منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرد على آراء الجابري حول القرآن الكريم

0
الفهرس إخفاء
ثالثا: الرد على شبهات الجابري

أولا: شبهات حول جمع القرآن الكريم

تعتبر مسألة جمع القرآن الكريم من أهم مباحث علوم القرآن،  حيث يذكرون هناك أدق التفاصيل حول نزوله، وكتابته، وكتَّابه، ومراحل جمعه، وإجماع الأمة عليه.

 ومع ذلك ، لا يزال هناك من يشكك في صحة هذا الجمع ،  محتجين بفهم معين لبعض الآيات القرآنية ، وبعض الأخبار الواهية ،  المكذوبة على بعض الصحابة ، ضاربين عرض الحائط بإجماع الأمة ، وبشرط التواتر،  الذي لا يكون القرآن قرآنا إلا به .

 وعلى خطى هؤلاء، سار الدكتور محمد عابد الجابري ،  في كتابه ” مدخل إلى القرآن ”  كما في كتابه ” فهم القرآن ” حيث يبدأ بالتشكيك في مسألة التواتر ،  ناسبا ذلك لجهات لم يسمها، ولم يوثق كلامه،  من أين أخذه، ويكتفي بالتصريح أن : »هناك داخل دائرة الإسلام من يجعل “التواتر” و”الإعجاز” موضوع نظر! « . وهذا الكلام يطرح مجموعة من الأسئلة،  منها :  

  • من هم هؤلاء الذين قالوا بهذا الكلام ؟. 
  • ألا يستحق هذا الخبر أن يوثق لما لمضمونه من خطورة على عقيدة المسلمين؟.
  • هل بقي لمن قال بهذا القول حظ من الإسلام حتى يضعه الجابري داخل دائرة الإسلام ؟.
  • لماذا لم يكلف الجابري نفسه عناء الرد على هذا القول ؟.
  • وما دلالة وضع الجابري لكلمتي التواتر والإعجاز داخل معكوفتين؟.

هذه الأسئلة توحي بأن الجابري نفسه يشكك في مصداقية جمع القرآن ،  بل إنه ينتقل من التلميح ، إلى التصريح ، عندما يقول: »وخلاصة الأمر أنه ليس ثمة أدلة على حدوث زيادة أو نقصان في القرآن كما هو في المصحف بين أيدي الناس ، منذ جمعه زمن عثمان . أما قبل ذلك فالقرآن كان مفرقا في “صحف” وفي صدور الصحابة. ومن المؤكد أن ما كان يتوفر عليه هذا الصحابي أو ذاك من القرآن – مكتوبا أو محفوظا – كان يختلف عما كان عند غيره، كما وترتيبا. ومن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه، زمن عثمان أو قبل ذلك، فالذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وقد وقع تدارك بعض النقص كما ذكر في مصادرنا. «    

هذا النص الصريح في الطعن في مصداقية جمع القرآن، يحاول الجابري دعمه “بأدلة” من القرآن،  حيث يبدأ بالتخفيف من قوة هذا النص القرآني ، الصريح ، في حفظ القرآن من لدن الله جل جلاله بقوله : » وهذا )  يقصد حدوث أخطاء حين جمع القرآن( لا يتعارض مع قوله تعالى : » إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ «.  والحجة هي أن القرآن نفسه – حسب زعم الجابري –  » ينص على إمكانية النسيان والتبديل و الحذف والنسخ.«  ثم يستشهد  على زعمه هذا بمجموعة من الآيات من كتاب الله تعالى، وهي قوله تعالى : » سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىا« . وقوله تعالى : » وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرِم بَلَ اَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ « . وقوله تعالى : » مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ« . وقوله تعالى : » وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ   «. وقوله تعالى : »وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ اَنْ يَّاتِيَ بِئَايَةٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُـثَـبِّتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ « .

 وهكذا نجد الجابري مصرا على تعرض  القرآن الكريم للتحريف ، و يزعم أن  : » هذه الأنواع من التحريف واقعة في القرآن ومعترف بها بصورة أو بأخرى من طرف علماء الإسلام تحت العناوين التالية : ” التأويل، الأحرف السبع، القراءات، مسألة البسملة« . مستدلا على ذلك بآيات من كتاب الله تعالى يلوي أعناقها بتحميلها من الفهم ما لا تحتمله.

