منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تكفير البخاري (2) / مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة

تكفير البخاري (2) | مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة / الدكتور محمد أبو موسى

0

تكفير البخاري (2) / مخالفة المعلوم من العقل بالضرورة

فضيلة الأستاذ الدكتور محمد أبو موسى

 

هناك أشياء أريد أن أوجزَ الكلام فيها، ولم أتكلم إلا في الذي سمعتْه أذني ورأتْ عيني قائلَه وهو يقول بعَزْمٍ وحَزْمٍ وإصرار، وأُذكِّر بأنني أناقش الأفكار وأرفض أن أقول كلمةً تتصل بالقائل؛ لأن شاغلي هو القول، وقلتُ إن الذي سمعتُ منه ما أرفضه أسمع منه أحيانًا ما أقبله، بل وأرضاه وأَذْكُره به، وذلك حين يتكلم عن حقوق الشعب ويطالب السياسة بأن يكون عطاؤها لهذا الشعب عطاء وفرًا غَدَقًا؛ لأن هذه هي مهمتها الأولى.

سمعته وهو يُنكر بغضب إنكار الناس الهجومَ على الإمام البخاري، ولم يَشْغَلْني ذلك، وإنما الذي شغلني هو أنه قال: «مِنَ العلماء مَنْ كفَّر البخاري»، وأنا لم أقرأ ولم أسمع من غيره أن أحدًا كفَّر البخاري، وإنما الذي أعلمه أن صحيح البخاري أصحُّ كتاب عندنا بعد كلام الله، وأن العلماء قالوا: «كلُّ ما في الصحيح صحيح، وليس في الصحيح كلُّ الصحيح»، يعني: كلُّ ما في «البخاري» من كلام سيدنا وسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ومن كلام سيدنا وسيد الخلق ما ليس في «البخاري»، ولذلك تتابعت كُتب الصحاح، ولم أعرف أحدًا أنكر مناقشة البخاري؛ لأن مناقشة الرأي لا تعني انتقاصًا لصاحبه إلا عند المتخلفين، وكان أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يناقشونه في الذي لم يَنْزِل به الوحي، ويعرضون غيرَ ما يقوله – عليه السلام – ما دام الأمر أمرَ شورى واجتهاد، ويقولون له: «ما دام ليس الذي تقول أمرًا أمرنا الله به فإننا نرى خلاف ما ترى»، ويرجع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن رأيه إلى الذي يرونه، والذين كانوا يخالفون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الرأي مؤمنون بأنه – عليه السلام – خير ما خلق الله وما برأ، وكان منهم عمر بن الخطاب، وكُتبُ السنة فيها الكثير من ذلك؛ فليس عند أحد غضاضةٌ من أن يناقَش كلامُ البخاري وغيره، ويُقْبلَ صوابُه ويُتركَ غيرُه، وهذا هو طريق أهل العلم، أما الهجوم على صاحب الرأي والحطُّ من قَدْره أو القولُ بكُفْره فذلك ليس مما يصدر عن أهل العلم.

وأضيفُ إلى هذه المقالة إنكارَ تأسيس النبي – صلى الله عليه وسلم – الدولةَ الإسلاميةَ في المدينة، وممَّا سمعتْه أذني ورأتْ عيني حالَ قائله وهو يقوله الإنكارُ الشديد للقول بأن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعدَّ الدولة الإسلامية في المدينة.

وهذا ليس إجماع الأمة وليس إجماع المؤرخين، وإنما هو قبل ذلك كلِّه وبعده الواقعُ الذي عاشه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والمسلمون معه؛ فقد كان – عليه السلام – هو الحاكم لهذه الجماعة في المدينة، وهو رسول الله المُبلِّغ دينَه، وكان يقضي بينهم بما أنزله الله عليه في كتابه، وبما أوحاه الله إليه في سُنَّته، وإنه – عليه السلام – بعث البعوث والسرايا والكتائب، وجهَّز الجيوش وقاد بعضها، وهو الذي طرق أبواب الشام وصادَم الروم، ولم يكن كلُّ ذلك إلا لشيء واحد، وهو بلاغ دين الله للناس كافة، وكذلك فعل الخلفاء من بعده، ولم يكن عتاد الحرب معهم إلا لمواجهة الطواغيت الذين كانوا يَصُدُّون الناس عن الدخول في دين الله، وفَتْح الأفق لمن اختار الإسلام بكَفِّ طغيان هؤلاء الطواغيت عنه، وإذا لم تكن هذه دولةً فأي شيء تكون؟ ثم إن أبا بكر الذي وَلِيَ أمر المسلمين من بعده – عليه السلام – قال في أول كلمة خاطب بها الأمة: «إنما أنا مُتَّبِع ولستُ بمبتدع»، يعني أنني أَسُوسُكم على منهج الله ورسوله، ولستُ مبتدعًا لشيء يخالف أمر الله ورسوله، ثم جاء بعده عمر وعثمان وعليٌّ وبنو أمية وبنو العباس.. كل هؤلاء يحكمون هذه البلاد المفتوحة بدين الله ولدين الله، ثم إن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو في المدينة كاتَبَ قبائل العرب وكاتَبَ كسرى وكاتَبَ هرقل وكاتَبَ المقوقس؛ فهل كان كل ذلك في غيبة الدولة؟

