منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: عبر ولطائف الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج منه

خطبة: عبر ولطائف الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج منه/ الشيخ باهشام بنسالم

0

خطبة: عبر ولطائف الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج منه

الشيخ باهشام بنسالم

عباد الله، تحيي الأمة الإسلامية ذكرى الإسراء والمعراج في شهر رجب، في ليلة من لياليه، وتعد الإسراء والمعراج أكبر المعجزات الحسيّة التي حدثت مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فالإسراء هي الليلة التي أسرى بها الله تعالى بنبيه من مكة المكرمة إلى بيت المقدس بروحه وجسده معًا، راكبًا على دابة تسمى البراق، بصحبة جبريل عليه السلام، وهناك صلى إمامًا بالأنبياء عليهم السلام، قال تعالى في سورة الإسراء:  (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء 1]، أما المعراج فهو ما أعقب رحلة الإسراء من الصعود بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء، وظل يصعد فيها حتى وصل إلى السماء السابعة، وهناك رُفع إلى سدرة المنتهى. قال تعالى في سورة النجم: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) [النجم: 1 – 18]

والرأي الغالب الذي رجحه أهل العلم، أن رحلة الإسراء والمعراج كانت ليلة السابع والعشرين من شهر رجب في العام العاشر من البعثة النبوية، أي قبل الهجرة من مكة إلى المدينة بنحو ثلاث سنوات. قال الشيخ الزرقاني رحمه الله تعالى في “شرحه على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية” معلقًا على ذلك: (وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب” وعليه عمل الناس، قال بعضهم: وهو الأقوى، فإن المسألة إذا كان فيها خلاف للسلف، ولم يقم دليل على الترجيح، واقترن العمل بأحد القولين أو الأقوال، وتلقي بالقبول، فإن ذلك مما يغلب على الظن كونه راجحا).

أما ظروف الرحلة فقد كانت في عام الحزن، بعدما فقد النبي صلى الله عليه وسلم زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب ، اللذين كانا يؤانسانه ويؤازرانه، وضاقت الأرض بهِ نظراً لما لاقاه من تكذيب وردّ من قبل المشركين.

عباد الله، يقول تعالى في سورة الحشر: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]، فما هي الدروس والعبر من حادثة الإسراء والمعراج؟ الدروس والعبر كثيرة وعديدة، ففي كل موقف نبوي درس، وفي كل كلمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة وعبرة، وحري بنا أن نتحدث عن المسجد الأقصى الذي سَطّرت رحلة الإسراء والمعراج مكانته العظيمة، والذي لا يمكن تجاهل موقعه الكبير في التاريخ الإسلامي.

عباد الله، لقد اختار الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يرحل إلى المسجد الأقصى المبارك من مكة المكرمة، ثم يعرج من المسجد الأقصى إلى السماء، والله جل في علاه هو الذي اختار طريق هذه الرحلة، ليدلل لنا على مكانة بيت المقدس، وفضل المسجد الأقصى المبارك، والذي كان قبلةً أولى للمسلمين قبل المسجد الحرام، والذي يعتبر من أقدم المساجد التي بنيت على الأرض، فهو ثاني المساجد بناءً بعد الكعبة المشرفة، وثالث المساجد مكانة وأجراً بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي.

عباد الله، إذا كان الله تعالى قد ربط أبا الأنبياء إبراهيم عليه السلام بالبيت الحرام بمكة المكرمة، فقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم روحياً ودينياً ببيت المقدس، عن طريق جعله قبلة للمسلمين أولا، وبإمامته للأنبياء والمرسلين فيه ثانيا، وذكره بصفته أرضا مباركة ومقدسة في أكثر من آية قرآنية ثالثا، وبعدها جاء التأكيد المادي للربط عن طريق هذه الرحلة.رابعا، وعلى هذا؛ فإن رحلة الإسراء والمعراج لها علاقة مباشرة، وارتباط وثيق، بما يدور  في المسجد الأقصى ومحيطه، من تخريب وفساد يمارسه الصهاينة ومن يقف معهم. فلم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد معجزة إلهية وهبها الله لخاتم أنبيائه ورسله  عليهم السلام، ولم يسجلها الله في كتابه العزيز، إلا لتكون منارة يهتدي بها المسلمون كلما تاهت بهم السبل عن بيت المقدس، منارة تنفع الأمة في الحفاظ على وجودها، وتأمين مصالحها على مر الزمان كلما استعجلها الخطر ، واقتحم العدو أرض بيت المقدس.