 وبعد هذا التدرج يعمد الجابري إلى التقدم نحو محطته الأخيرة في مجانبة الصواب عندما يزعم» !  أن جميع علماء الإسلام من مفسرين ورواة حديث وغيرهم يعترفون بأن ثمة آيات، وربما سورا قد ” سقطت ” ولم تدرج في نص المصحف. بعضهم يستعمل لفظ “رفعت”، بمعنى أن الله رفعها، استنادا إلى قوله تعالى : » مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «

فكيف وصل الجابري إلى هذا المستوى من سوء الفهم ؟. وهل وصل إلى ما وصل إليه باعتماد (شك منهجي) أو (موضوعية علمية) أو (تجرد ) أم أن هناك أحكاما مسبقة يبحث لها عن “أدلة” تسندها. 

ثانيا: مواقف بعض كبار المستشرقين من طريقة جمع القرآن

قبل التعليق  على كلام الجابري ، و الرد على ” حججه ” أود التعريج  على ما قاله بعض المستشرقين، و بقدر لا بأس به من الإنصاف،  في مسألة جمع القرآن ، وما اتصفت به من دقة متناهية، وضبط كبير.

يقول تيودور نولدكه-  وهو أحد كبار المستشرقين الألمان –  في كتابه تاريخ القرآن معترفا ب » الثقة  الكبيرة و المعرفة الموضوعية اللتين سادتا عملية جمع  القرآن«. وموضحا أن الأمر لم يكن ارتجالا، أو ضربة  حظ ، أو فوضى ، أو عملا متأخرا عن نزول القرآن بقرون أو عقود تفسح  المجال لتسرب التحريف أو التبديل إلى القرآن الكريم كلا، بل » إن الفضل الرئيس في تماسك النقل يعود إلى النبي نفسه. فهو قرر، على الأرجح  منذ اللحظة الأولى التي أيقن فيها أنه يتلقى إشعارات من كتاب سماوي، أن تكون هذه وثيقة صادقة، غير محرفة للإرادة الإلهية، في مواجهة كتاب اليهود  و النصارى المقدس لذا اهتم لزاما بالتثبيت الخطي لما أوحي إليه ليحفظ من الاندثار أو التحريف «.

 و الواقف على كتاب نولدكه يلاحظ سعة اطلاعه على المكتبة الإسلامية، خصوصا ما يتعلق بعلوم القرآن والقراءات، الشيء الذي جعله يجزم بالقول أن » النقل لا يسمي فقط  الكتَّاب الذين كان محمد يملي عليهم الآيات، بل يزودنا بمعلومات هامة عن شكل هذه المكتوبات« . نفس النقل الموجود عند المسلمين و الذي احتج  به الجابري على وجود تحريف في القرآن، هو نفسه الذي جعل نولدكه يترفع عن التشكيك في القرآن، من الناحية التاريخية على الأقل، بل إن نولدكه يذهب أبعد من ذلك عندما يقرر أن » الأسماء المختلفة التي أطلقت على هذه الآيات كالقرآن ، الكتاب ، والوحي ، توحي بخلفية كتابية (تدوينية) لها. والحال هذه يصعب التصور أن محمدا لم يكن ينوي، منذ البداية، أن ينجز وثيقة للوحي أو أن يثبته في كتاب«

وهكذا تصبح أسماء القرآن وحدها كافية للتدليل على أن الهدف كان واضحا ومحددا من البداية » فالجمع كما تقول الرواية الأخرى بعبارات جافة ، قد صار انطلاقا من مصادر مكتوبة . ولا شك في هذا ، ذلك لأننا نعلم أن محمدا نفسه كان حريصا على تدوين الوحي«. وبعد كل ما ذكر ،  يخلص نولدكه إلى » كون نص مصحف عثمان  كاملا و أمينا بأكبر قدر يمكن توقعه«.