وظني أن هذا مرتبط عند من يقوله بأن الدين لا سياسة فيه، وأن القول بوجود دولة إسلامية إقرارٌ بأن الإسلام فيه دولة وفيه سياسة، فالأحوط عند من يعتقد أن الإسلام لا سياسة فيه أن ينكر الدولة الإسلامية ولو كانت واقعًا قامت به الدنيا وقعدت، وأقرَّه المؤمن والكافر، ومثل هذا كان ينبغي ألا يناقَش، وإنما هو باطلٌ يموت في حياة الذين يقولونه؛ لأنه أقلُّ من الزَّبد الذي يذهب جُفاءً، وإنما ناقشتُه دفاعًا عن عقول الجيل الجديد الذي حرمته مناهج التعليم من أيِّ قَدْر من العلم بدينه فتخطفته الشياطين وأقنعته بأنه حين يقتلنا يدخل الجنة ففجَّر نفسه فينا لندخل نحن النار ويدخل هو الجنة، ويبدو أن هذا أهونُ عليهم من أن يقال إن في الدين سياسة.

ومن تمام القول في هذه المقالة أنْ أُذكِّر بأن الدين كلَّه لله، وأن الذي يقول: «في الدين سياسة» إذا لم يكن متأكدًا من ذلك فهو يُدْخِل في الدين ما ليس فيه، وهذا إثمٌ كبير، والذي يقول: «ليس في الدين سياسة» إذا لم يكن متأكدًا من ذلك فهو يُخْرِج من الدين ما هو فيه، وهما ذنبان يتعادلان؛ فلا يجوز القول في الدين إلا بعد العلم والدرس والمراجعة، هذا أولاً.

وثانيًا: لم أقرأ في كتاب ولم أسمع من قائل يُستمَع إليه أنه ليس في الدين سياسة إلا بعدما عقد النظام المصري صلحًا منفردًا مع الصهاينة، والذي أعلمه أنه ليس هناك فقيهٌ واحدٌ يُجيز الصلح المنفرد مع أشد الناس عداوةً لنا وهو يحتل شبرًا واحدًا من أرض المسلمين، وكانت السياسة المصرية حريصة على تخليص أرضنا من الصهاينة؛ لأن الصهاينة حين كانوا يمشون على تراب سيناء كانوا كأنهم يمشون على كَبِد كل مصري، رجلاً كان أو امرأة، صغيرًا كان أو كبيرًا، وكان لا يمكن بقاء سيناء تحت أقدام الصهاينة ولو دُفنَّا جميعًا في ترابها.

وكل هذا دَعْهُ جانبًا وقل لي: لماذا نُصرُّ على أن في الإسلام سياسة؟

وجوابي هو أن الله – سبحانه وتعالى – قال لنا وكرَّر أنه – سبحانه – أنزل كتابه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وكلُّ شيء ضارٍّ في حياة الجماعة داخلٌ في كلمة «الظلمات»؛ فالظلم ظلمات، والفقر ظلمات، والجهل ظلمات.. إلى آخر رذائل التخلف، وكلمة «النور» يَدْخُل فيها كلُّ خير في حياة الجماعة؛ كالعلم والعدل والثروة والقوة التي تحمي أرضها وعرضها.. إلى آخره. وعمل السياسة الأول والأخير هو إخراج الشعب من الظلمات إلى النور، وهذه واحدة.

والثانية أنه – سبحانه – قال لنا في كتابه إنه ما فرَّط في الكتاب من شيء، حتى إن الله – سبحانه وتعالى – أنزل آية تنظم مجالسنا وقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ»؛ فهل يُعقل أن يُعلِّمنا مثلَ هذا ويُهْمِلَ أمر السياسة التي هي أهم وأوسع وأَدْخَلُ في حياة الجماعة من إفساح المجالس؟

ثم نقترب أكثر من القضية ونقول إن القرآن أمرٌ ونهيٌ، ولا يجوز لأحد أن يتجاوز أمرَه ونهيَه، وإن الحكم لله، وإن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وهذا ليس على شاطئ السياسة وإنما هو داخلٌ في القلب منها.

