منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حي الدرابلة (قصة قصيرة)

محمد الحبيب العسالي

5

 

لا أحد يراهن على أن فارق السن بينهما يمنعهما من استلغاء الكلام بتلذذ قرب مطرح للنفايات داخل حي الدرابلة..شيخ وشاب يتبادلان أطراف الحديث بصوت جهوري، و كأني بهما على ركح أبي الفنون، يؤديان فقرة مسرحية تدريبية لعرضها على الجمهور بعد حين، جنب عمود كهربائي إسمنتي تمر عبره كابلات كهرباء الضغط العالي، وقد ظهرت أسفله تحت الإسمنت المقتلعة أسلاك حديدية تآكلت بفعل الصدأ توحي أنه آيل للسقوط،الأول يجلس القرفصاء مسندا ركبتيه إلى صدره النحيف مطوقا إياهما بذراعيه، بينما يقبض بسبابته وإبهام يمناه على(شقف) غليونه، وبين خنصرها وبنصرها لُفَّتْ قطعة بلاستيكية شفافة على شكل بيضاوي،ملؤها القنب الهندي والتبغ (الكتامي) الأسود، المجزأين إلى قطع دقيقة على الطريقة التقليدية المغربية. واضعا أمامه كأس شاي تكاد تكون فارغة إلا من بقايا حبوب الشاي الأسود مبتلة بسائله داكن اللون، كلما شرب غليونا يرتشف منها قبل أن يباغثه السعال والضراط في نفس الحين كما عادته، من شدة لسعات التبغ لقصبته الهوائية.و الثاني قبالته يقف على الرجل اليمني في حين كان يضع أخمص يسراه على سُمْك إحدى درجات عمود الكهرباء وهو يساؤل في حزم صديقه الشيخ: (علاش حنا ما كتصبش عندنا الشتاء بزاف ف بلادنا أخالي عبقادر؟)
و برباطة جأش يقطب الشيخ جبينه حتى تتراءى كومة من جلده المترهل تعلو عيناه المحمرتين المطلتين من بين أهداب تكاد تكون منعدمة، داخل محجرين كأنهما لجمجمة ميت منذ زمان.. وعلى حين غرة يقهقه الشيخ رافعا بصره نحو السماء فاغرا فاه الأدرد وهو يردد والرذاذ يتناثر متطايرا في الهواء: (واللي يخلي خيمة امك واللي يرزقنا الجفاف.. اللي يرزقنا الجفاف)
نظر إليه الشاب في استغراب وحنق يحولق ويستعيذ وكأنه يهم برفسه برجله اليسرى قائلا: (وعلاش أخالي عبقادر؟)
عاد الشيخ برأسه إلى الأسفل نحو الغليون وضغط على زر الولاعة بإبهام يسراه أكثر من مرة حتى انطلق لهيب نارها صوب (شقف) الطين ثم امتص كمية من الدخان سُمِع لها خرير بسبب سيلان لعابه المتدفق داخل الغليون.. وكأنها نرجيلة.. حبسه لبضع ثوان داخل فمه قبل دفعه بزفير من خيشومه إلى الخارج.. ثم استدرك يقول
– (ما فراسكش واد كشكاط كيدوز من هنا؟)
– (ما فراسكش البناء كلو راشي مغشوش والناس بانية بالرشوة ولا فوقت الانتخابات؟)
– (ما فراسكش المسؤولين اللي كيبيعوا النخالة والشمندر والدقيق هوما اللي كيطلبوا الجفاف ؤ هوما اللي مسيرين البلاد؟)
– (ما فراسكش باللي الواد الحار كلو مخنوق)
– (وايلا جات الشتا كثيرة أوليدي ألاعور غادي يجي واد كشكاط وغادي يجرنا كاملين لمقبرة لالة حاجة ويكبنا ف سبخة زيما الإيكولوجية مع الواد الحار)
و ما أن أتم خالي عبقادر كلامه بعصبية حتى انتباته نوبة مشتركة بين سعال وضراط.. بينما غادر اﻷعور المكان

5 تعليقات
  1. أحمد الملوك يقول

    كشف الشيخ المسكوت عنه وعرى واقع الحال المغرب الغير النافع يحكمه الإهمال والضياع والذئاب الضارية تنهش أجساد الضعفاء الجياع مشهد اعتدناه وألفناه واستسلمنا لفصوله المتلاحقة فمتى نستيقظ من سباتنا كي نغير مجرى الأحداث ؟
    بوركت وأدام الله عزك أخي الموقر

    1. محم الحبيب العسالي يقول

      تلك المتى طال انتظارها سي أحمد و لا يد من انبلاج فجرها و لو بعد حين .. بوركت أيها البهي.

  2. عبدالإله يقول

    عزف جميل مولاي الحبيب

    1. محمد الحبيب العسالي يقول

      و ذائقتك الرنانة قمينة بالإمتاع سي عبد الإله

  3. عبد الكريم سلام يقول

    سرد جميل يقدم صورة عن واقع معيش مليء بالتناقض و التنافر، بدءا بالشخصيات: شخصية الشيخ العجوز، الذي يعي بواطن الوضع، وكل ما يكتنفه من فساد …، و الشاب الغر الذي لا يعرف شيئا عن ما يدور حوله، فالأول واع بالواقع وعيا مأساويا، لذلك ينفث غضبه وحنقه مع دخان غليونه( السبسي)، أما الثاني فهو نتيجة الوضع القائم بكل سوداويته، ابن مرحلة فاسدة على كل الأصعدة، سواء السياسي، الاقتصادي، والاجتماعي.
    و بين حكمة العجوز التي تعوزها القدرة على الفعل، وبين عجز الشاب الذي استهجنته المرحلة لانه نشأ في حضنها، يغرق الإنسان اكثر في مستنقع الفساد و الإفساد.
    تحياتي للقاص و الزجال المقتدر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.