ومن العلماء من غير المسلمين من  شهد على الاهتمام البالغ والدقة المتناهية التي حظيت بها عملية جمع القرآن –  من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن صار مجموعا بين دفتي المصحف- من هؤلاء القس الأنجليكاني مونتجمري  وات الذي أمضى أكثر من ثلث قرن من عمره في دراسة العربية وعلوم القرآن ، ثم توج هذا العمر الحافل ، بهذه الشهادة  القيمة للقرآن الكريم، في كتابه ” الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر ” حيث يقول : » إن القرآن كان يسجل فور نزوله …وعندما تمت كتابة هذا الوحي شكل النص القرآني الذي بين يدينا…إنه كلام الله وحده…فهو قرآن عربي…وعندما تحدى محمد أعداءه أن يأتوه بسورة من مثل السور التي أوحيت إليه كان من المفترض أنهم لن يستطيعوا مواجهة   التحدي، لأن السور التي تلاها محمد هي من عند الله، وما كان لبشر أن يتحدى الله« .

وقد بذل عدد من المستشرقين اليهود، مجهودات جبارة في التشكيك في مصحف عثمان ، واتهامه بأنه لم يكن يضم كل القرآن الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمدين في ذلك على ما سموه اختلافات بين مصحف عبد الله ابن مسعود ومصحف أبي بن كعب من جهة، وبين المصحف الإمام من جهة أخرى، فانتهى بهم الأمر إلى عكس ما أرادوه، حيث جاء في دائرة المعارف الإسلامية – التي كتبها بعض المستشرقين – » أنه في الثلاثينيات من القرن العشرين، كان المستشرقون قد جمعوا بالفعل هذه الاختلافات وحللوها ، وانتهوا إلى أنه لا قيمة لها، فانهارت الثقة فيها…وهوت محاولات المستشرقين في  إصدار نسخة أخرى من القرآن غير نسخة عثمان…لقد ظهر أن هذه المحاولة عرجاء…بل إن المستشرق “فيشر” انتهى إلى أن معظم الاختلافات المنسوبة لصحابة قبل مصحف عثمان ما هي إلا اختلافات موضوعة مكذوبة…ووصل لهذه الحقيقة أيضا الباحث “بيرتون” – في كتابه (جمع القرآن) – والباحث “ونسبرو” – في كتابه (دراسات قرآنية) – فقالوا : إن كل – وليس بعض– الاختلافات المنسوبة إلى مصاحف الصحابة و غيرها موضوعة…والحقيقة هي أن محمدا كان قد جمع القرآن بالفعل أثناء حياته ، و أن القرآن على عهده كان مصاغا بشكله النهائي…«

بعد نقل هذه الشهادات القيمة التي سطرها عدد لا بأس به من كبار المستشرقين والتي تنسجم انسجاما كاملا مع الحقائق التاريخية، نعود للرد على ما قاله الجابري في نفس الموضوع، ولنبين أن تشكيك الجابري في صحة جمع القرآن الكريم لا تستند إلى دليل عقلي أو نقلي معتبر.

ثالثا: الرد على شبهات الجابري

إن الجابري عندما يزعم أن إنكار التواتر والإعجاز ، في القرآن الكريم  ورد عمن يدخلون في دائرة الإسلام، إنما يسعى بذلك إلى إدخال من لا يعقلون، ولا يفكرون، ولا يتدبرون، من أهل الذمة، وطبقات الزنادقة، في دائرة الإسلام، ودائرة الإسلام رغم اتساعها منهم براء، ثم  إن الرجل بطعنه في حفظ القرآن الكريم عن التغيير والتبديل » قد ذهب إلى ترديد المزاعم التي فشل في إثباتها المستشرقون اليهود في ثلاثينيات القرن العشرين ثم تراجعوا عنها !.. «. وقد رأينا كيف أن أحد كبار المستشرقين، مثل نولدكه-  وغيره – لم يملك إلا الإقرار والاعتراف الموضوعي بسلامة القرآن من التحريف والتبديل.