ثم إن هناك شيئًا هو صريح السياسة في القرآن الكريم، وهو الشورى؛ فقد أنزل ربنا في القرآن سورة اسمها سورة «الشورى»، والشورى هي رأس السياسة وبصرُها وبصيرتها، وأَمَرَ سيد الخلق بأن يشاور قومه وقال له صراحة: «وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، وهو – سبحانه – يعلم أنه ما خَلَقَ أكرمَ منه، ولو كان سدادُ عقل الحاكم يُسْتَغْنى به عن الشورى لكان سيدنا رسول الله أولى بذلك، ثم إنه – سبحانه – أنزل هذه السورة في كُلِّ كتبه، وأوحي بها لكل أنبيائه، وقال للكل: «وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ»، ودلَّنا على ذلك بقوله في مفتتح السورة: «كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ»؛ فكان هذا صريحًا في أن هذه السورة نزلت في كُلِّ كُتب الله، مثل سورة «سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى» التي ختمها ربُّنا بقوله: «إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى»، ثم إن الله – جلَّ وتقدَّس – أنزل في القرآن سورة اسمها سورة «القتال»، و«القتال» -يعني الحرب – هو أعلى قرار سياسي، ولا يكون إلا من رأس الدولة بعد المشورة لقياداته العسكرية.

وهذا هو الذي عندي في تأكيد معنى أن في الإسلام سياسة، بل إنني أرى أن كلَّه سياسة؛ لأن كلَّه لِخَيْر الناس، ولا عمل للسياسة أفضل من العمل لخير الناس، حتى إنني أرى قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: «السَّاعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله» من السياسة؛ لأنها رعاية لأصحاب الحاجات، ثم إن منازل الشهداء عند الله من السياسة؛ لأنهم دافعوا عن الأرض، ثم إن المرابط على حدودنا كما جاء في خبر رسول الله– صلى الله عليه وسلم – لا يزال يُكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة، ولو رابَطَ يومًا واحدًا، وكل هذا سياسة.

والذين يقولون: «ليس في الإسلام سياسة» كان الواجب عليهم أن يدرسوا الكتاب كلَّه، والسُّنَّة كلَّها، والفقه كلَّه، والسياسة الشرعية كلَّها، وما يجب على الراعي وما يَحْرُم عليه، ثم يعرضون لنا نتائج دراستهم، وإنما رأيتهم لا يفعلون ذلك، وإنما يقولون شيئًا واحدًا، وهو أن الذين يقولون: «في الإسلام سياسة» إرهابيون، يعني تخويف أصحاب الرأي الآخر وتهديدهم، وليس هذا نقاشًا علميًّا ولا كلامًا يُلتفت إليه، ولستَ من الصواب في شيء إذا كان كل الذي عندك هو تهديد من يقول خلاف الذي تقول، والحق لم يثبت بهذا وإنما يثبت بالإقناع والبرهان والسلطان، الذي هو الحجة، وليس السلطان الذي هو السيف، ويجب أن نُبْعِدَ أي عامل عن القول بأن في القرآن كذا أو ليس فيه كذا، فإذا كنا مضطرين إلى اتفاق منفرد مع أشدِّ الناس عداوة للذين آمنوا، وحاولنا أن نجمع شركاءنا معنا ورفضوا واتهمونا بالخيانة وتركوا أرضهم تحت أقدام العدو، فالواجب أن نكتفي بالقول بأننا لم نقبل بقاء ترابنا تحت قدم العدو الألد، وعقدنا معه اتفاقًا منفردًا وينتهي الموقف بهذا من غير أن نقول: «لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة» كما كان منا، وإذا كان فينا من يطلب الدنيا بالدين فيجب أن نتعامل معه من غير أن نقول: «لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة»، وتلاحظ أنني لم أتكلم في القول بأنه «لا دين في السياسة»؛ لأن السياسي الذي يقول هذا هو مسئول عن نفسه، ويرى أن سياسته لا تحكمها ضوابط الدين، وأنه لا يحاسَب على ظلم أو قهر أو استحلال أموال.. إلى آخره، وهو يعيش في سياسته بعيدًا عن الدين كالذي يعيش في تجارته غير ملتزم بدين، وهذا شأنه وهو الذي اختار، وهو الذي يُحاسَب على سياسته وسلوكه، أما الذي يقول: «لا سياسة في الدين» فهو يَحْكم في الدين وأنه لا سياسة فيه، وهذا يخصُّ كل أهل الدين، وهذا حسبي في هذا الأمر.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.