منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفضيل بن عياض.. مجاور الحرم

مصطفى صبري

0

قراءة سير وتراجم الصالحين من أمتنا بما فيهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ومن الصالحين ممن تلوهم له فوائد جمة، ونتائج عظيمة نذكر منها:

  • أولا: الهمة العالية فقصص الصالحين تزرع في النفس الحمية وترفع درجة الإيمان وتولد الرغبة بالاقتداء بهم.
  • ثانيا: صلاح القلب فمن المعروف أن قصصهم وتراجم حياتهم فيها من رقائق الإيمان ما فيها ما يرقق القلوب ويصلح حالها ويأخذ بها إلى الله.
  • ثالثا: معرفة الإنسان قدر نفسه ولو أنه لم يكن من فائدة لقراءة سير الصالحين إلا هذه لكفت، لما نراه في أيامنا من التفيقه والتألي والكبر الذي استولى عليه قلوب الكثير من الخلق، فتكون هذه القصص والتراجم الميزان الحقيقي الذي يزن به الإنسان نفسه فيعلم حقيقتها وقيمتها إلى جانب أولئك العظماء

قال أحد العلماء: “إذا ذكر السلف افتضحنا” وفي صفة الصفوة قال حمدون القصار رحمه الله: “من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال”.

  • رابعا: تقع في النفوس محبة أولئك العظماء وهم أهل لهذه المحبة الموجبة للدعاء لهم.
  • خامسا: يحصل بها المرء على خلاصة التجارب وعصارة الأفكار ويطلع على أحوال العصور وتقلبات الزمان.
  • سادسا: ما نراه في زماننا من صناعة لنماذج قيادية زائفة، همها تشتيت وتشويش عقول الناشئة. ليدفع أقلام الغيورين والدعاة، لإحقاق الحق وإزهاق الباطل، والتعريف بمشاهير الأمة الحقيقين قصد التعرف إليهم والسير على نهجهم.

حديثي في هذا الموضوع، عن أحد أعلام هذه الأمة: تعريفا وتذكيرا وتنويها واعتبارا وتحقيقا “والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا إنك رؤوف رحيم “ الآية 10 سورة الحشر. ذاك هو الشيخ العلامة الزاهد: الفضيل بن عياض، وسنتناولها من خلال نقط مختصرة.

المزيد من المشاركات
1 من 53

قصة توبته:

قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/423):

قال أبو عمار الحسين بن حُريث، عن الفضل بن موسى قال: كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبِيوَرْد وسَرخس، وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليا يتلو ” أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ…” [الحديد: 16] فلما سمعها، قال: بلى يارب، قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خَرِبة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا.

قال ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين هاهنا، يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مُجاورة البيت الحرام.

قال الإمام الذهبي تعليقا على القصة:

وبكل حال: فالشرك أعظم من قطع الطريق، وقد تاب من الشرك خلق صاروا أفضل الأمة. فنواصي العباد بيد الله، وهو يضل من يشاء، ويهدي إليه من أناب.

سيرة الفضيل بن عياض:

مقالات أخرى للكاتب

هو الفضيل بن عياض ابن مسعود بن بشر الإمام القدوة الثبت أبو علي التميمي اليربوعي الخراساني، المجاور بحرم الله، ولد بسمرقند107ه، وارتحل في طلب العلم، فكتب بالكوفة عن كبار أهل العلم فيها. توفي الفضيل بن عياض عام 187 هـ، وقد أثنى عليه الكثير من العلماء والشيوخ الذين عرفوه، حيث كانت له مكانة عظيمة بينهم فقال عنه الإمام الذهبي شيخ الإسلام وقالوا عنه شيخ كوفي ثقة متعبد ومنهم من قال عنه صدوق وقال عنه هارون الرشيد ما رأيت أورع من الفضيل بن عياض. وقد اشتهر بحسن سلوكه وأخلاقه كما اشتهر بأقواله وحكمه التي سار عليها الكثير من الناس في حياتهم.

من أشهر أقواله:

اقتبست هذه الأقوال بتصرف من كتاب: صوفي من الرعيل الأول الفضيل بن عياض. لصاحبه عبد الحليم محمود. وهو كتاب جميل يقع في 215صفحة:

عن أبي الفضل القزاز قال سمعت الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون، وإني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي.

وقال فيض بن إسحاق: سمعت الفضيل بن عياض وسأله عبد الله بن مالك: يا أبا علي! ما الخلاص مما نحن فيه؟ قال: أخبرني من أطاع الله هل تضره معصية أحد؟ قال: لا، قال: فمن يعصي الله هل تنفعه طاعة أحد؟ قال: لا، قال: هو الخلاص إن أردت الخلاص.

وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل يقول: أكذب الناس العائد في ذنبه -يعني: الإنسان يذنب ويتوب ويعود مرة ثانية.. وهكذا- وأجهل الناس المدل بحسناته، وأعلم الناس بالله أخوفهم منه، لن يكمل عبد حتى يؤثر دينه على شهوته، ولن يهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه.

وقال إبراهيم بن الأشعث: سمعت الفضيل يقول: من أحب أن يذكر لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر.

يعني: من سعى للشهرة والمدح وذكر الناس لم يذكر، ومن كره أن يذكر ذكر.

وقال الذهبي: وقيل له: ما الزهد؟ قال: القنوع، قيل: ما الورع؟ قال: اجتناب المحارم، قيل: ما العبادة؟ قال: أداء الفرائض، قيل: ما التواضع؟ قال: أن تخضع للحق، وقال: أشد الورع في اللسان.

وقال الفضيل: يا مسكين! أنت مسيء وترى أنك محسن، وأنت جاهل وترى أنك عالم، وتبخل وترى أنك كريم، وأحمق وترى أنك عاقل، أجلك قصير وأملك طويل.

وعن عبد الصمد قال: سمعت الفضيل يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً فقل: يا أخي! اعف عنه؛ فإن العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو ولكن أنتصر كما أمر الله عز وجل، قل: فإن كنت تحسن تنتصر مثلاً بمثل وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإن من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام الليل على فراشه وصاحب الانتصار يقلب الأمور.

يعني: يفكر كيف ينتصر، فهذا مما يؤرقه، أما إذا عفا فيسلم صدره.

وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما يؤمنك أن تكون بارزت الله بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة وأنت تضحك؟ كيف ترى أن يكون حالك؟

وعن محمد بن طفيل قال: سمعت فضيل بن عياض يقول: حزن الدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا يذهب بحلاوة العبادة.

التوبة قلب دولة:

كلمات وردت على لسان الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله. تحمل من المعاني والإشارات ما يجعل التوبة تتجاوز لحظات ندم سرعان ما تخبو جذوتها، لتعود النفس لغيها وطغيانها… كلمات تجعل من التوبة مشروع أمة وبرنامج حياة…

حين يتحدث الأستاذ المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله عن التوبة لا يقصد مجرد الندم على ذنب والكف عن معصية. لكن التوبة العميقة التي تقلب كل الموازين، العقلية القلبية الأخلاقية السلوكية، وتوجه التائب وِجهةَ الآخرة، وتستنقذه من عبوديته لهواه وأهواء الناس، وتُخْلصهُ لله عز وجل خالقِه ورازقِه. التوبةُ بهذا المعنى قلب دولة كما يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمهُ الله. قلبُ دولة النفوس، لا مَسْعَى من دونها لقلب دولة الباطل في العالم.

“التوبة قلب دولة” أيها الأحباب! هي وضع الدنيا في سياق الآخرة، هي نظم الدنيا في سلك الآخرة، هي الذكر الدائم لله عز وجل والمصير إليه، ثم العمل الجاد الدائب في الدنيا للآخرة. عقيم هو الإيمان بالمصير إن لم يحفز على العمل الصالح ( الأستاذ عبد السلام ياسين، كتاب العدل، الإسلاميون والحكم التائبون الحافظون، ص 170.) كانت التوبة في عصور الفتنة بعد الخلافة الراشدة الأولى عبارة عن التوبة من الذنب والمعصية، والتائب في مأمن وعافية، لا هم له إلا صراعهُ الداخلي ووخز ضميره ومعاملته مع الله، يُؤَرِّقُه هم الآخرة. في عهد النبوة والخلافة الراشدة كانت التوبة من الشرك والمعاصي هَمّاً مزدوجا، لأن الجهاد وواجبه وضروراته وحضور الموت واحتماله في كل خروج في سبيل الله تُكَوِّن ظروفا يلتحم فيها مصير الفرد بمصير الجماعة، ويتميز فيها المنافقون من الصادقين (الأستاذ عبد السلام ياسين، الإحسان، التوبة واليقظة، ج1، ص 119).

خاتمة:

هكذا كانت توبة الفضيل بن عياض، فانقلب من لص قاطع طريق يخشاه الناس، الى عالم زاهد رباني قدوة للناس. فرحمه الله رحمة واسعة ورضي عنه، ورزقنا توبة نصوح تقلب حالنا الى حال يرضي ربنا عنا، انه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.