أما زعم الجابري بأن القرآن الكريم كان مفرقا بين صحف، وصدور الصحابة، وأن ما كان يتوفر عليه هذا الصحابي أو ذاك من القرآن الكريم كان يختلف عما كان عند غيره كما وترتيبا، وبالتالي فمن الجائز أن تحدث أخطاء حين جمعه زمن عثمان، أو قبل ذلك، لأن الذين تولوا هذه المهمة لم يكونوا معصومين، وزعمه أن المصادر الإسلامية تذكر أنه قد وقع بالفعل تدارك لبعض النواقص، فهذه مجرد دعاوى لا يسندها دليل نقلي صحيح، أو عقلي فصيح، ونحن نورد – هنا بإذن الله تعالى – رده على نفسه بنفسه، وتناقضه مع ذاته، في قوله : » وتجمع مصادرنا على أن النبي كان إذا نزلت عليه آية أو أكثر يقرأها حتى يحفظها عن ظهر قلب، ثم يقرأها على من حضر من أصحابه فيحفظونها هم أيضا عن ظهر قلب. وهذا ما يشهد له القرآن في قوله تعالى : » لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  وأيضا ” وَقُرْءَانـًا فَرَقْـنَاهُ لِتَـقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىا مُكْثٍ «. ثم يتابع الجابري قائلا : » نحن هنا إزاء عملية إقراء مزدوجة : جبريل يقرئ الرسول والرسول يقرء أصحابه . وهؤلاء يقرؤون غيرهم «. بل إن الجابري يذهب أبعد من هذا عندما يعلق على كلامه هذا في الهامش بقوله : » بقي هذا الطابع ملازما للقرآن منذ ابتداء نزوله إلى اليوم « . أليس هذا هو التواتر الذي يتحدث عنه العلماء، ويشترطونه لقبول أي رواية تتعلق بالقرآن الكريم.

هذا كلام الجابري في كتابه ” التعريف بالقرآن “، نعضده هنا بشهادة أخرى له أوردها في كتابه فهم ” القرآن “، جاء فيها : » والفرق بين الكتب السماوية وبين القرآن هو أنه لم يلحقه تغيير« .

نعم قد يختلف ما عند صحابي من القرآن الكريم عما عند آخر، ولكن هذا الاختلاف ليس دليلا على وقوع أخطاء عند جمع القرآن، لأن جمع القرآن لم يكن عملية فردية، بل كان من قبل مجموعة من الصحابة الذين أخذوا القرآن الكريم كله، ثم لم يكتفوا بما عندهم حتى سألوا كل من عنده علم من كتاب الله، مأخوذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واشترطوا ألا تُكتب آية إلا بشاهدي عدل، وتوج هذا العمل الكبير الجليل بإجماع الأمة، وما أجمعت عليه الأمة مقطوع بعصمته، لا يشك في ذلك إلا مريض القلب.

أما الزعم بوقوع تدارك لبعض النقص، فلم يحدد الجابري مقصده من هذا الكلام، فإن كان يقصد تداركا وقع بعد جمع القرآن الكريم في المصحف الإمام وإرساله إلى مختلف البلدان فهو كلام ليس له عليه حجة ولا برهان، وإن كان يقصد تداركا وقع أثناء عملية الجمع فهذا ليس تداركا بل هو جزء من عملية الجمع، ولعله يقصد بكلامه ما يتعلق بأواخر سورة التوبة، وفي رواية آية من سورة الأحزاب، التي لم توجد إلا مع خزيمة رضي الله عنه، فلما جاء بها لزيد بن ثابت رضي الله عنه قال اكتبوها ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل شهادته بشهادة رجلين .

وحدوث هذا الأمر أثناء عملية جمع القرآن عادي جدا، بل ودال على الحيوية والنشاط والحرص الذي كان يتمتع به من كلفوا بعملية الجمع، كما يدل على مشاركة الجميع بحماس ومسؤولية في هذه العملية، حيث حضر كل واحد للإدلاء بما عنده من شهادة تتعلق بكتاب الله، فلم تنته العملية إلا وقد عم الرضى بين جميع المومنين، ودون تسجيل أي اعتراض أو رفض، وكيف يعترض مؤمن على عمل به يحفظ الدين، أو يرفض ما به يتحقق اليقين.

 هذا وقد احتفظ لنا التاريخ بشهادة  قيمة، لأحد من كبار الصحابة وعظماء أئمة المسلمين، هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث قال : » لا تقولوا في عثمان إلا خيرا،  فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال : ما تقولون في هذه القراءة ، فقد بلغني أن بعضهم يقول : إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفر، قلنا : فما  ترى؟ أن يجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة و لا اختلاف ؟ قلنا : فنعم ما  رأيت «.