عباد الله، لقد جذَّر الله جلَّ في علاه قدسية المسجد الأقصى في قلوب أتباع شرائعه السماوية السابقة عبر التاريخ البشري، يحملها كل خلف عن سلفه، عقيدة صافية سليمة من الكفر بالله، أو عناده أو معصية أنبيائه عليهم السلام، في سلسلة من المؤمنين تتوالى عبر الزمان والمكان، تؤمن بقدسيته، يقودهم نبي تلو آخر إلى ذات الهدف، حتى استقر أمر خلافته صلى الله عليه وسلم ببسط شريعته في المسجد الأقصى لما كان عليه الصلاة والسلام إماماً للأنبياء فيه ليلة الإسراء والمعراج، خاتماً به ما سبق من رسل ورسالات.

عباد الله، لقد ارتبط المسجد الأقصى عبر تاريخ الأمم والأزمنة المديدة برسالة السماء، في أول الزمان ووسطه وآخره. لتتوطد علاقة المؤمنين به، المتّبعين للنبي الذي أرسل فيهم خلال سلسلة الزمان المتعاقبة، مؤمنين موحدين مرابطين فيه.

عباد الله، لقد كان المسجد الأقصى أول الزمان: وفي محطاته الأولى؛ قبلة أولى للموحدين من أتباع النبيين عليهم السلام، كما روى البخاري، ومسلم، واللفظ له، أن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيتِ المقدسِ سِتَّة عَشَرَ – أو سَبعةَ عَشَرَ- شهراً، ثم صُرِفْنَا نحو الكعبة)[أخرجه البخاري: (6/27) (ح4492)، ومسلم: (1/374) (ح525)، واللفظ له]. وكان تحويل القبلة، في قول الجمهور، بعد ستة عشر شهراً من قدومه صلى الله عليه وسلم، في رجب، بعد زوال الشمس، قبل غزوة  بدر بشهرين، كما جاء في شرح النووي على مسلم: [13/5]، ولما كان المسجد الأقصى بعيداً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً، وكثير منهم لا يعرفه، ومتزامناً معه سيطرة النصارى الرومان عليه حين كان قبلة، وكأن الشارع الكريم، أراد أن يُبقي المسجد الأقصى مع كل ما سبق من أحوال، في وجدان المسلمين، خاصة الرعيل الأول منهم، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، مع ما يعترض المسجد الأقصى من أحوال ذكرناها، فإن بَعُد عنهم المسجد زماناً ومكاناً، فقد أراد الله بهذا أن يجعله نَصبَ أعينهم حُكماً وقِبلة.

عباد الله، في زمن الرعيل الأول من الأنبياء عليهم السلام، كان المسجد الأقصى الذي يعبد فيه الرب جل في علاه على الأرض كلها ثاني المساجد وأبعدها، ولم يكن سواه مسجد بعد المسجد الحرام، كما روى البخاري، ومسلم عن الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أيّ مسجد وُضِعَ في الأرض أَوَّل (أي للصلاة فيه)؟ قال: «المسجد الحرام»، فقلت: يا رسول الله، ثُم أيّ؟ قال: «ثمّ المسجد الأقصى»، قلت: كم كان بينهما؟ قال: «أربعون سنة»، «ثم حيثما أدركتك الصلاة فصلِّ، والأرض لك مسجد»)[أخرجه البخاري: (4/177)، (4/197)، ومسلم: (1/370)]،

عباد الله، لم يكتفِ أبو ذر الغفاري رضي الله عنه فقط بمعرفة أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد بُني على الأرض، بل تعداه إلى سؤال آخر، وهو معرفة الفترة الزمنية التي كانت بين المسجدين. إنها مؤشرات حرص ووله الصحابة رضي الله عنهم على المسجد الأقصى، وإن حال بينهما الزمان والمكان، وما حال من الأعداء المحتلين له من النصارى الروم الوثنيين.

عباد الله،لقد وقع في وسط الزمان، محطات تاريخية نادرة الوقوع في عالم البشر، وهي الأسلوب والطريقة الفريدة التي كانت كالصعقة لمستوى إدراك الناس، لتعيد برمجة الأمة بأهمية هذا المسجد من خلال معجزة الإسراء والمعراج، بطريقة لم يعرفها العرب ولا غيرهم من البشر، طريقة فاقت مستوى عقولهم من خلال الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم من بيته صلى الله عليه وسلم في مكة، إلى المسجد الأقصى، والمعراج منه إلى السماء، في ساعة من ليل، بأسرع دابة عرفتها البشرية،. ويخبر صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيقول فيما رواه البخاري، ومسلم، واللفظ له: «أُتيتُ بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار  ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طَرْفه»، قال: «فركبته،  حتى أتيت  بيت المقدس»، قال: «فربطته بالحلقة » التي يربط بها  الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر  وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء» [(أخرجه البخاري: (3887)، ومسلم: (1/145) (ح162)، واللفظ له]. لقد جاء هذا الحديث الصحيح بأنواع من التوثيقات والروابط:

1 – ربط بين قبلتين: الكعبة بالمسجد الحرام، والمسجد الأقصى،

2 – ربط بين أرضين: مكة وبيت المقدس،

3 – ربط بين الأنبياء عليهم السلام كلهم: لما جمعهم الله في المسجد الأقصى وأمَّهم النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

4 – ربطهم بالأرض المقدسة.

5 – ربط الرحلة بالسماء.

6 – ربط بين زمانين: في اختصار وقت التنقل بين مكانين في الأرض، وبين الأرض والسماء،

7 – ربط البراق في حلقة باب المسجد الأقصى: مع أن البراق ليس بحاجة إلى ربطه، لأنه مؤتمِر بأمره صلى الله عليه وسلم، وجبريل عليه السلام، ليشتمل الأمر على مزيج من الروابط والفضائل، يصعب فكها أو التغافل عنها.

عباد الله، لقد تمايزت أنواع العلاقة والأحوال الخاصة بهذا المسجد المقدس، فحيناً يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فضله وفضل الهجرة إليه والصلاة فيه، وحيناً يذكر خبراً هو ناقوس خطر للمسجد الأقصى لم يقع في زمنه صلى الله عليه وسلم، لكنه أخبر عنه بشيء من التفصيل، وذلك  في ما رواه الطبراني في الأوسط عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: (تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل: مسجد رسول الله، أو مسجد بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلَّى  «هُوَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ، وَأَرْضُ الْمَنْشَرِ»، وليوشَكن أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً»، أو قال: «خير من الدنيا وما فيها») [أخرجه الطبراني في الأوسط: (7/103) (ح6983)، والحاكم: (4/905)، وقال: “صحيح الإسناد”.]. هذا التذاكر بين الصحابة  رضي الله عنهم، وفي حضرة النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الأقصى، يدلل على حبهم وحرصهم وشغفهم بالمسجد الأقصى، ولم يمنعهم بُعد المسافة أو سيطرة الرومان عليه من نسيانه أو تناسيه، بل كان حديث كثير من مجالسهم. فتذاكر الصحابة رضي الله عنهم حول فضل الصلاة في المسجد الأقصى وهم بعيدون عنه، ولم يصلّوا فيه بعد، إلا أنهم يحيون شعائره بالسؤال عنه، وإشاعة ذكره وأحواله في مجالسهم وعلى مسامعهم، ومسامع من حولهم ومعهم، وإلا فما قيمة ذلك وهم بعيدون عنه مسيرة شهر سوى ما ذكرنا، غير أن اليهود وفي محاولات كثيرة ومتعددة، مارسوا التشكيك في مكان ومكانة المسجد الأقصى، ويشيعون أنه ليس هو ذلك المسجد المتعارف عليه في القدس، وإنما هو في مكان آخر! ويجب على المسلمين أن يبذلوا وسعهم في البحث عنه بعيداً عن القدس! وفي ذلك يقول “يهودا ليطاني” في مقالة له بجريدة يديعوت نقلاً عن الرأي العام الكويتية [بتاريخ: 5/3/2005م]: (فإنّ هناك تفسيرات إسلامية أخرى لعبارة المسجد الأقصى تجعله في مناطق أخرى، من جملتها: بقرب المدينة المنورة”. مستدلين في ذلك بما جاء في كتب الشيعة وما يروونه عن أبي عبد الله عليه السلام كما جاء في بحار الأنوار قال: (سألته عن المساجد التي لها الفضل فقال: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، وقلت : المسجد الأقصى جعلت فداك؟ قال: ذاك في السماء، إليه أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن الناس يقولون: إنه بيت المقدس، فقال: مسجد الكوفة أفضل منه) [بحار الأنوار: 97/405، محمد باقر المجلسي].

