منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المسجد الأقصى؛ واجب النصرة وحماية المقدسات.

الدكتور أحمد الإدريسي

0

مقدمـة:

مكانة المسجد الأقصى وبيت المقدس معلومة عند عامة المسلين خاصتهم؛ فهو مسرى نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَأمِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير”. (الإسراء:1). والمسجد الأقصى هو أولى القبلتين، وثالث الحرمين.

وقد تقرر عند العلماء والفقهاء على تنوع مذاهبهم، وتعدد مناهجهم، وتمايز طرق استنباطهم الأحكام من مظانها، تقرر أن أي أرض إسلامية احتلها مغتصب فقد وجب على أهلها استردادها حتى تخرج المرأة دون إذن زوجها، ويخرج الولد دون إذن والديه، ويخرج العبد دون إذن سيده، ذلك أن الدفاع عن الأرض والوطن في هذه الحالة فرض عين على جميع أهل الوطن المحتل، فإن استطاعوا ردها فبها ونعمت، وإلا فقد وجب على الدول المجاورة معاونتها، وهكذا تتسع الدائرة لكل المسلمين حتى تخليصها من يد المغتصب، تماما كما كان المسلمون منذ عهد الصحابة رضي الله عنهم.

أولا: واجبنا نحو المسجد الأقصى والقدس الشريف؛

إذا كان الشرع الحكيم قد فرض على المسلمين تحرير أي أرض إسلامية يحتلها العدو، فإن لأرض فلسطين خصوصية دينية تؤكد على الواجب، وتُضاعف الهمم لتحريرها، وتُلهِب الأشواق للاستشهاد على ترابها، فهي ليست ككل أراضى المسلمين، إذ فيها المسجد الأقصى، ولها ولبلاد الحرمين مزية خاصة، كما أنها الأرض التي بارك الله عز وجل فيها للعالمين، يجب علينا أمور أذكر منها:

المزيد من المشاركات
1 من 63

– إدراك أبعاد القضية الفلسطينية، والنظر للقضية بمنظار إسلامي، إذ إن لفلسطين مكانتها الخاصة في نفوس المسلمين، ومع أن اليهود يتعاملون مع القضية من منظور عقدي تلمودي، نجد بعض المسلمين –للأسف- لا ينظرون إليها من هذا المنظور، بل لطالما سمعنا من بعض القادة والحكام العرب كلمات خزي وعار، تدل على الهزيمة الكاملة مثل: ما لنا وفلسطين؟ ومثل: ماذا أخذنا من فلسطين؟ وكقول بعضهم: فلسطين أولها (فَلَس) وآخرها (طين).

– تعلم فقه الأحاديث التي تبشر بظهور طائفة من المؤمنين على أهل الكفر حتى يأتي أمر الله. روى ذلك عن النبي المغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وثوبان بن بُجدد، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية، وعمران بن حصين، وأبي هريرة، وعمر بن الخطاب، وقرة بن إياس، وزيد بن أرقم، وكعب بن مرة البهزي، وأنس بن مالك، وصُدَي بن عجلان أبي أمامة وغيرهم. فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تزال هذه الأمة ظاهرين على من خالفهم حتى يأتي أمر الله، وهم ظاهرون)[1].

– تعليم هذه الأحاديث الثابتة للأجيال الصاعدة وتثبيتها في قلوبهم ووجدانهم.

– بالنظر إلى الجانب التاريخي، لا يشك أحد أن فلسطين عربية إسلامية، ومع ذلك قد طمع فيها من قبل الفرس، ثم الرومان، واحتلها الصليبيون في حملات منها حملة لويس التاسع، وفي العصر الحديث احتلها الإنجليز، الذين أهدوها بموجب وعد بلفور لليهود.

– واجب النخوة: إذا لم يكن في الوجوب الشرعي دافعا كافيا لبعض المسلمين لنصرة الأقصى والقدس وفلسطين – وهذا غير مقبول طبعا- فلا أقل أن تتحرك نخوة العروبة، والنخوة الإنسانية في الصدور. وقد رأينا النخوة الإنسانية حركت وحملت بعض الغيورين غير مسلمين على التصدي للصهاينة لنصرة المسلمين المظلومين، والتاريخ القديم والحديث شاهد على ذلك.