أما زعم الجابري أن التحريف واقع في القرآن، ومعترف به، تحت عناوين، التأويل، والأحرف السبع، والقراءات، ومسألة البسملة، فهذا  كلام لا يليق بالجابري، لأنه لا يصدر إلا عمن قل اطلاعه حتى لا يميز بين الفوارق الشاسعة بين هذه المصطلحات. وسنقف – بإذن الله تعالى – مع هذه الأمور التي ذكرها الجابري واحدة واحدة.

يزعم الجابري أن التحريف واقع في القرآن ومعترف به تحت عناوين متعددة، بدأها بالتأويل، وهذا خطأ واضح لأن الحديث هنا عن النص القرآني، أما التأويل فمتعلق بالمعاني، و شتان بين هذا وذاك، فالتأويل » توجيه لفظ  متوجه إلى معان مختلفة، إلى واحد منها بما ظهر من الأدلة « . ولا علاقة له من قريب أو بعيد بصحة النص أو عدمها، وبما أن الانحراف في فهم كتاب الله تعالى وارد وواقع، فقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجود خلف عدول في كل زمان يظهرون الحق ويقمعون الباطل، فعن أبي هريرة رضي  الله عنه قال : قال: »يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين« . فالتأويل يكون في المعنى، ولذلك أمكن تداركه، وتصحيحه، وتصويبه، من عدول هذه الأمة في كل زمان، ولو تعلق التأويل بحفظ النص لفات ولضاع منذ أمد بعيد، وأنى لأحد تدارك أمر فات، وبات جزءا من الماضي.

 وأما الأحرف السبع فرغم اختلاف العلماء في معناها فمنهم من قال هي القراءات السبع، ومنهم من قال هي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والقصص، والحلال والحرام، والمحمكم والمتشابه، والأمثال، وغيره. وكل هذا لاعلاقة له بصحة النص أو عدم صحته. فكيف يقال في مثل هذا أنه اعتراف بوقوع التحريف في القرآن؟.

وهنا أقف عاجزا عن فهم ما يرمي إليه الجابري حين يربط بين القراءات وبين وقوع التحريف في القرآن، إذ كيف يكون القول بالقراءات من لدن علماء الإسلام وتعلمها وتعليمها قولا بوجود التحريف في القرآن، وهم الذين أكدوا على أن القراءة لا تعتبر قراءة إلا إذا توفرت فيها شروط الصحة، وتأكدت عصمتها من التحريف والزيادة والنقصان، وقد جاء ذلك واضحا في تعريفهم للقراءة بأنها هي : » كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها، ولا يحل انكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة، أطلق عليها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة، سواء كانت عن السبعة، أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الداني، والمكي، والمهدوي، و أبو شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه  « .

أبعد كل هذه الأركان القائمة، و الشروط الصارمة، يقال إن القول بالقراءات هو اعتراف بوجود نوع من التحريف في القرآن الكريم  » سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ  « .

و أما كون الاختلاف الواقع بين العلماء حول اعتبار البسملة آية مستقلة في أول كل سورة، أو من أول كل سورة  كتبت في أولها، أو أنها بعض آية من كل سورة، أو أنها كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما كتبت للفصل لا أنها آية، نوعا من الاعتراف بوجود التحريف في القرآن، فهذا ما لايقبله النقل الصحيح، ولا المنطق السليم، لأنه لو عكس هذا الكلام لكان أقرب إلى الصواب للأسباب التالية :

أ – اتفق العلماء على أن البسملة بعض آية من سورة النمل .
ب – افتتح الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – بها كتاب الله تعالى، فكل القراء بها يفتتحون، وإنما يختلفون حول البسملة عند الانتقال من سورة إلى سورة، فمنهم من يبسمل، ومنهم من يكتفي بالفصل أو الوصل، وهذا له علاقة بالرواية، فكل يعمل بما روى، والكل برسول الله موصول، ودين الله واسع، فعندنا في المغرب مثلا، نقرأ برواية ورش، ورواية ورش نقلت من طريقين، طريق الاصفهاني، وطريق  الأزرق، فالأول روى البسملة، والآخر طواها، ولا إشكال، وقد روى ابن عباس – رضي الله عنهما –  » أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم « . ولكل فريق أدلته الشرعية التي يطمئن إليها ويحاجج بها، والتي ليس هذا موضع إيرادها. 
ج – أسقط الصحابة البسملة من سورة براءة، وفي هذا دليل على قمة الدقة والضبط الذي تحلى به جامعوا القرآن، جمعا لا مجال فيه للاجتهاد، وإنما هو النقل المحض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن جبريل عليه السلام، عن رب العزة جل جلاله وعز سلطانه.

