقوفكم في وجه العدو الغاصب الغاشم و دفاعكم عن المقدسات إنما هو من إيمانكم و ثباتكم على المبدإ و استقامتكم عليه، فأنتم القدوة و الأسوة، قدوة هذه الأمة و قدوة الصالحين و المضحين، من أراد جهادا لا ريب فيه و لا شك و لا غبار عليه و لا يمكن أن يعتريه أي تشكيك و لا غمز و لا لمز فهو جهادكم في هذه الليلة و في هذه الليالي المباركات. من أراد رباطا في سبيل الله يتحقق فيه ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا و ما فيها)، و يتحقق فيه قول النبي صلى الله عليه و سلم: (ما من ميت إلا و يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يجرى عليه عمله و يأمن الفتان). يجرى عليه عمله أي لا يختم عمله بالموت، فكل ميت يختم على عمله عند موته لأن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث)، لكن المرابط في سبيل الله يجرى عليه عمله فإذا جاء وقت الصلاة كتب من المصلين و إذا جاء وقت الصيام كتب من الصائمين و إذا جاء وقت الزكاة كتب من المزكين و إذا جاء وقت الجهاد كتب في المجاهدين و إذا جاء وقت الحج و العمرة كتب في الحجاج و المعتمرين، و هكذا في كل الأعمال الصالحة فإنه يجرى عليه عمله. و يأمن الفتان فإنه لا يسأل في قبره: من ربك و ما دينك و ما كنت تقول في هذا الرجل؟ لأنه قد قامت له الحجة، و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (كفى ببارقة السيوف شاهدا )، أي كفى ببارقة السيوف شاهدا على إيمان صاحبها و على ثباته و عزيمته و أنه قد صدق الله ما بايعه عليه.

أذكركم إخوتي و أخواتي أن الله سبحانه و تعالى أثنى على أحد ثناء عطرا مازلنا نقرؤه في كتاب ربنا و سيبقى يقرأ ما دام هذا القرآن في الأرض: {و لا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، و يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم و لا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله و فضل و أن الله لا يضيع أجر المومنين الذين استجابوا لله و الرسول من بعدما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم و اتقوا أجر عظيم، الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا الله و نعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان و الله}.

و قد صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه ذهب على شهداء أحد قبل موته بثمانية أيام فصلى عليهم و قال: إني شهيد على هؤلاء بأن صدقوا الله ما بايعوه عليه). كنا الليلة نقرأ في التراويح سورة الأحزاب، فقرأنا فيها قول الله تعالى فيها: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر و ما بدلوا تبديلا ليجزي الصادقين بصدقهم}، فتذكرنا من الصادقين الذين تتحقق فيهم هذه الآية و يتحقق لهم هذا الوعد إخواننا المرابطين و أخواتنا المرابطات، تذكرنا شيخنا أمير المنبر الشيخ عكرمة صبري، تذكرنا شيخنا شيخ القدس رائد صلاح فك الله أسره و جمع شمله، فدعونا بالأسماء لمن ذكرنا، و أيضا قنتنا في قنوت الوتر قنوتا خاصا بكم معشر المرابطين و المرابطات.

