منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

قراءة في كتاب:«الولادة الثانية: صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي»للدكتور عبد الله الطني “معجم الفارابي الفلسفي وخصوصية الدلالة”

د. عز الدين النملي

0

قراءة في كتاب:«الولادة الثانية: صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي»

للدكتور عبد الله الطني

معجم الفارابي الفلسفي وخصوصية الدلالة

د. عز الدين النملي

باحث بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين – مكناس -المغرب

 

 

المزيد من المشاركات
1 من 104

ثمة أسئلة قديمة جديدة ومتجددة، أثارت ولاتزال تثير اهتمام المفكرين، من علماء اللغة والتواصل والإبستيمولوجيا، عبر مختلف مظاهر الفكر الإنساني، أهمها سؤال تشكل اللغة ووظائفها المعرفية والتواصلية، والعلاقة بينهما وبين فاعلية الفكر والتفكير، والكينونة الإنسانية في جوهرها، وبكل أبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتفاعل التجارب المعرفية والعلمية بين اللغات والثقافات.

والكتاب الذي أقدمه للمتلقين، الموسوم بالولادة الثانية، صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي[1] للباحث عبد الله الطني، يضع بين أيدينا تجربة اللغة العربية في مجال بناء المفهوم والتواصل اللغوي، بين الحضارات والثقافات السابقة عليها، وبين نسق المعارف العربية الاسلامية في أوج ازدهارها، وفي مرحلة من مراحل تاريخنا المشرق.

ولا شك أن الولادة الرابعة للمفهوم الفلسفي في اعتقادي لدى الباحث عبد الله الطني، تأتي بعد ولادته الأولى مع كل من سقراط (470 ق. م/399 ق. م) وأفلاطون (427 ق. م/347 ق. م) وأرسطو (384 ق. م/322 ق. م) من فلاسفة الإغريق، وولادته الثانية مع أبي نصر الفارابي، والثالثة مع الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان صاحب كتاب المفهوم والتأثيل[2]، تكشف عن الموقع الرمزي لهذا المؤلف في تاريخ الفلسفة عامة والفكر الإسلامي في أبعاده الفلسفية واللغوية، وعن جدية صاحبه واجتهاده المنقطع النظير. ومفهوم الولادة هنا يؤشر على ميلاد المعرفة والعلم والمفهمة، في أنسجة لغوية مختلفة عبر تاريخ الفكر الإنساني.

ولعل هذه العوامل وغيرها دفعتني إلى التهام كتابه الموسوم بالولادة الثانية: صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي، بكل أبوابه وفصوله ومراصده ومباحثه، وأن أتزود من معارفه وثماره، شاكرا له مجهوده في قشع غيوم لبّدت سماء موضوع تضاربت حوله الآراء، واختلفت الاتجاهات إزاءه بين المُتَجنّ والمنتصر، والمتخذ منزلة وسطى في إطار السجالات النقدية والفلسفية حول مسألة التقليد والتجديد والاتباع والابتداع في الفكر العربي الإسلامي، قديما وحديثا.

لقد اتجه الباحث إلى قراءة الفكر العربي الإسلامي، قراءة متأنية، وبالتحديد فلسفة الفارابي الذي وصفت منزلته في تاريخ الفلسفة بأنها المنزلة الثانية بعد منزلة المعلم الأول[3].

بالوقوف عند المعجم الفلسفي في شموليته وتكامله، متغياه أن المقاربة المفاهيمية لأي خطاب فلسفي تعتبر المدخل الحقيقي لفهم مقاصده ودلالاته، باحثا في المحددات العامة لتاريخ الفلسفة وولادته الفلسفية ضمن محيطه الثقافي واللغوي، على أساس أن المعجم الفلسفي ليس عملا محايدا مستقلا، منكفئا على نفسه، وإنما حصيلة سياق منفتح على مرجعياته وأطره الموجهة له والفاعلة فيه. ومن ثم فهو يرتشف ويبني أنساقه ونظامه المعرفي والدلالي من ينابيع مختلفة ومتباينة من حيث النوعية والانتماء الزماني والمكاني. وقد اتصل الفارابي بهذه الروافد، فالتحم بها وتفاعل معها واستضافها، فرنّ صداها في خطابه، وأكسبها لونا خاصا وطابعا مميزا فكانت ولادته الفلسفية ضمن محيطه السوسيو ثقافي الخاص، معبرة عن خصوصية توشَّحت بدلالة الخصوصية العربية الإسلامية.