فأين هي الحجة هنا على وجود تحريف أو زيادة أو نقصان في القرآن ؟؟؟.

فهذا كلام من نسج الخيال، والخيال هنا ليس له مجال.

أما قول الجابري بأن وجود تحريف في القرآن الكريم لا يتعارض مع قوله تعالى : » إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ « . بحجة أن القرآن نفسه ينص على إمكانية النسيان والتبديل و الحذف والنسخ، مستدلا على ذلك بمجموعة من الآيات، فهذا لعمري في القياس بديع، إذ كيف للقرآن الكريم، المنزل من حكيم عليم، أن يجمع بين هذا التناقض المبين، إدعاء للعصمة من التحريف، والتبديل، والتغيير، ووجود كل هذه النواقص في آن.

 أما كتاب الله جل وعلا فلا يليق به هذا الكلام، بل ولا يقع فيه، لأنه كلام الذي يعلم السر و أخفى، إذ »  لَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا « . 

كما أن كلام الله تعالى مباين لكلام الناس، كمباينة الله لخلقه، ولذلك لا تجد فيه اختلافا ولا اضطرابا، وقد كان جل وعلا يكل حفظ كتبه السابقة لأحبار أهل الكتاب، فكانوا يحرفونها ويبدلونها، طلبا للدنيا، فكان جل وعلا يجدد ما اندرس من الدين ببعثة رسول جديد، فلما ختم – سبحانه وتعالى – رسالاته بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكتبه بالقرآن الكريم، كان لزاما حفظ الرسالة الخاتمة من التبديل والتحريف والتغيير، فاستغنى جل وعلا عن كل الحفاظ، وتكفل بنفسه بحفظها، وقد أخبرنا بذلك في قوله تعالى : » إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ « . قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الأية  الكريمة : » ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر و هو القرآن، وهو الحافظ  له من التغيير و التبديل، ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى ” وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” على النبي كقوله تعالى : ” وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ “ والمعنى الأول أولى و هو ظاهر السياق «.

أما الآيات التي استشهد بها الجابري فهي قطعا لا تسعفه في بلوغ ما يروم إليه، لأن ذلك يؤدي إلى أن يكذب القرآن بعضه بعضا، وهذا محال، كما أن ذلك مخالف لإجماع المسلين، فما هو المعنى الحقيقي لهذه الآيات كما أورده أئمة التفسير؟.

الآية الأولى التي يستشهد بها الجابري من سورة الأعلى هي قوله تعالى : » سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىآ إِلاَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىا « . ففي هذه الأية » إخبار من الله تعالى ، ووعد منه له . بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها “ إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ” «. أما الاستثناء الوارد في الأية فيتعلق بالنسخ الذي يقول به علماء الإسلام، وينكره الجابري، وهو ليس نسيان تضييع كما يزعم الجابري، بل نسيان نسخ، والمعنى»   إلاَّ ما شاءَ الله أن تنساهُ، وهو ما نُسِخَتْ تلاوتهُ، فنأمُرك ألاَّ تقرأهُ حتى تنساهُ على وجهِ الأيام، وهذا نسيانُ النَّسخ دون التضييعِ«. 

 و قد أورد الطبري رحمه الله تعالى تأويلات أخرى لهذه الآية منها : أن الاستثناء ورد لتحسين النظم على عادة العرب، تذكر الاستثناء عقب الكلام ، كقوله تعالى : » خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالاَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبـُّكَ « . ومعلوم أن الله تعالى لم يشأ إخراج أهل الجنة من الجنة، ولا أهل النار من النار، ثم إن الآية تتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما الجابري يوردها للاستدلال بها على ضياع جزء من القرآن قبل جمعه من قبل عثمان رضي الله عنه، فما أبعد الدليل عن الدعوى .  