عباد الله، إننا في هذه الظروف التي نعيشها،  في أمس الحاجة إلى إحياء سنة أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في التذاكر عن المسجد الأقصى في ظل غياب الوعي الإسلامي، والتشكيك اليهودي، بهذه الثوابت. لكن هنا وفي هذا الحديث النبوي الشريف الذي ذكرنا ما الجديد فيه؟ وما هو ناقوس الخطر الذي أخبر به وعنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنه قوله صلى الله عليه وسلم : «ليوشِكنَّ أن يكون للرجل مثل شطن فرسه من الأرض، حيث يرى منه بيت المقدس، خير له من الدنيا جميعاً». إنه إخبار جلي واضح عن حال المسجد الأقصى، وما آل إليه اليوم من حرمان المسلمين من الوصول إليه والصلاة فيه. إنه دلالة من دلائل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم، يخبر عن يوم يتمنى به المسلم أن يقف على مساحة ضيقة من الأرض جاءت بقوله: «شطن»، وهو الحبل الطويل، وجمعه أشطان، [مختار الصحاح: (338)]، يستقى به من البئر، أو تُشدُّ به الدابة؛ محاولاً من هذه البقعة أن يُطل برأسه ليرى فقط المسجد الأقصى، فضلاً عن الصلاة فيه. ألا نرى في هذا الحديث وصفاً لحال المسجد الأقصى اليوم؟ وإحكام السيطرة الصهيونية عليه؟ والتي حرمت ملايين المسلمين منه؟. وأما آخر الزمان، فسيكون هو المكان والزمان الآخر الذي تَشد إليه الأمة رحالها رغبة ورهبة، وتُجمّع عنده وحوله إلى عَرَصات الآخرة، لتكون آخر أيام الدنيا بين الأرض والسماء عنده. وهذا ما نقله البيهقي في شعب الإيمان، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الشام أرضُ المحشَرِ والمنشَرِ»[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان: (3/486) (ح4145)].

عباد الله، لقد أشار ابن تيمية رحمه الله إلى هذه المعاني بقوله: (كان الإسلام في الزمان الأول؛ ظهوره بالحجاز أعظم، ودلت الدلائل المذكورة على أن ملك النبوة بالشام، والحشر إليها‏.‏ فإلى بيت المقدس وما حوله يعود الخلق والأمر‏،‏ وهناك يحشر الخلق‏، والإسلام في آخر الزمان يكون أظهر بالشام)‏[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: (27/43)]. ومثله قال ابن كثير رحمه الله في كتابه النهاية: (هذه السياقات تدل على أن هذا الحشر هو حشر الموجودين في آخر الدنيا إلى محلة، وهي أرض الشام) [النهاية؛ لابن كثير: [1/184]]. وسيعود الأمر آخر الزمان إلى بلاد الشام، فخلافة آخر الزمان ستكون فيها، ورموز الكفر وساستهم ستكون نهايتهم عليها، فالدجال سيقتل في فلسطين على يد عيسى عليه السلام، ويقتل خنزير النصارى ويكسر صليبهم، والإبادة الحقيقية لليهود ستكون هناك، ويعاونهم في ذلك الشجر والحجر، روى البخاري ومسلم عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقومُ السَّاعةُ حتَّى يقاتِلَ المسلمونَ اليهودَ، فتسلطون عليهم»، فَيقتُلُهُمُ المسلمونَ، حتَّى يختبئَ اليَهُوديُّ مِن وَراءِ الحَجَرِ والشَّجَرِ (وفي رواية: «فلا يبقى شيءٌ مما خَلَقَ اللهُ يَتَوارَى بِهِ يَهودِي إلاَّ أَنطَقَ اللهُ ذلكَ الشَّيءَ، لا حَجَرَ، ولا شَجَرَ، ولا حائِطَ، ولا دابَّةً، فَيقولُ الحجَرُ أَو الشجر: يا مُسلِمُ! يا عَبدَ اللهِ! هَذا يَهودِيٌّ خَلفِي، فَتَعالَ فاقتُلْهُ، إِلاَّ الغْرقَد ، فإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ اليهودِ»،[أخرجه البخاري: (4/51) (ح2926)، ومسلم: (4/2239)، واللفظ له]. والمراد بقتالهم حال نزول عيسى بن مريم عليه السلام، ويكون اليهود مع الدجال كما قال ابن حجر في الفتح،[فتح الباري: (6/610)]. والمعنى لـ «يقاتلكم اليهود»: أن من هو منهم في الذمة فسينقضون الذمة ويقاتلون، فيباح حينئذ قتالهم، [الإفصاح عن معاني الصحاح: (4/51)]. في معركة إبادة حقيقية فاصلة، يكون الدجال فيها قائداً لليهود، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ينزل الدجال في هذه السبخة، بِمَرقاة، فيكون أكثر من يخرج إليه النساء، حتى إن الرجل ليرجع إلى حميمه، وإلى أمه، وابنته، وأخته، وعمته، فيوثقها رباطاً، مخافة أن تخرج إليه، يسلط الله المسلمين عليه، فيقتلونه، ويقتلون شيعته، حتى إن اليهودي ليختبئ تحت الشجرة أو الحجر، فيقول الحجر أو الشجر للمسلم: هذا يهودي تحتي فاقتله».