كما اتسمت مقاربة الباحث لتجربة الفارابي هذه، بخصوص اللغة العربية وحمولتها الفكرية والدينية والثقافية بالحيطة والحذر، ويتجلى ذلك في قوله: «اتخذنا مسافة إجرائية بيننا وبينه لإنجاز قراءة موضوعية[4] للابتعاد عن التقديس والتمجيد، مما ساعده على إنتاج معرفة شاملة بنظامه اللغوي وأشكال تكونه، وانبنائه وعلاقته بالخطاب الفلسفي، وتفاعله مع نصوص أخرى سابقة عليه في مرحلة التشكل المفاهيمي: علم الكلام واللغة والنحو والمعجم والموسيقي والتاريخ والمنطق وأصول الدين، مما جعله يعرف اتساعا، وتعددا في المدارك، وتنوعا في التداخل والوظائف، لذلك تأسست نظرية الفارابي في المصطلح الفلسفي بشكل عام على ثلاثة ثنائيات وهي ثنائية : الفلسفة/اللغة، الفلسفة/المعرفة، المعرفة الملة[5].

ومن الخلاصات الأساسية التي يمكن تسجيلها من خلال قراءتنا لهذا الكتاب، ما يلي:

  1. انسياق اللغة  للمؤلف  انسياقا  عجيبا،  طاوعته  على  حسن  التبليغ  وجميل  الأداء،  مع  ما  تحمله  دلالاتها  ومضامينها  من  معان  مستغلقة  عصية،  فجاءت  عباراته  مسترسلة  في  أسلوب  هادئ  قوي  صارم.
  2. تميز الكتاب  بالدقة  في  التناول  والضبط  في  استعمال  المصطلحات  والتمحيص  في  علاج  القضايا  العامة  وفق  معايير  مضبوطة  ومقاييس  مشروطة  متكئا  على  التفريع  كظاهرة  مساعدة  على  الإقناع،  وعلى  تحقيق  النتيجة،  منتقلا  من  النظرية  إلى  التطبيق،  ومن  الصورة  العامة  الكلية  إلى  ملامسة  جزئياتها.
  3. أن المؤلف  نحا  منحى  مميزا  في  كتابته،  وخط  لنفسه  طريقا  جديدا  في  ربط  الفلسفة  باللغة  والمنطق  والأخلاق  …  بناء  على  رؤية  تكاملية  واضحة  في  القراءة  والملاحظة  وإبداء  الرأي.
  4. وجود علاقة  جدلية  بين  دينامية  اللغة  ودينامية  الفكر،  أي  بين  علاقة  قدرة  اللغة  على  توليد  وتنظيم  المنتجات  المعرفية  للفكر  بواسطة  المفهمة،  وقدرة  الفكر  على  إعادة  تشكيل  اللغة  والمفهوم
  5. كون الفارابي  قد  لعب  دورا  بارزا  في  تقعيد  وتوسيع  نطاق  هذه  النظرية  في  كتابه  الحروف[6]،  والكشف  عن  قدرة  اللغة  العربية  على  تنظيم  المعارف  الناشئة  في  الثقافة  العربية  الاسلامية،  اللغوية  منها  والدينية  والعلمية  والفلسفية
  6. الارتقاء باللغة  العربية  من  لغة  الشعر  والبيان  ولغة  العقيدة  والبرهان  الى  لغة  العلم  والفلسفة  والبرهان،  لاسيما  بعد  اتساع  رقعة  الامبراطورية  العربية  الاسلامية،  واستقطابها  لمختلف  الثقافات  والمعارف  الكونية  آنذاك،  وعلى  رأسها  الثقافة  الإغريقية  الحاملة  للفلسفة  والعلوم  وفي  مقدمتها،  وذلك  عبر  مؤسسة  الترجمة  التي  أنشأها  الخليفة  المأمون  وسماها  بيت  الحكمة.

من هذا المنطلق كشف الباحث مدى قدرة الفارابي على صناعة فلسفة ومفهوم جديدين انسجاما مع المقتضيات التداولية للغة العربية، ومن ثم سر توفيقه من جهة أولى بين تحصيل المعرفة الفلسفية والعلمية في بعدها الكوني، وتأصيلها وفق مقتضيات الخصوصية، ومن جهة ثانية بين معارف الحكمة الإنسانية ومعارف الشريعة الإلهية. وهو توفيق سيوسعه بعده الفيلسوف الفقيه ابن رشد في كتابه الشهير فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من أوجه الاتصال[7]، في إطار مشروع كانت تسعى فيه الطبقة المستنيرة من مفكري الاسلام الى رسم صلات بين الخصوصية والكونية، بين الأنا الثقافي والآخر، أي بين الإنسان المشروط بشرطه الحضاري والتاريخي والاجتماعي والثقافي، والإنسان من حيث هو إنسان.