أما الآية الثانية التي يقوّلها الجابري ما لم تقله، فهي قوله تعالى في سورة النحل : » وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ « . فهذه الآية جاءت في سياق الرد على شبهات المشركين عندما استغربوا وجود النسخ في القرآن وتطاولوا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتهموه بالكذب على الله تعالى، ووصفوه بأنه يسخر من أصحابه، إذ يأمرهم بالأمر اليوم، وينهاهم عنه غدا، فرد الله مزاعمهم ودحض  شبهاتهم بقوله جل وعلا : »  وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ “، أي اذا نسَخنا آيةً أو أتَينا مكانَها أُخرى، ” وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ “، أي بمصالح العبادِ، يُنَزِّلُ فِي كُلِّ وقتٍ ما هو الأصلحُ لَهم، ” قَالُوۤاْ “، أي قالت كفارُ قريش: ” إِنَّمَآ أَنتَ “، يا مُحَمَّدُ، ” مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ”، كاذبٌ في الناسخِ والمنسوخ، مختلِقٌ من تلقاءِ نفسِكَ ! وذلك أن المشركين قالوا: إنَّكَ يا مُحْمَّدُ تَسْحَرُ أصحابَكَ، وتأمرُهم اليومَ بأمرٍ وتنهاهم عنه غداً ! قال اللهُ: ولكنَّ أكثرَهم لا يعلَمُون صدقَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا حقيقةَ القرآنِ«

ثم يناقض الجابري نفسه عندما يفهم هذه الآية – في موضع آخر – كالتالي :  »” وإذا بدلنا آية مكان آية” (حكما أو معجزة بدل أخرى ، من نبي إلى آخر ) «. فبعد أن كانت هذه الآية نفسها في كتابه التعريف بالقرآن دليلا على وجود تحريف في القرآن، صارت في كتابه فهم القرآن نسخا للأحكام والمعجزات السابقة، وهو بهذا يحاول الفرار من القول بالنسخ في القرآن، وهذا كثير عند الجابري – أقصد قول الكلام ونقيضه – في كل كتاباته، ولكن تناقضات الجابري في كتبه المتعلقة بالقرآن أشد و أنكى، لأنه يسير على غير هدى ، فالقرآن نور، وإنما يهدي الله لنوره من يشاء.

و من سورة الحج يأخذ الجابري الآية الثالثة التي يحتج بها على وجود تحريف في القرآن، وهي قوله تعالى : » وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ « . وقد تعددت أقوال أهل العلم في سبب نزول هذه الآية، فمنهم من ربطها بقصة الغرانيق الواقعة في سورة النجم، ومنهم من أنكر ذلك كله، ونحن نكتفي هنا بإيراد قول قتادة رحمه الله في الموضوع، حيث يقول : » كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى، فحفظها المشركون، وأجرى الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأها : فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيءٍ اِلآَّ إِذَا تَمَنَّىآ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”. فدحر الله الشيطان «. ولا مجال هنا لزعم الجابري بأن في هذه الآية دلالة على تعرض القرآن للتحريف، بل فيها دلالة واضحة على حفظ الله لأنبيائه ورسله وعصمتهم من الشيطان الرجيم.    

وأما احتجاج الجابري بقوله تعالى : » مَا نَنسَخْ مِنَ ـ ايَةٍ اَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمَ اَنَّ اللَّهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « .والزعم بأنها تدل على أن القرآن الكريم تعرض للتحريف فلا دليل عليه، والآية على كل حال تدل على وقوع النسخ – الذي ينكره الجابري – في الأحكام الشرعية، ويقول به عندما يتعلق الأمر بالطعن في القرآن.