عباد الله، إن معركتنا مع يهود آخر الزمان معركة إسلامية صرفة، لا حزبية فيها ولا قومية؛ لأن الحجر والشجر سينادي «يا مسلم». ومع كل ما يأتي به الدجال من خوارق، إلا أن الله يحفظ عنه المسجد الأقصى كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد في المسند: «إنه يلبث فيكم أربعين صباحاً، يَرِدُ فيها كل مَنهلٍ؛ إلا أربعة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والطور، ومسجد الأقصى، وإن شَكَلَ عليكم أو شُبِّه، فإنَّ الله ليس بِأَعورَ»[أخرجه أحمد: (5/434) (ح23734)]. لتكون آخر أيام الصراع بين الحق والباطل في الدنيا عند أبواب المسجد الأقصى. لذلك؛ مهما هدد اليهود باقتحام المسجد الأقصى أو تدميره أو بناء هيكل مزعوم عليه، فإنه محفوظ بإذن الله، تأكيداً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبودود عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عِمْرانُ بَيتِ المقدِسِ خَرابُ يَثرِبَ…»،[أخرجه أبو داود: (4/110) (ح4294)]. وأن المراد بالعمران الكمال في العمارة، أي عمران بيت المقدس كاملاً مجاوزاً عن الحد، وقت خراب يثرب، فإن بيت المقدس لا يخرب [عون المعبود، شرح سنن أبي داود: (11/270)].

عباد الله، إن بيت المقدس لا يخرب، وسيبقى عامراً بمآذن تصدح بصوت “الله أكبر” مدوية في أكنافه.

عباد الله، عندما نتحدث عن المسجد الأقصى وضرورة تحريره، لابد من تصحيح الانطلاق أولا حتى يتم الوصول، ويتحقق الهدف، وتصحيح الانطلاق يبدأ بإعادة إبرام ما انتقض من آخر عرى الإسلام والتي هي الصلاة، وإرجاع مكانتها الدينية في نفوس المسلمين، وفي وسط الأسر.

وقبل أن نتحدث عن وجوب تحرير المسجد الأقصى لابد أن نعلم قيمة المسجد في الإسلام أولا، لنعيد له دوره الريادي، وأنَّ للمساجد دوراً فاعلاً في حياة الفرد المسلم، فهي ليست مجرَّد مكانٍ تُؤدَّى فيه الصَّلوات الخمس فقط، وإنَّما كان له أدوار  عظيمةُ، منها أن فيه تخليص النَّفس البشريَّة من العبوديَّة والتَّذلُّل لغير الله تعالى، وتجريدها من التعلُّق بأمور الدُّنيا وصغائر الأمور، فتسمو النُّفوس لباريها، وتسكن داخل أُطُر المساجد، فلا سلطةً لقويٍّ على ضعيفٍ فيها، إذ تذوب فيه كلُّ الفروقات الدُّنيويَّة، ولا اعتبار لها في المسجد. وفي المسجد يتم نشر شتّى العلوم والمعارف بين الأفراد، وغرس الإيمان في قلوبهم، إذ أنَّ المساجد تُعدُّ مَنهلاً يستقي منه كلُّ متعطِّشٍ للعلم، من زمن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم- والتابعين ومن تبعهم بإحسان، ولولا حلقات العلم التي كانت تُقام في المساجد، لما وصلتنا الكثير من أمور الشَّريعة.

عباد الله، إنه لا تحرير للمسجد الأقصى إلا بعد تحرير المسجد الأدنى الذي يوجد بمكان سكنانا، والذي يجب أن تكون قلوبنا متعلقة به، والذي ينبغي أن نسعى جميعا بجهود متضافرة لنرجع للمسجد دوره الأساسي، ورسالته الخالدة، حتى يسري روح المسجد وإشعاعه في كل مجالات حياتنا،فالرسالة الإلهية للبشرية جمعاء هي القرآن، وعاصمتها المسجد، يقول الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه تنوير المؤمنات:” إن لا يأت إلى المسجد تلامذة المدرسة، وطلبة الجامعة، يأت إليهم المسجد. في المدرسة والمعهد والكلية، مسجد وقرآن”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.