– لا توجد أمة لم –إلا نادرا- تنهض تدافع عن أرضها، ودينها، ومقدساتها، وثوابتها التاريخية.

– لا يخفى على أحد أن اليهود قد بنوا مخططهم الاستعماري على أساس التوسع وعدم الاكتفاء بفلسطين، واليهود لا يخفون هذا، فهو مبـيّن في خريطة إسرائيل الكبرى المزعومة من النيل إلى الفرات ومرسومة على جدار الكنيست، مشفوعة بالنصوص الدينية التلمودية، التي تؤكد هذا الحق المزعزم.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 28

– الولاء والبراء: يجب أن نعلن عداوتنا لمن عادى الله ورسوله، وأن نعلن ولاءنا لله ورسوله ولمقدساته وللمكان الذي رفع الله منه رسوله إلى السموات العلى، واليهود هم أعداء الله من خلقه، وهم أعداء رسل الله، وهم أعداء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أشد الناس عداوة للمؤمنين.

ثانيا: أحاديث نبوية في وجوب النصرة للمسجد الأقصى؛

1- من الأحاديث العامة:

– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة)[2].

– عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)[3].

– روي عن جابر بن عبد الله، وأبي طلحة بن سهل الأنصاري رضي الله عنه أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من امرئ يخذل امرأ مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته)[4].

2- من الأحاديث الخاصة:

– عن قرة بن إياس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، ولا يزال ناس من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم على ذلك)[5].

– عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومسجد الأقصى)[6].

– عن أم سلمة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أهل بعمرة من بيت المقدس، غفر له)[7].

– عن البراء رضي الله عنه، قال: (صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه نحو القبلة)[8].

– عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا: حكمًا يصادف حكمه، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وألا يأتي هذا المسجد أحد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة)[9].

ثالثا: نماذج من تعظيم السلف للمقدسات وحمايتها؛

– عن عبد الله بن مسعود، أن أبا موسى أمهم فخلع نعليه، فقال له عبد الله: “لم خلعت نعليك أبالوادي المقدس أنت؟”[10]. وهذا يدل على تعظيمهم للمقدسات وبيت المقدس.

– روي أن عمر بن الخطاب، لما دخل بيت المقدس قال: لبيك اللهم لبيك[11].

وما فعل عمر ذلك إلا لمكانة بيت المقدس والقدس الشريف في قلوبهم.

– جاء عن بعض السلف: (من صلى الفريضة في مسجد بيت المقدس في جماعة كانت له بخمس وعشرين ألف صلاة، ومن صلاها وحده، كانت له بألف صلاة[12].

– عن كعب بن ماتع الحميري المعروف بكعب الأحبار، قال: (أحب البلاد إلى الله الشام، وأحب الشام إليه القدس)[13].

ومن خلال أقوال الفقهاء نفهم أنه يتعين على المسلمين تحرير الأراضي المحتلة، ومن أقوالهم:

– قال في الاختيار: (الجهاد فرض عين عند النفير العام وكفاية عند عدمه، والنفير العام: أن يحتاج إلى جميع المسلمين فلا يحصل المقصود وهو إعزاز الدين وقهر المشركين إلا بالجميع، فيصير عليهم فرض عين كالصلاة، وإذا لم يكن كذلك فهو فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين كرد السلام ونحوه، لأن المراد والمقصود منه دفع شر الكفر وكسر شوكتهم، وإطفاء ثائرتهم وإعلاء كلمة السلام، فإذا حصل المقصود بالبعض فلا حاجة إلى غيره)[14].

– قال في جامع الأمهات: (الجهاد واجب على الكفاية بإجماع، ويتعين على من نزل عليهم عدو وفيهم قوة عليه، فإن عجزوا تعين من قرب منهم حتى يكتفوا، ويتعين على من عينه الإمام مطلقًا. والقوة: أن يكون العدو ضعفهم فما دونه عددًا، وقيل: قوة وجلدًا – فيحرم الفرار إلا متحرفًا أو متحيز)[15].