أما الآية 38 – 39 من سورة الرعد فهي أيضا تتحدث عن النسخ، ولكن على مستوى آخر – أقصد نسخ شريعة لاحقة  لشريعة سابقة – فقوله تعالى : » وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ اَنْ يَّاتِيَ بِئَايَةٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُـثَـبِّتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ « . فالمعنى هنا أنه لم يكن لنبي من الأنبياء أن » يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه « ، وأنه جل وعلا لم ينزل كتابا من السماء إلا وله مدة مضروبة ، ومقدار معين ، فلهذا » ” يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء” منها ، ” وَيُثْبِتُ” يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله عليه وسلامه «

لقد حاولت – قدر المستطاع – الوقوف بالرد على بعض الحجج العقلية والنقلية التي أوردها الجابري للاحتجاج بأن القرآن قد تعرض للخطأ والنسيان والتبديل والحذف والنسخ، كما ذكرت بعض التناقضات التي وقع فيها، بادعاءه مرة تعرض القرآن للتحريف، ونفيه أخرى، ولأن الرجل بضاعته مزجاة في العلم الشرعي – إن افترضنا سلامة النية و صحة القصد –  فربما تأثر بما هنالك الآن من » جدل طويل عريض في موقع الأنترنت حول هذا الموضوع«.  فأراد أن يخرج  بموقف وسط، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، فهو مفكر كبير، مشهور، له جمهور من كل المشارب الثقافية ينبغي الحفاظ عليه، فانتهى به الأمر إلى مجموعة من التناقضات ليس بينها رابط   فظهر بذلك أن الدليل أبعد عن الدعوى، وأن الآيات القرآنية تأبى أن تشهد على باطل –  فالقرآن يصدق بعضه بعضا – لأن الفهم الصحيح لها مخالف تماما لما قصده الجابري، ورمى إليه، ثم رأينا كيف أنه هو نفسه يعطيها معان أخرى، في أماكن أخرى، ولعله لذلك حاول الهروب إلى الأمام بقوله » ومع أن لنا رأيا خاصا في معنى “الآية” في بعض هذه الآيات ، فإن جملتها تؤكد حصول التغير في القرآن و أن ذلك حصل بعلم الله ومشيئته « .

لقد خصص الجابري لمسألة جمع القرآن والزيادة فيه والنقصان فصلا كاملا من اثنين وعشرين صفحة، حشر فيه كما هائلا من الافتراضات والروايات الواهية التي تشكك في القرآن الكريم، وهي الروايات التي» حفل بها كتاب (المصاحف) للسجستاني، ذلك الكتاب الكذوب الذي نشره أحد المستشرقين …والذي أعادت طبعه سنة (2005م)أكبر كنائس الشرق ، لتوزعه – في فروعها –  بالمجان !! «.. .

وهكذا اعتمد الجابري – كعادته – كل رواية واهية، ساقطة، لا قيمة لها سندا ولا متنا، وهو الذي لا يفوت فرصة دون الطعن في السنة الصحيحة تصريحا أوتلميحا، وهو الذي ملأ الدنيا ضجيجا بالحديث عن المنهج النقدي…التفكيكي…والتحليل لبنية النصوص، ثم  يرد روايات من صحيح البخاري “بحجج” ليست لها أي قيمة علمية، و يستشهد ويبني آراءه ومواقفه على روايات هي إلى الوضع أقرب !!!. 

وهو بهذا يهد صرح المنهج العلمي الذي شيد على مدى قرون، والذي التزم به عدد من علماء الغرب فتوصلوا به إلى الحقائق العلمية والتاريخية التي ذكرنا بعضها آنفا حول مسألة جمع القرآن، وخالفه – أقصد المنهج العلمي –  الجابري لأسباب نجهلها ومقاصد هو وحده يعلمها !.

فلو استعمل الجابري أحدث المناهج العلمية في ترتيب المصادر حسب صحتها وأهميتها التاريخية، فبدأ  بالقرآن نفسه الذي يشهد لنفسه بالصحة شكلا ومضمونا، وبالروايات الصحيحة في كتب الحديث المعتبرة، واستعمل  منهج المحدثين في نقد الأسانيد والمتون بضوابط النقد العلمية المعروفة، وتجنب أن يكون كحاطب ليل لا يفرق بين الغث والسمين، لتوصل إلى نتائج حقيقية وصحيحة غير التي توصل إليها، ولحافظ بذلك على مكانته المرموقة في عالم البحث والفكر، ولاكتسب معجبين كثر بدل الصدمة التي أحدثها للناس بطريقة تناوله للقرآن الكريم، وهي طريقة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالموضوعية العلمية، كما أنها أبعد ما تكون عن أي منهج علمي رصين قديم أو حديث ؟!.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.