منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وعكة الحاج الوافي (قصة قصيرة)

وعكة الحاج الوافي (قصة قصيرة)/ رشيد فائز

0

وعكة الحاج الوافي (قصة قصيرة)

بقلم: رشيد فائز

لم يتحسن حال الحاج الوافي بعد زيارته الأولى للطبيب. فالأدوية التي واظب على أخذها لم تؤثر في مرضه فازداد قلقه واضطرابه. أصبح حائرا هل يأخذ موعدا جديدا أم ينتظر مرور الشهر الذي أوصى به الطبيب. شهر بدا من شدة الألم كأنه عام أو عامين.

صداع في الرأس وانقباض في الصدر وألم في الظهر وتنمل في الرجل اليسرى. والنوم لم يعد إلا سلسلة من الغفوات المتقطعة طوال الليل. زد على كل ذلك خيبات أمل في انخفاض ضغط دم مرتفع منذ شهور.

حاول الحاج الوافي أن يتهرب من واقعه الصحي ويختلق المناسبات والظروف التي يأمل أن تخرجه من حالته النفسية دون اللجوء إلى الأدوية، فكليتاه لم تعودا تتحمل المزيد  من العقاقير. و لتغيير الجو قام بزيارة مسقط رأسه عله يرتشف مع كؤوس الشاي المنعنع بعض الذكريات الجميلة العالقة بين دروب القرية زمن الشباب.

لكن ما إن تخطت رجلاه المنهكتان أعتاب القرية حتى بدأت الأخبار غير  السارة تتسلل إلى سمعه مع كل تحية يلقيها على المارين في الطريق.

–  أهلا الحاج الوافي غياب طويل هذه المرة!

– أين أنت ياحاج ؟ سبع سنين لم نرك في القرية هل نسيت أهلك وعشيرتك ؟

– أم أن المدينة ابتلعتك كما فعلت بالحاج قدور والحاج الهاشمي فلم نرهما بعدُ إلا فوق نعش مسجد القرية في الطريق إلى دار البقاء.
لم يكمل الحاج الوافي سوى ثلاثة أيام في بيت والدته المنهكة بفعل الليالي والأيام ثم قفل راجعا إلى بيته مثقلا بهموم أخرى زادته وهنا على وهن.

فارق النومُ أجفانَه وازداد الألم فلم يعد الصبر معه محتملا. ولم يجد – رغم الساعة المتأخرة من الليل – بُدًّا من الذهاب إلى المستعجلات على الفور.

ما إن وطئت قدماه قسم المستعجلات حتى استقبلته ممرضة بزيها الملائكي مبتسمه وكأنها في انتظاره منذ زمن بعيد. خيرا يا حاج ؟ والألم يعتصر قلبه وشقه الأيمن رد بكلمات هي أقرب للهمس منه إلى الكلام: الألم يكاد يسكت قلبي يا ابنتي ولم أعد أحس بذراعي ورجلي اليسرى. تغير وجه الممرضة وواصلت بخفة قياس ضغط الحاج الوافي  ثم وجهت كلمات غير مفهومة لزميلتها التي أحضرت في الحال قميصا طبيا وطلبت من الحاج الوافي أن يخلع ملابسه الخارجية ويرتدي القميص الطبي حتى تتمكن من تركيب آلة التخطيط القلبي على جسمه. هذه الآلة التي بينت أن ضغط الحاج ليس على ما يرام مما جعل ممرضة ثالثة تنزل من السماء(الطابق العلوي) ومعها سرير متحرك، فدعت الحاج الوافي للتمدد عليه وطارت به عبر المصعد نحو قسم الحالات الطارئة في جناح معزول عن مرضى كورونا.  جاءت امرأة بزي أزرق فسلمت على الحاج وقدمت نفسها : مساء الخير أنا دكتورة صفاء المسؤولة عن جناح الحالات الطارئة هذه الليلة. سنجري لك بعض الاختبارات لنعرف مصدر الألم الذي تحس به. فجاءت ممرضة أخرى يبدو عليها أنها من أصول أسيوية ومعها كيس فيه قارورات لتسحب عينات من دم الحاج الوافي لتحليله في مختبر المستشفى ففحصت الضغط من جديد فلا يزال مرتفعا عن المستوى الطبيعي وأعطت للحاج بعض حبات الدواء عله ينخفض.

