منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

اليتيمة الشّاردة

اليتيمة الشّاردة / د.عبد القادر الدحمني

0

اليتيمة الشّاردة

د.عبد القادر الدحمني

صليت اليوم صلاة الجمعة في أحد المساجد، فأمتعنا الخطيب مشكورا بلغة سلسة وفصاحة مُنبّرة تطرب الأذن والقلب معا، فحدثنا عن الصدقة وفضائلها وبسط أنواعها ومراتبها، وعرَّج على بواعثها الإيمانية، وعوائدها الإحسانية فأجاد وأفاد جزاه الله خيرا..
لكن..

هل كان رواد المسجد كلُّهم من أهل الوُجد واليسار (من اليُسر)، ومن أهل البَسْط والغنى؟!
أبدا، فما يقارب نصف المُصلّين (في تقديري الخاص) من أهل الكفاف والعفاف، ومن أهل الستر المتعفف الذين لا يسألون الناس إلحافا، ومن ذوي الحاجات الضرورية المؤجلة، أو الضّنك المصاحب والعُسر المقيم.

طبعا لا بد أن يخاطَبَ الجميع بضرورة البذل والصدقة، لأن ذلك يرتبط بالإيمان واليقين، “ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون”، وكما يقول المثل الدارج “اللي ما اعطى من القليل ما يعطي من الكثير”..

المزيد من المشاركات
1 من 23

لكن، أن تتم مخاطبة الناس بضرورة التصدق والإنفاق في غياب كلي للحديث عن باقي أوجه كفاية احتياجاتهم، بل حقوقهم، مسألة تحمل تقصيرا واضحا، وأن نتحدث عن ضرورة الإنفاق والصدقة وواجب التحفيز عليهما، بشكل معزول، وكأن نظام العدل قائم تامّ في هذا البلد، أمر فيه إجحاف وغمط للحقيقة وللواقع..

ولا بأس بالتذكير أن الصدقة تدخل في باب التكافل الاجتماعي الذي يسدُّ به النظام الاقتصادي في الإسلام ما يبقى مفتوحا من أبواب العُسر الاجتماعي الذي لا يتمكن من إغلاقه وكفايته “نظام الحقوق”، الآمر بالعدل في قسمة الأرزاق بالقسط، وتوزيع الثروة بالعدل، وفرض الزكاة الواجبة لقسمة “الوفرة” بين الأغنياء والفقراء، وغيرها من أنظمة الحق الأصيل للناس، لا التفضّل الإحساني عليهم، ودفعهم لانتظار أريحية الأغنياء ومشاعر العطف لذى المنفقين المتصدقين.

دعنا إذا من ضرورة أن يفهم الناس أنّ حقوقَهم يجب أن ترعاها الدولة الحاكمة وتسعى جهدها لتوفير كل ما يحتاجونه في معيشهم، لا تُناطَ المسألة بسخاء المؤمنين الذين تخاطبهم وزارة الأوقاف أن يتصدقوا ليسدّوا الترعة الاجتماعية المهولة التي خلفتها سياسات الحكام.

كان الله في عون من يسعى جهده من الخطباء أن تَسْلَمَ “جَرَّتُهُ” من حجارة الرقابة أو منجنيق “العزل”، فيمشي بحذر شديد محترس أن ينزلق عن الخط التحريري المرسوم كما يمشي لاعب السيرك فوق الحبل الدقيق..

إن خطبة الجمعة حين تعزل نفسها في مواضيع مغلقة، مهما كانت براعة إنشائها وقيمتها الإيمانية، تُسْهِمُ في تزكية فهم تجزيئي مغلوط للدين، وتعطي صكّ البراءة القبلية للحكام، وتسهم في مضاعفة الزّيف، ومنسوب القلق، بتركها الأسئلة مفتوحة في أذهان الناس:

فقبل أن نحفِّزَ على الإنفاق ونحن نستدرّ عطفَ المنفقين، علينا أن نسمع، ولو هسيسا خافتا، عم؟ن تسبّب في تصاعد نسبة الفقراء، وامتلاء الشوارع والمقاهي والمطاعم وأبواب المساجد، بالمتسوّلين، والشحّاذين، وعارضي العاهات، ومدّعي الخروج الفوري من السجون، وأشباه أبناء السبيل، وغيرهم كثير؟؟؟

وقبل أن نحدِّثَ أهل “الوفرة” عن فضائل الإنفاق، يجب أن نحدِّثَ الفقراء عن فضل العمل وشرف الحرفة، ونحدثهم عن حقهم في العمل، وحقهم في معيشهم الذي فشلت الدولة في توفيره، وهي “الحريصة جدا” عليهم في خطاباتها وإعلامها وأبواقها..

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

وفي ظل التبرئة المسبقة للدولة عن الفقر والفقراء، يشعر المواطن بأنه هو المسؤول عن كل هذا العدد الهائل من المحتاجين، ويحس بأنه إذا أكل وجبة في مطعم كأنما سرق حقهم، وإذا سافر بعد سنة من التعب، لقضاء أيام معدودات من العطلة، بعد تخمينٍ مُضْنٍ وضرب لأخماس في أسداس، كأنه خائن للوطن..

معذرة سيدي الخطيب، ومعذرة يا وزارة الأوقاف، من سرق أرزاق فقرائنا؟ ومن أنتج طوابير الجياع والمحتاجين؟ ومن عطّل العديد من جمعيات التكافل وجمَّد أنشطتها، وهي التي كانت تستر الكثير من عورات الفشل الاقتصادي الرسمي؟
ومن يرسّخ ثقافة التسوّل ويشجع الكثير من المؤمنين على جمع التبرعات “بالجيليات” لبناء مساجد تشرف عليها أغنى الوزارات؟ من يُذِلُّ بيوتَ الله بهذه السُّبُل الفجّة المُبتذلة وأوقاف المسلمين في هذا البلد تكفي لبناء ما كل ما نحتاجه من مساجد ومدارس ومستشفيات وغيرها…؟

إن خطبة الجمعة بهذا الشكل، مهما كانت فصاحة الخطيب وأناقته، تصبح يتيمة شاردة، لأنها لا تمدُّ جذورا في الواقع لتفهمه وتعبر عنه، ولا تستطيع أن تقود تيهاً نحو الرشاد، لأنها فاقدة البوصلة وصامتة عن الفساد، ولا يمكنها تقديم العلاج لأنها بدورها معتلّة.
والسلام.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.