وهذا حقكم، فحقكم على الأمة أن تسير إليكم الجحافل و أن تبدل لكم كل مالها، و أن تقف وراءكم و أمامكم و من خلفكم و عن يمينكم و عن شمائلكم و أن تكون معكم بالمعية الحقيقية. هذا واجب الأمة جميعا و لكننا نشكو عجزنا و ضعفنا، و لعل الله يلحقنا بالأشعريين الذي قال الله فيهم: {و لا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه، تولوا و أعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون}. إن مسؤولية نصرة المسجد الأقصى على الأمة جميعا، قاصيها و دانيها، عربها و عجمها، و هي بالضرورة على حكامها الذين يبسطون أيديهم على سلاحها و جيوشها و أموالها و مقدراتها، فليتذكر هؤلاء الحكام أنهم الليلة يدعون إلى الجهاد في سبيل الله و الدفاع عن مقدسات المسلمين، و أن ذلك ما دعا الله إليه المخلفين من الأعراب فقال: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلوهم أو يسلمون، فإن تطيعوا يوتكم الله أجرا حسنا، و إن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما}. على كل حكام العرب و حكام المسلمين أن يعدوا الجواب للمسجد الأقصى و هو يناديهم، و أن يعدوا الجواب الأكبر بين يدي الله عند العرض عليه، ماذا فعلوا و ماذا بذلوا و ماذا ضحوا، و كيف كانوا حاجزا مانعا من وصول المجاهدين و من وصول الأموال إلى هذه المقدسات و الدفاع عنها؟ ليتذكر هؤلاء و من ينسقون التنسيق الأمني في داخل فلسطين و في خارجها، و من يوالون و من يطبلون و من يؤيدون هؤلاء الغزاة المعتدين أنهم منهم و معهم و فيهم كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، و من يتولهم منكم فإنه منهم}، و ليتذكروا قول الله تعالى: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود و عيسى بن مريم، ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون، ترى كثير منهم يتولون الذين كفروا، لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون، و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي و ما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء و لكن كثيرا منهم فاسقون}. من غريب ما حصل لي أنني قرأت هذه الآيات و ظاهر السياق أن الضمائر كلها للملعونين من كفرة أهل الكتاب، و لكن انطبع في ذهني تدبر يقتضي أن الخطاب في قول الله تعالى: {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا}، إنما هو لكثير من أبناء المسلمين، و أن الخطاب هنا ليس المقصود من ضمير اليهود بل المقصود الذين يتولونهم من أبناء المسلمين، {ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفرو}، أي يتولون هؤلاء المحتلين و الغزاة الغاصبين {يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون}، {و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي} هذا هو الدليل، و لو كانوا يؤمنون بالله و النبي محمد صلى الله عليه و سلم، {و ما أنزل إليه}، هذا القرآن، {ما اتخذوهم أولياء و لكن كثيرا منهم فاسقون}، {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين أشركوا}. ما أريد أن أطيل عليكم و لكن أنتم شرفنا و على رؤوسنا جميعا ، و ما منا أحد إلا و يتمنى أن يكون غبارا تحت أقدامكم، و أن يكون حجرا ترمون به في وجوه العدو. نسأل الله سبحانه و تعالى بأسمائه الحسنى و صفاته العلا أن ينصركم نصرا مبينا و أن يؤيدكم تأييدا عزيزا، و أن ينزل عليكم جندا من جنده، و قد قال تعالى: {و ما يعلم جنود ربك إلا هو}.

نسأل الله سبحانه و تعالى أن يمدكم بمدد من السماء، و أن يلقي السكينة في قلوبكم، و أن يحفظكم أجمعين من كل سوء، و أن يكف عنكم بأس أعدائكم، و أن يرد بأسهم عن المسجد الأقصى و ما حوله.

نسأل الله أن يرد بأسهم في نحورهم، و أن يشتت شملهم و أن يبيل رأيهم، و أن يسلط بعضهم على بعض و أن ينزل بهم المثلاث، و أن ينزل بهم عقابا من عنده، و أن يكفيكم شرورهم أجمعين، و أن يردهم خائبين مهزومين كما عودنا سبحانه و الله تعالى في مثل هذه المواقف.

أسأل الله أن ينصركم نصرا مبينا و أن ينصر بكم الدين، و أن ينصر بكم الإسلام و المسلمين، و أن ينصر بكم المسجد الأقصى و الأسرى.

نسأل الله سبحانه و تعالى أن ينصر بكم المسرى و الأسرى، وأن يرفع درجاتكم و أن يسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة، و أن يفتح لكم خزائن رزقه و أبواب فضله، و أن يعينكم على ما حملكم من الدفاع عن بيضة الإسلام و مقدساته.

نسأل الله سبحانه و تعالى أن يثبت أقدامكم و يؤلف بين قلوبكم و يصلح ذات بينكم و أن يصلح أهليكم و ذرياتكم، و أن يطيل أعماركم و يكثر أموالكم و أولادكم، وأن يصرف عنكم هذا الوباء و الرجز. نسأل الله سبحانه و تعالى أن يصرف عنكم الوباء و أن يشفيكم أجمعين من كل داء و أن يفرج عن أسرانا أجمعين و أن يفك أسرهم و يجمع شملهم، و أن يفرج عن المسجد الأقصى و هو أسيرنا الكبير، أن يفك أسره و أن يرزقنا فيه صلاة قبل الممات.

اللهم ارزقنا فيه صلاة قبل الممات محررا يا أرحم الراحمين. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يثبتكم و أن يعظم أجركم و أن يكتب لكم في هذا الشهر خير ما هو كاتبه فيه لأحد من عباده.

أسأل الله أن يقسم لكم في هذا الشهر و في هذه العشر و في هذا المعتكف و في هذا الرباط خيرا مما هو قاسمه لأحد في هذه الأرض، و أن يضاعف لكم المتوبة و أن يعتق رقابكم من النار، وأن يختم لكم رمضان برضوانه و العتق من نيرانه.

و صلى الله و سلم على نبينا محمد و على آله و أصحابه أجمعين والسلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.