قررت الدكتورة صفاء أن تخضع قلب  الحاج الوافي لفحص عبر صور التذبذبات المغناطيسية (سكانير) فجاءت ممرضة خامسة لتسوق سريره ذو العجلات عبر متاهة المستشفى صعودا وهبوطا حتى سلمته إلى المسؤول عن السكانير الذي يبدو أنه من أصول مغاربية حيث مدد الحاج على الفور في سرير خاص عند فوهة هذه الآلة العجيبة وحقنه بمحلول اليود فشعر بحرارة تسري في جسمه وطعم معدني في حلقه. طمأنه الممرض المختص وشرح له كيفية الفحص وتركه وحيدا في القاعة المغلقة. انتاب الحاج الوافي شعور بالدهشة ممزوجا بالخوف فهو يخضع لهذا الفحص لأول مرة. وزاد صوت الآلة التي تحرك جسده ذهابا وإيابا من توتره وتكاثر عدة أسئلة في رأسه.
دخل الممرض المختص على الحاج الوافي وبشره بانتهاء الفحص. لم يستطع الحاج أن يصبر فسأل الممرض :

– ها يا بني ما ذا ظهر لك في هذا الهيكل المتهالك الذي أتعبته السنين ؟ – خيرا يا حاج. سوف تعود لقسم المستعجلات وهناك سوف يخبرك الطبيب بكل شيء.

– آه يا بني لقد زدت قلقي.

– لا داعي للقلق يا حاج. فهنا لكل اختصاصه ومهامه ولا يجوز لأحد أن يتطاول على اختصاصات الآخر.

جاءت الممرضة فتسلمت الحاج الوافي المتمدد على سريره المكوكي وطارت به نحو قسم الحالات الطارئة من جديد. أمرت الدكتورة صفاء بإعادة فحص عينات أخري من الدم حتى تتأكد من خلوه من أنزيمات القلب. ثم طلبت من الممرضة إجراء تخطيط القلب مرة أخرى وقياس الضغط على رأس كل ساعة طوال الليل.

وفي الأخير خلصت الدكتورة صفاء بعد كل هذه الفحوصات إلى أن الحاج الوافي لا يعاني من مرض في قلبه، ولكن التوتر الشديد والمتراكم هو الذي تسبب في كل هذه الأعراض الشبيهة بأعراض القلب. وزيادة في التأكد أحالت الدكتورة صفاء ملف الحاج الوافي على الدكتور المختص في القلب والشرايين ليقول كلمته الأخيرة في كل هذه الفحوصات والنتائج.

دقت الساعة السابعة صباحا فإذا رجل لا تكاد تميزه عن باقي العاملين في المستشفى بهندام بسيط سروال جينز وجاكيت عادي. يسلم على الحاج:

– صباح الخير يا حاج أنا دكتور كمال أخصائي القلب والشرايين لقد أخبرتني دكتورة صفاء عن حالتك واطلعت على نتائج فحوصاتك فلم يظهر لي أن لديك مشكل في القلب أو الشرايين فأنا أؤكد ما ذهبت إليه دكتورة صفاء. والحمد لله هذا مفرح لكن لابد من متابعة علاج الضغط والتقليل من تناول الملح. سأكتب لك دواء جديدا.

– حمدا لله يا دكتور لقد أزلت عن قلبي هما كبيرا فمجرد التفكير في مرض القلب كاد أن يودي بحياتي.

– تستطيع الخروج إذا.

ثم جاءت ممرضة يبدو عليها أنها من أصول فرنسية فسلمت بدورها على الحاج الوافي وأحضرت بعض معدات فحص الكوفيد.

– أهلا ياحاج سوف أقوم بأخذ عينات للفحص عن كوفيد قبل أن تغادر المستشفى.

– حسنا يا ابنتي تفضلي فأنا جد ممتن لكم ولعملكم المتفاني معي طوال الليل. لا أعلم كيف أجازيكم فما قصرتم.

– حسنا يا حاج والآن سأحضر لك وجبة الفطور وتستطيع بعدها أن تغادر في أمان الله.

نزع الحاج الوافي قميصه الطبي ومعه كل الهموم التي كانت تراوده وارتدى ملابسه وتناول وجبة الفطور ثم قفل راجعا إلى بيته وهو يحمد الله على نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، نعمة المعافاة حيث عافاه الله مما كان يخشى ويحاذر، ونعمة السكن في هذه المدينة فلو كان بقي في قريته الأصلية لم يكن ليصل إلى كل هذه العناية الطبية بالمجان، أو لكان أدى ” نياق جوفو ” كما يقول أهل القرية!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.