– قال في الإقناع: (وفرض الجهاد على الكفاية يتولاه الإمام ما لم يتعين. وإن سار العدو إليهم تعين فرض جهاده على كل من أطاق دفعه من المسلمين حتى يردو)[16].

– قال الخِرَقِي: (والجهاد فرض على الكفاية، وواجب على الناس إذا جاء العدو أن ينفروا المقل منهم والمكثر)[17].

لذلك كله فإن على أهل فلسطين أن يجاهدوا حتى يحرروها كاملة، فإن لم يستطيعوا لوحدهم تعيَّن الجهاد على الأقطار الإسلامية المجاورة أو ما تسمى دول الجوار، فإن لم يستطيعوا أو تخاذلوا، انتقل الواجب إلى كل مسلمي الأرض حتى يتم تحريرها.

خـاتمة:

ستبقى مكانة المسجد الأقصى، وبيت المقدس عالية عظيمة في نفوس المسلمين، حاضرة في قلوبهم، وقد بشّر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح بيت المقدس، ففي الصحيح عن عوف بن مالك، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال: (اعدد ستًا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتَان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا)[18].

فشعوب المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها قاموا لنصرة أقصاهم والدفاع عنه، وخرجوا في مسيرات ووقفات تعبر عن غضبهم واستنكارهم لما يقوم به الصهاينة من جهة، ولاستنكار التطبيع مع هذا العدو الغاشم من جهة أخرى، وهذا أقل الواجب لنصرة الأقصى، وبيت المقدس ومعاونة ومساندة أهل فلسطين حتى استرداد حقهم المسلوب، وتحرير المسجد الأقصى.

وقد فتحها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم صلاح الدين الأيوبي،

ونسأل الله عز وجل أن يعيد فتحها وأمجادها على أيدينا. ءامين، والحمد لله رب العالمين.


[1] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: فرض الخمس. حديث: ‏2965‏،

والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة. حديث رقم: ‏3640‏.

[2] – البخاري كتاب المظالم والغصب حديث: ‏2330‏، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب حديث: ‏4749‏.

[3] – البخاري كتاب الأدب حديث: ‏5671‏، ومسلم كتاب البر والصلة والآداب حديث: ‏4791‏. وفي روايات أخرى: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم …”.

[4] – رواه الإمام أبو داود في سننه، كتاب الأدب. حديث رقم: ‏4261‏‏.

[5] – رواه الإمام ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني. حديث رقم: ‏999‏.

[6] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الجمعة. حديث رقم: ‏1147‏،

والإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الحج، حديث رقم: 2554.

[7] – رواه الإمام ابن ماجه في سننه، كتاب: المناسك. حديث رقم: ‏2998‏.

[8] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: تفسير القرآن. حديث رقم: ‏4231‏.

ورواه الإمام مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة. حديث رقم: ‏850‏.

[9] – رواه الإمام ابن ماجه في سننه، كتاب: إقامة الصلاة. حديث رقم: ‏1404‏.

[10] – رواه الإمام عبد الرزاق في مصنفه، كتاب: الصلاة. حديث رقم: ‏1450‏.

[11] – ابن حجر العسقلاني، “المطالب العالية”، كتاب الحج، حديث رقم: ‏1316‏.

[12] – ابن حجر العسقلاني، “المطالب العالية”، كتاب الحج، حديث رقم: ‏1319‏.

[13] – رواه الإمام ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الفضائل حديث رقم: ‏823‏.

[14] – عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي الحنفي، الاختيار لتعليل المختار.

[15] – ابن الحاجب الكردي المالكي، جامع الأمهات.

[16] – الماوردي، أبو الحسن على بن محمد. الإقناع في الفقه الشافعي.

[17] – الخرقي، أبو القاسم عمر بن الحسين، “متن الخرقى على مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل”.

[18] – رواه الإمام البخاري في صحيحه، كتاب: الجزية، باب ما يحذر من الغدر، حديث رقم: ‏3021‏.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.