وهي أطروحة سبق للباحث أن بسطها في كتاب مستقل يحمل عنوان من فلسفة اللغة الى لغة الفلسفة عند ابي نصر الفارابي[8].

إن البحث في سياسة المفهوم ليس مجرد تمرين لغوي أكاديمي بقدر ما هو، لدى الباحث يستضمر الدعوة إلى أهمية إرساء آلية استراتيجة من آليات التواصل الإنساني. فتدقيق المفهوم يعتبر مدخلا للتوافق والأمن اللغويين. ذلك أن التسيب والفوضى في الأفهام، يبدأ من التوظيف السائب للغة، وهو ما يسمى بالسفسطة

ولعل هذا ما كان يقصده الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي في قوله:

وكم من عائب قولا صحيحا

وآفاته من الفهم السقيم

ولكن تأخذ الأذهان منه

على قدر القرائح والعلوم[9]

وهذا ما يعني أن اللسان وعاء الكينونة الحي، أو نصفها بلغة شاعر الحكمة زهير بن ابي سلمى:

لسان الفتى نصف ونصف فــؤاده

فلم يبق إلا صورة اللحم والدم[10]

من هنا تبقى حاجتنا اليوم ملحة الى ضرورة إرساء توافق لغوي على المستوى السياسي والثقافي، فقد أفرغت لغتنا من وظيفتها التواصلية الطبيعية السليمة وانتقلت إلى ممارسة التعتيم الخطابي والايديولوجي، تحت مسميات لا وجود لها في لغتنا الأصلية ومنطقنا السليم.

عموما، إن كتاب الباحث عبد الله الطني، استفاد من معطيات المفاهيم المختلفة لقراءة التراث العربي الإسلامي بشتى حقوله وألوانه بروح العالم المتواضع، والدارس المتمكن، والمنطقي الصعب المراس، والفيلسوف المؤول واللغوي المتمكن من أفانين القول، والفقيه الملمّ بدقائق التفسير وأصول العقائد وأدلة الأحكام من خلال معجم الفلسفة الفارابية، نظرية وممارسة، هاته الإشكالية التي شغلت بال المتقدمين ولا تزال تطرح، وهي إشكالية هوية الممارسة الفلسفية العربية الإسلامية في حد ذاتها منهجا ومضمونا ومفهوما، إشكالية العلاقة الفلسفية بالكثير من النظم والقيم الثقافية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية في اتجاه توطين وتأصيل لمفاهيم فلسفية تكون في مستوى التحديات والمشاكل[11] وتعبِّر عن ضرورة تاريخية تعالج قضية الإنسان مع نفسه ومحيطه، والقدر والطبيعة، وتصوره للكون والحياة، وتنفتح على الذاتي والموضوعي، والخاص والعام، والثابت والمتحول، وما تختزنه من حمولات فكرية.


[1] الطني، عبد الله، الولادة الثانية: صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، الأردن، ط1، 2019.

[2] عبد الرحمان، طه، فقه اللغة القول الفلسفي، كتاب المفهوم والتأثيل، المركز الثقافي العربي، ط. 2، السنة 2005.

[3] الولادة الثانية، صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي، م س، ص 9.

[4] م ن، ص 29.

[5] الولادة الثانية، صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي، م س، ص 197ـ 198.

[6] الفارابي، أبو نصر، كتاب الحروف، تحقيق محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، 1970.

[7] ابن رشد، أبو الوليد، فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، سلسلة نصوص فلسفية، مطابع الرباط نت، العدد 1.

[8] الطني، عبد الله، الفلسفة واللغة من فلسفة اللغة إلى لغة الفلسفة لدى أبي نصر الفارابي، سلسلة مشكلات في ضوء الفلسفة الإسلامية، مطبعة سجلماسة، مكناس، ط1، 2011.

[9] شرح ديوان أبي الطيب المتنبي تحقيق عبد الرحمان البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، ج 4، ص 246.

[10] الزوزني، أبو عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين، شرح المعلقات، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ص 63.

[11] الولادة الثانية صناعة المفهوم في فلسفة الفارابي، م س، ص 362.364.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.