منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الفتح على الإمام شروطه وآدابه

الفتح على الإمام شروطه وآدابه / حسن القرشي

0

الفتح على الإمام شروطه وآدابه

 بقلم: حسن القرشي

 

أيام قلائل تفصلنا عن شهر الخيرات والبركات، شهرِ رمضان المعظم بتنزُّل القرآن فيه، وبعد عامين متتاليين من تعطيل إقامة التراويح بالمساجد، تعود بيوت الله عز وجل لتفتح أبوابها أمام المصلين المتبثلين، فلله الحمد والمنة.

ومن تمام الإحسان في الأعمال، مدارسة فقه كل موسم خير وآدابه وشروطه، غير أني سأقتصر في هذه السطور على مسألة الفتح على الإمام، خاصة في صلاة التراويح، إما من حفظ المأمومين، ونحن نستحضر الهبّة المباركة القرآنية لمختلف أفراد الأمة، شباباً وكهولاً، رجالاً ونساءً، أو عند متابعتهم قراءة إمامهم من المصاحف والهواتف المحمولة.

1.مدخل لغوي

يُقصد بالفتح على الإمام  تلقينه القراءة عند توقفه, أوتصحيح خطئه وتذكيره ما نسي أثناء القراءة ، ويسمى كذلك بإطعام الإمام ، فعن  أبي عبد الرحمن السلمي أراه عن علي رضي الله عنه قال : إذا استطعمكم الإمام فأطعموه” [1]،  فقد يعثر الجواد ويزل العالم ويلتبس على القارئ الضابط المجيد.

ولقد اختلف في  الفتح على الإمام إذا ارتج عليه، “فإن مالكا، والشافعي، وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه، ومنع ذلك الكوفيون، وسبب الخلاف في ذلك اختلاف الآثار”[2]، وأجازه المالكية لأنه لم ينه عنه بوجه يحتج بمثله وهو تلاوة قرآن في الصلاة”[3]، وقياسا على التسبيح للإمام وإذا جاز التسبيح جازت التلاوة لأنها ذكر”[4] .

ولنا في سلفنا أسوة، فقد فتح نافع على بن عمر رضي الله عنهما في صلاة المغرب[5]، أما رسول الله، فقد طلب الفتح ولم يفتح عليه، مخافة وقوع النسخ زمن التنزيل أو هيبة لمقام النبوة، فعن المسور بن يزيد المالكي  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يحيى وربما قال  شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فى الصلاة، فترك شيئا لم يقرأه، فقال له رجل يا رسول الله تركت آية كذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  « هلا ذكرتنيها »، قال سليمان في حديثه قال كنت أراها نسخت[6].

وعن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبى « أصليت معنا ». قال نعم. قال « فما منعك »[7].

2.مشروعية الفتح على الإمام

اختلفت أحكام الفتح على الإمام بحسب المقام، فهو:

واجب في الفاتحة من غير شرط، طلب ذلك الإمام  أو تردد،  وإن لم يقف، بأن قرأ من مكان آخر، وإن ترك الفاتحة وابتدأ بالسورة [8]، لأن قراءة الفاتحة واجبة وهي مطلوبة لذاتها، و هي مخصوصة بالذكر والتلاوة، فما يتم الواجب إلا به فهو واجب.

سنة إذا وقف عند ختم الفاتحة، والتبس عليه، ولم يدر بما يبتدئ قراءته في فرض أو نفل، كصلاة التراويح مثلا.

مستحبة داخل السورة، لأن الآية، والتي هي تامة المعنى، تجزئ في الصلاة.

3.شروط الفتح على الإمام

لا غرو أن الفتح على إمام كلام من جنس الصلاة وسعي لإصلاحها، لذلك فإنه في غير الفاتحة وعند مواطن الاستحباب تقتضي شروطاُ تضمن الحفاظ على خشوع المصلين واجتماع كلمتهم وتأليف قلوبهم على إمامهم، وذلك حتى لا يختلفوا فتختلف قلوبهم، فمن شروط الفتح على الإمام كما سطرها علماؤنا:

  • الفتح من المأموم يكون لإمامه فقط، وليس لقارئ آخره ينصت إليه وهو في الصلاة، وإلا بطلت صلاته، كما يكون من غير المصلي لمن سمع قراءته.
  • لا يكون الفتح إلا بعد طلب من الإمام، وذلك بتوقفه لمدة انتظاراً لمن يستطعمه، أو بترديده الآية.
  • إذا خلط آية رحمة بآية عذاب، أو غير تغييرا يقتضي الكفر، وكذا لو وقف وقفا قبيحاً، وكذا لو أبدل خبيرا ببصير ونحو ذلك، وكذا لو أسقط آية.
  • إذا لم ينتقل إلى آية أخرى، أما إذا انتقل دون تغيير أو إفساد لمعنى، أو أنه لم يقف ولكنه ” انتقل من سورة إلى سورة فإنه لا يفتح عليه في السورة كراهة، فإن فتح وارتكب المكروه صحت صلاته.”[9]

4. آداب الفتح على الإمام

للمساجد هيبتها ورمزيتها في الشريعة، ولذلك حرمت داخلها مباحات كثيرة تفادياً للتشويش، فهي بيوت الله ابتداءً، ومرتادوها هم زواره سبحانه، فمن الآداب التي ذكرها العلماء قبل الفتح على الإمام:

  • إخلاص النية لله عند الفتح على الإمام، لأن الفتح إعانة للإمام فقط، فلا يجب أن تشوبه نية دونية كالتشفي أو إظهار المزية أو وتصفية الحساب،
  • التزام الصف الأول وخاصة قفا الإمام، لأن من يلي الإمام ويقفون خلفه مباشرة لهم خصوصية، ويسمون سترة الإمام، لذلك خصهم عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثلاثًا، وإياكم وهَيْشات الأسواق [10]والمقصود بهيشات الأسواق ما يحصل فيها من اللغط والصخب ورفع الأصوات والجدال، غير انني أنبه إلى أن هذا لا يعني طرد الصبيان من الصف الأول، ولكن الحكمة تستحضر بحسب المقام والأحوال والأشخاص.
  • إعطاء الإمام الفرصة للتدارك وتصحيح الخطأ، وعدم الاستعجال عليه في الفتح، ولا ينبغي لمن وهبه الله عقلاً وذهناً وذوقاً أن يهجم عند كل وقف أو زلة، ولكن ينظر، فقد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل.
  • التلقين يكون برحمة وشفقة، و على قدر ما يقف عنده الإمام، بكلمة أو بداية آية، وإن قدر بصوت خافت حفظاً لهيبة الإمام.
  • القطع والتيقن التام عند التلقين، وليس مجرد الظن او الشك، فإن الآيات المتشابهات التي تكررت في القرآن وألفاظها متفقة، والتي يكون في بعضها زيادة أو نقصان أو تقديم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك، قد تلتبس حتى على الفهيم الضابط إلا من وفقه الله جل وعلا. وقد ذكر الامام ابن الجزري في ” منجد المقرئين ومرشد الطالبين” حادثة الكسائي أحد القراء السبعة عند قوله: صليت بهارون الرشيد، فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قط، أردت أن أقول (لعلهم يرجعون) فقلت ” لعلهم يرجعين ” قال: فوالله ما اجترأ هارون أن يقول لي: أخطأت، ولكنه لما سلمت، قال لي: يا كسائي أي لغة هذه؟ قلت يا أمير المؤمنين قد يعثر الجواد، فقال: أما هذا، فنعم.[11]

5. روح فقه الفتح على الإمام

ذكر ابن كثير في تفسيره، في فضل السورة الشريفة (سورة لقمان) واستحباب قراءتها في الفجر، أن أبا روح حدث عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى بهم الصبح فقرأ فيها الروم فأوهم، فقال «إنه يلبس علينا القرآن، فإن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء»[12] ، في رواية عند البيهقي ” من صلى معنا فليحسن الوضوء، فإنما يلبس علينا الصلاة أولئك “[13] ثم عقب ابن كثير بقوله “وهذا إسناد حسن، ومتن حسن، وفيه سر عجيب، ونبأ غريب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم تأثر بنقصان وضوء من ائتم به، فدل ذلك على أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام[14].

نسال الله يجنبنا الزلل في الأقوال والأفعال، وأن يبلغنا رمضان غير فاقدين ولا مفقودين.


[1] سنن البيهقي الكبرى، أبو بكر البيهقي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز مكة المكرمة ، 1414ه 1994م، كتاب الجمعة، باب إذا حصر الإمام لقن

[2] بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد الحفيد دار الحديث  القاهرة، دط، 1425هـ  2004 م ج1 ص 157

[3] الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار وعلماء الأقطار ، ابن عبد البر النمري القرطبي المالكي ، تحقيق  سالم محمد عطا ، محمد علي معوض دار الكتب العلمية  بيروت، ط1، 1421 2000م، ج1 ص439

[4] الاستذكار، ابن عيد البر، ج2 ص 312

[5] الاستذكار، ابن عبد البر، ج1 ص439

[6] سنن أبي داود، أبو داود السِّجِسْتاني،  دار الكتاب العربي ـ بيروت، كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام فى الصلاة

[7] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الفتح على الإمام فى الصلاة.

[8] لوامع الدرر في هتك أستار المختصر ، محمد بن محمد سالم المجلسي الشنقيطي ، تحقيق اليدالي بن الحاج أحمد ، دار الرضوان موريتانيا، ط1، 1436 هـ 2015 م، ج2 ص240

[9] لوامع الدرر في هتك أستار المختصر ، محمد بن محمد سالم المجلسي ج2 ص240

[10] صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب تسوية الصفوف، وإقامتها، وفضل الأول فالأول منها، والازدحام على الصف الأول، والمسابقة إليها، وتقديم أولي الفضل، وتقريبهم من الإمام

[11] منجد المقرئين ومرشد الطالبين، شمس الدين أبو الخير ابن الجزري، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1420ه 1999م، ص9

[12] تفسير القرآن العظيم ، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير ، تحقيق محمد حسين شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،  1419 هـ، ج6 ص294

[13] شعب الإيمان ، أبو بكر البيهقي (تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد ومختار أحمد الندوي، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، ط1، 1423 هـ – 2003 م، باب الطهارة، فضل الوضوء ” وفي ذلك تنبيه على فضل الغسل لأنه أكمل ”

[14] تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير ، ج6 ص294

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.